خطر الحدّادية على السنّة النبوية وحرمة إسقاط أئمة الحديث

الشيخ أبو الفضل المصري 28 أكتوبر 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

الطعن في رواة السنّة وشُرّاحها ليس خصومةً مع رجال مضوا، بل عدوانٌ على الطريق الذي حُفظ به حديث النبي ﷺ وفُهمت به العقيدة والفقه والتفسير. ومن هنا يظهر خطر الحدّادية: تنزيل العلماء عن منازلهم، ورفع الجهال وأنصاف المتعلمين إلى مقام الحكم عليهم، ثم تحويل أخطاء الأئمة إلى معاول لهدم مكانتهم وميراثهم.

أنزلوا الناس منازلهم

أصل المادة حديث عائشة رضي الله عنها: «أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم». تكلّم بعض أهل الحديث في سنده، وقبله وصححه أو حسنه آخرون، وذكره مسلم في مقدمة صحيحه، واحتج به العلماء في معرفة مراتب الناس وإعطاء كل ذي حق حقه.

المعاملة تختلف باختلاف الحال

أعطت عائشة مسكينًا كسرة، ثم أجلست رجلًا ذا هيئة وأطعمته، فبيّنت أن النبي ﷺ أمر بإنزال الناس منازلهم. وليس ذلك احتقارًا للفقير، بل مراعاة لحال كل إنسان ومكانته وما يصلحه.

رفع الوضيع وخفض الرفيع كلاهما ظلم

من كلام علي رضي الله عنه أن إكرام من لا يستحق المنزلة وإهانة صاحب القدر يورثان العداوة والفساد. والعدل أن يُعرف للعالم علمه، وللكبير سنه، ولصاحب السابقة سابقته، من غير عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ.

علم الحديث قائم على معرفة مراتب الرجال

لم يجمع المحدثون الأسانيد ثم يسوّوا بين رواتها، بل ميزوا العدل من المجروح، والضابط من سيئ الحفظ، والمتصل من المنقطع، والمدلس من المصرح بالسماع، وعرفوا الرحلات والمواليد والوفيات واللقاءات. بهذه الدقة انكشف الصحيح من الضعيف وحُفظت السنّة من الكذب والوهم.

دقة لا تستوعبها الأحكام السريعة

قد يُقبل الراوي في شيخ ويضعف في آخر، أو يختلط في آخر عمره، أو تختلف روايته قبل احتراق كتبه وبعده، أو يثبت لقاؤه بواحد دون غيره. ولهذا ألّفت البحوث المطولة في رواة مثل ابن لهيعة، ونوقشت سماعات ميمون بن أبي شبيب وأبي عبيدة من ابن مسعود؛ فلا مكان في هذا العلم لأحكام المتصدر الجاهل.

العقيدة لا تستغني عن علم الحديث

إثبات كثير من أسماء الله وصفاته وأخبار الغيب مبني على صحة الحديث ودلالته. ومن لم يعرف مراتب الرواة وعلل الأسانيد قد يبني اعتقاده على خبر لا يثبت، أو يرد خبرًا صحيحًا، ثم يظن أنه يحرس العقيدة وهو يهدم أحد أصول تلقيها.

التفسير يحتاج إلى السنّة

فسر النبي ﷺ الظلم في قوله تعالى: «الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم» بالشرك، فرفع عن الصحابة توهم أن المراد مطلق المعصية. والقرآن يفسر بالقرآن ثم ببيان الرسول ﷺ وأقوال الصحابة، ولا يوصل إلى صحيح هذا البيان إلا علم الحديث.

الفقه أكثر تفصيله في الحديث

جاءت أصول الصلاة والزكاة والقصاص والديات والمعاملات في القرآن، وجاءت تفاصيلها في السنّة. واستثنى الحديث السمك والجراد والكبد والطحال من عموم تحريم الميتة والدم، وبيّن موضع قطع يد السارق وكيفية إقامة العبادات. فمن هدم الثقة بأئمة الحديث أفسد الطريق إلى تفاصيل الشريعة.

الجهابذة حفظوا الدين من الكذابين

وضع الزنادقة أحاديث لنصرة عقائدهم، فتصدى لهم النقاد واستخرجوا الكذب حرفًا حرفًا. وتطابقت أحكام كبار النقاد على الأحاديث بعد بحث مستقل طويل، فكان علمهم ثمرة حفظ واسع ونظر دقيق وتوفيق من الله، لا أحكامًا جزافية.

أهل الحديث هم حَمَلة السنّة

قامت بهم رواية أخبار النبي ﷺ من جيل إلى جيل، وبقي خبر الدجال وفتنته وسبل العصمة منه معروفًا بالأسانيد المتصلة. وسيعرف المؤمن الذي يواجه الدجال صفته وما يفعله من كلام رسول الله ﷺ الذي حفظه هؤلاء الرجال.

الرواة حفظوا النص والشراح كشفوا معناه

صنفت السنّة في المسانيد والسنن والجوامع والصحاح، ثم قام العلماء بشرح ألفاظها وأحكامها: شرح الخطابي، و«فتح الباري»، وشرح النووي على مسلم، و«عون المعبود»، و«تحفة الأحوذي»، وشروح النسائي وابن ماجه ومسلم. فكما حفظ المتقدمون الرواية، خدم المتأخرون الفهم والبيان.

الطعن في النووي وابن حجر طعن في شرح السنّة

لم تكن كتب ابن حجر والنووي حواشي هامشية، بل صارت من أعظم مفاتيح الصحيحين. يُرد ما أخطأ فيه الإمام، ويستغفر له، ويُحفظ علمه وفضله؛ أما إسقاطه وتحويل خطئه إلى باب لاحتقاره فعدوان على خادم من كبار خدام السنّة.

العلماء يصحح بعضهم بعضًا

العصمة للنبي ﷺ وحده، فإذا أخطأ عالم بيّن خطأه عالم آخر. ولم يترك الله تنقية العلم للعوام ولا للمتصدرين الجهال، بل حمله عدول كل خلف، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

ورثة الأنبياء لا ورثة المتنبئين

العلماء الصادقون ورثة الأنبياء، وفي مقابلهم أدعياء يرثون مسالك المتنبئين والكذابين. والميزان ليس كثرة الصخب، بل حمل العلم وصيانته ونقله بعدل وأمانة، مع معرفة قدر أهله.

أولى الناس بالنبي ﷺ

أكثر الناس صلاة على النبي ﷺ أولى الناس به يوم القيامة، وأهل الحديث من أكثر الأمة صلاة عليه لكثرة روايتهم كلامه وذكره. ووصف الشافعي لقاء صاحب الحديث بأنه كأنه لقاء واحد من أصحاب رسول الله ﷺ؛ فقد صحبوا أنفاسه وإن لم يصحبوا شخصه.

خلاصة الخطر الحدّادي

حين يُرفع المتصدر الجاهل فوق أئمة النقد والشرح، ويُنزّل ابن حجر والنووي وسائر خدام الحديث عن منازلهم، لا تبقى القضية نقد خطأ جزئي؛ بل يصاب حفظ السنّة وفهمها في الصميم. نصرة السنّة تكون بصيانة حديثها، واحترام حملته، ورد خطئهم بعلم وعدل، لا بالسب والتبديع وإهدار الميراث.