لماذا قال الشيخ مقبل عن متصدر للجرح والتعديل: لا يفلح؟

الشيخ أبو الفضل المصري 29 أكتوبر 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

الجرح والتعديل علم له أصول وضوابط، وليس سلاحًا مباحًا لكل من فتح قناة أو جمع نقولًا. ولهذا حكم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي على رجل تصدر للكلام في أهل العلم وهو غير مؤهل بأنه «لا يفلح». ففساد المتصدر لا يطعن في العلم، لكنه يوجب منعه من العبث بأعراض العلماء.

لماذا قال الشيخ مقبل: لا يفلح؟

كان الرجل المقصود أرفع علمًا من محمد شمس الدين والخليفي، ومع ذلك لم تؤهله معلوماته للكلام في الرجال. فالجرح والتعديل صنعة مستقلة من علوم الحديث، والدخول فيها بلا أهلية يفسد الأديان كما يفسد نصف الطبيب الأبدان.

طول الممارسة وكثرة المذاكرة

اشترط ابن رجب طول الممارسة وكثرة المذاكرة، فلا يصير الناقد ناقدًا بقراءة عابرة أو حفظ أسماء. وقضى الألباني عمره في الحديث حتى صار له حق الكلام في طرقه ورجاله، وهذا هو معنى إدمان الطلب الذي نص عليه الأئمة.

شروط الذهبي للناقد

لا يصير المزكي والجارح جهبذًا إلا بالفحص الطويل، والمذاكرة والسهر والتيقظ والفهم، مع التقوى والدين المتين والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان. ومن غلبه الهوى والعصبية أو كان مخلطًا مهملًا لحدود الله فليس من أهل هذا الباب.

البهرج لا يدوم

قد يستر المتصدر جهله بلحية أو عمامة أو كلام منمق، لكن الامتحان يكشفه. أهل الجرح والتعديل في كل عصر قلة من الجهابذة، لا جمهورًا من المتابعين، وكثرة الكتابة والمقاطع لا تمنح صاحبها علمًا ولا ورعًا.

اتفاق النقاد حجة على الشاذ

أئمة الجرح والتعديل غير معصومين، لكنهم أكثر الناس صوابًا وأندرهم خطأ وأشدهم إنصافًا وأبعدهم عن التحامل. وقد اتفق أهل العلم على إمامة النووي وابن حجر والخطابي والبيهقي، فلا يلتفت إلى شذوذ متصدر جاهل يهدم هذا الحكم المستقر.

العلم التام والورع التام

نص الذهبي على أن الكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة تام الورع. ولم يكن كل أصحاب أحمد ولا كل المحدثين في العصور يتكلمون في الناس، بل حُصر النقاد الكبار لقلة من جمع العلم والديانة.

ليس كل محدّث مقبولًا في الرجال

قلّل العلماء النقل عن بعض المحدثين في الجرح مع إمامتهم في الرواية؛ لأنهم أكثروا من الكلام في هذا الباب. ثم قسموا النقاد إلى متشدد ومتساهل ومعتدل، وفسروا اصطلاح كل واحد قبل قبول حكمه. فإذا كان هذا صنيعهم مع الأئمة، فكيف يُقبل حكم الجاهل لمجرد ثقته بنفسه؟

العالم إذا أخطأ والجاهل إذا تصدر

العالم المؤهل يجتهد في الجرح فيصيب أو يخطئ، أما الجاهل فلا يملك أصلًا أهلية الاجتهاد. واحتجاج الحدّادي بأن إمامًا جرح رجلًا ولم يسمه أحد حدّاديًا مغالطة؛ لأن النزاع في العلم والورع والمنزلة التي تخول صاحبها إصدار الحكم.

التكفير والتبديع ليسا حقًا للعوام

كفّر الصحابة المرتدين بعلم واجتهاد واتفاق، ثم تشبه بهم الخوارج فكفّروا الصحابة والمسلمين بجهل. وكذلك يتشبه غلاة التبديع بالنقاد، فيعطون أنفسهم حق التفسيق والتضليل والتبديع والتكفير. تشابه الفعل الظاهر لا يسوي بين الإمام المؤهل والجاهل المتعدي.

حكم الشيخ مقبل فيمن يتولى الجرح

نص الشيخ مقبل في «فضائح ونصائح» على أن الذي يقوم بالجرح والتعديل هو العالم البصير الذي يخاف الله، وليس كل أحد. ومحمد شمس الدين والخليفي ليسا من العلماء البصراء في هذا الفن، ولا يملكان الورع الذي يبيح لهما الخوض في أعراض الأئمة.

الديانة قبل الخصومة

قرر أبو زرعة أن من لم يتكلم في الرجال على الديانة يعطب نفسه، وأن كلام الثوري ومالك نفذ لصدقهما وتجردهما. أما تحويل الباب إلى خصومة شخصية وتهديد للناس فدليل هوى يناقض غاية الجرح الشرعية.

تحذير السخاوي من الغرض والهوى

حذر السخاوي المتصدي من التحامل وترك الإنصاف، كما حذره من الإطراء والافتراء. تعديل غير الثابت يثبت للناس ما ليس بحق، والجرح بلا تحرز يوسم مسلمًا بريئًا بعار قد يبقى عليه عمره، ويجمع حق الله ورسوله وحق الآدمي.

موقف ابن دقيق العيد من خصمه

امتنع ابن دقيق العيد أن يكتب في محضر ضد ابن بنت الأعز مع شدة العداوة بينهما، وأغلظ على من طلبوا ذلك وقال: لا يحل أن أكتب فيه. فزادت منزلته وظهرت ديانته؛ لأن أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، يقف على شفيرها المحدثون والقضاة.

آفة اللسان أخطر مما يظن المتصدر

يتورع بعض الناس عن الحرام الظاهر، ثم يفري لسانه في أعراض الأحياء والأموات. والغيبة كبيرة، فإن لم يكن العيب في الشخص صار الكلام بهتانًا، ولا تمحو لذة الانتصار حق المسلم يوم القيامة.

الطعن قد يفوّت علم أمة

الحكم على العالم أشد من الحكم في خصومة مالية؛ فخطأ القاضي قد يفوّت دراهم، وخطأ الجارح قد يحرم الناس أحاديث وفتاوى وكتبًا ينتفعون بها. والطعن في حملَة الشريعة يعود طعنًا على الطريق الذي وصلت به الشريعة.

شروط من يتصدر

لا يدخل هذا الباب إلا عالم راسخ شهد له العلماء، ملازم للتقوى، متثبت عادل منصف، تام المعرفة والورع. وما دون ذلك جهل يلبس ثوب النقد، وخطره على الدين وأعراض المسلمين أعظم من نفعه الموهوم.