المعركة الوهمية للخليفي: الأصول والفروع عند ابن تيمية وحكم المجتهد المخطئ

الشيخ أبو الفضل المصري 3 ديسمبر 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يبيّن الشيخ أبو الفضل المصري أن أبا جعفر الخليفي حوّل النقاش من حكم المجتهد المخطئ إلى سؤال آخر: هل يستعمل ابن تيمية تقسيم الدين إلى أصول وفروع؟ ثم يجمع نصوص ابن تيمية وابن القيم ودراسة سعد الشثري ليقرر أن موضع النزاع هو ترتيب التكفير والتبديع على هذا التقسيم، لا مجرد الاصطلاح.

النقاش في حكم المعيّن لا في وجود الاصطلاح

كان الاستدلال من «منهاج السنة» ببحث ابن تيمية تصويب المجتهدين وتخطئتهم وتأثيمهم في مسائل الأصول والفروع، ثم بنص «القواعد النورانية» في الفرق بين العالم حسن القصد وصاحب الهوى. أما رد الخليفي فخصّص أكثره لإثبات أن ابن تيمية يقسم المسائل إلى أصول وفروع، وهو أمر لم ينفه الرد أصلًا.

المسألة المحددة هي: هل يختلف حكم العالم الذي استفرغ وسعه في طلب الحق فأخطأ بين مسألة عقدية ومسألة عملية؟ ونصوص ابن تيمية تقرر أن العبرة ببلوغ الحجة وحال الشخص من الجهل والتأويل، وأن القطع والظهور والخفاء أمور تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة.

نقد ابن تيمية للتقسيم المحدث

ينقل المقطع قول ابن تيمية إن جماهير أئمة الإسلام لم يقسموا المسائل إلى أصول يكفر بإنكارها وفروع لا يكفر بإنكارها، وإن هذا التفريق لا أصل له عن الصحابة والتابعين، وإنما أُخذ عن المعتزلة وتلقاه بعض الفقهاء. كما يقرر في «درء تعارض العقل والنقل» أن أصول الدين التي جاء بها الرسول ﷺ قد بُينت في الوحي بيانًا شافيًا، وأن دعوى وجود أصل ديني لم ينقل فيه كلام عن الرسول طعن متناقض في البلاغ.

لكن ابن تيمية يستعمل ألفاظ الأصول والفروع أحيانًا، ويذكر أن الجليل من المسائل العلمية والعملية أصول، والدقيق منها فروع. فليس الاعتراض على كل اصطلاح تعليمي، بل على جعله ميزانًا آليًا لتكفير المخالف في العقائد وإعذاره في العمليات.

القطعي والظني يختلفان باختلاف الحال

يعرض المقطع نص ابن تيمية في أن المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة العملية: كلتاهما تنقسم إلى قطعي وظني، والمخطئ فيهما قد يكون مذنبًا أو فاسقًا أو معذورًا. والعلم بوجوب أركان الإسلام وتحريم المحرمات الظاهرة قطعي كالعلم بقدرة الله وعلمه وكلامه، لكن الحكم العام بكفر الجاحد لا يثبت في حق المعيّن إلا بعد توافر الشروط وانتفاء الموانع.

وقد تكون المسألة معلومة عند مستمع، مظنونة عند آخر، مجهولة عند ثالث؛ وقد يجب قبولها في حال، أو يضر طرحها على من لا يفهمها. لذلك نهى السلف عن تحديث العامة بما يفتنهم، ولا يجوز تحويل دقائق الاعتقاد إلى مادة جماهيرية بلا مراعاة للعقول والأحوال.

لا يُعمَّم تكفير إمام لمعيّن

من صريح كلام ابن تيمية: إذا غلّظ إمام على قائل مقالة أو كفّره بها، فلا يجعل ذلك حكمًا عامًا في كل من قالها حتى يتحقق الشرط الذي استحق به التغليظ والتكفير. ومن جحد شريعة ظاهرة وهو حديث عهد بالإسلام أو ناشئ ببلد جهل لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية.

كما يقول إن نصوص الوعيد ونصوص الأئمة في التكفير والتفسيق لا تستلزم ثبوت موجبها في حق المعيّن إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع، «لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع».

ابن القيم ومفاسد التقسيم

ينقل المقطع من «مختصر الصواعق» أن المتكلمين قسموا الدين إلى علميات وعمليات، ثم جعلوا المخطئ في الأصول كافرًا أو فاسقًا، وجعلوا كل مجتهد في الفروع مصيبًا. ويرد ابن القيم هذا من وجوه، أبرزها أن التكفير بالخطأ في الأصول دون الفروع من أبطل الباطل، وأنهم ردوا أخبار الآحاد الصحيحة في العقائد وقبلوها في الأحكام.

كيف جُمعت عبارات ابن تيمية المختلفة؟

تلخّص دراسة سعد الشثري خمسة مواقف في كلام ابن تيمية: استعمال لفظ الأصول والفروع، وحكاية ضوابط الناس، واختيار بعض الضوابط أحيانًا، وحكاية إنكار التقسيم، ثم إنكار نسبته إلى الشرع. وطرحت ثلاثة تفسيرات: أنه استعمله أولًا ثم رجع عنه، أو خاطب الناس باصطلاحهم مع إنكار نسبته للشرع، أو قبله اصطلاحًا مجردًا لا تترتب عليه أحكام.

تلتقي الاحتمالات كلها عند نتيجة واحدة: لا يجوز جعل الاصطلاح طريقًا مباشرًا إلى تكفير المعيّن أو تبديعه. وذكر صالح آل الشيخ أن التقسيم يصح إذا أريد به تمييز المسائل الكبرى الواضحة من التفاصيل، ويبطل إذا قيل إن مخالف الأصول يكفر بإطلاق ومخالف الفروع لا يكفر.

السؤال الذي يحسم الخلاف

يختتم المقطع بسؤال مباشر: عالم مجتهد استفرغ وسعه في طلب الحق، ثم أخطأ في مسألة عقدية أو عملية وكان القول في ذاته كفرًا أو بدعة؛ هل يحكم على المعيّن فورًا، أم لا بد من قيام الحجة واستيفاء الشروط وانتفاء الموانع؟ هذا هو محل كلام ابن تيمية، وأي جواب علمي لا بد أن يواجهه بلا نقل للمعركة إلى مجرد أسماء الأقسام.