دمشقية بين تكفير السيوطي وإلزام محمد شمس بكلامه في اللفظية
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يجمع الشيخ أبو الفضل المصري في هذا المقطع بين نصوص لعبد الرحمن دمشقية تقرر عدم تكفير كل من وقع في قول كفري، وبين موقفه من تكفير الإمام السيوطي، ثم يلزمه بما يترتب على تطبيق المعيار نفسه على محمد بن شمس الدين. ويستند في ذلك إلى كلام لابن تيمية في أهل الدين والصلاح الذين وقعوا في الاستغاثة جهلًا، وإلى أمثلة أوردها دمشقية نفسه في الغزالي والجويني والقشيري وابن فورك، قبل أن ينتقل إلى عبارة محمد شمس في خلق صوته وقراءته للقرآن ونصوص الإمام أحمد في اللفظية. ومقصوده أن تعميم حكم المقالة على كل قائل يفتح بابًا لا يسلم منه من يطلقه، وأن المخرج المنضبط هو التفريق بين القول والقائل واستيفاء شروط الحكم على المعيّن.
ابن تيمية يصف بعض الواقعين في الاستغاثة بالدين والصلاح
افتتح أبو الفضل بنقول من الجزء الثالث من «مجموع الرسائل والمسائل»؛ فذكر عن ابن تيمية رجلًا صنف كتابًا في الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام، ومع ذلك وصفه بأنه شيخ مشهور بالدين والزهد والصلاح. ثم قرأ كلامًا في شيوخ لهم نصيب وافر من الدين والزهد والعبادة، وقعوا بسبب قلة العلم بحقيقة ما جاء به الرسول في أحوال ظنوها كرامات، بينما عدها ابن تيمية من تمثل الشياطين لمن يستغيث بغير الله.
ويستحضر أبو الفضل كذلك ذكر ابن تيمية ليحيى الصرصري ومحمد بن النعمان، وما في كلامهما من التوسل والاستغاثة، مع وصفهما بالصلاح والدين والتنبيه إلى أنهما ليسا من أهل العلم بمدارك الأحكام. ثم يقرأ تقريره أن دعاء الأموات من الأنبياء وغيرهم لم يشرعه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من الشرك، لكنه لا ينتقل من هذا الحكم العام إلى تكفير جميع المتأخرين الذين وقعوا فيه؛ لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة حتى يبيّن لهم ما جاء به الرسول.
الاستغاثة الشركية غير التوسل المختلف فيه
ينبه أبو الفضل إلى أن الكلام هنا على سؤال الميت وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله منه، لا على استعمال لفظ الاستغاثة بمعنى التوسل إلى الله بالنبي، وهو المعنى الذي يقول إنه فصله في لقاء سابق. فحكم الفعل لا يغني عن تحقيق المراد من اللفظ، كما أن وصف الفعل بالشرك لا يساوي آليًا تكفير كل مسلم وقع فيه من غير بيان ولا نظر في حاله.
ثم يحيل إلى ما سبق أن نقله من كلام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في عدم تكفير ابن حجر الهيتمي وغيره ممن وقع في مثل هذه المسائل. ويذكر أن كتابًا متخصصًا في آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية يعرض له مخالفات في توحيد الألوهية والأسماء والصفات، ومع ذلك بقي علماء أهل السنة يصفونه بالعلم وجلالة القدر. ويجعل أبو الفضل هذه المعاملة شاهدًا على أن نقد المخالفة لا يستلزم إسقاط العالم ولا إخراجه من الإسلام.
قواعد دمشقية القديمة تمنع تكفير كل من زلت قدمه
قرأ أبو الفضل من الجزء الأول من «موسوعة أهل السنة» لعبد الرحمن دمشقية قوله إنه لا يكفر كل من زلت قدمه، وإن المؤمن قد يقول كفرًا ولا يكفر به؛ ثم مثّل دمشقية بنسبة الاستيلاء إلى الله، فحكم على المقالة بالكفر، لكنه امتنع عن تكفير قائليها لاعتقاده أنهم يجهلون حقيقة ما تؤول إليه الكلمة.
ويواصل النقل عن دمشقية بأنه لو كفّر كل من زلت قدمه لسارع إلى تكفير الغزالي في عبارته «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، والجويني ومن نُسب إليه القول بأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات، والقشيري فيما استحسنه من حكاية منكرة، وابن فورك والخطيب البغدادي فيما استحسناه من رواية إقعاد النبي صلى الله عليه وسلم على العرش. ومحل الإلزام عند أبي الفضل أن دمشقية عد هذه الأقوال شديدة الخطر، ومع ذلك لم يجعل الزلة وحدها حكمًا نهائيًا على أصحابها.
إذا كُفّر السيوطي بالزلة اتسعت الدائرة
يقول أبو الفضل إن تكفير السيوطي بما نُسب إليه يلزم صاحبه بتكفير عدد كبير من الأئمة المتقدمين والمتأخرين الذين وردت عنهم عبارات مماثلة أو أشد. ويخص بالذكر ما نقله دمشقية عن استحسان رواية الإقعاد؛ إذ إن محمد بن شمس الدين أفرد لها مقطعًا ونقل أقوال عدد من المتقدمين فيها، كما أوردها الخطيب البغدادي. فإذا كان مجرد استحسانها عند دمشقية قولًا يوجب الكفر لولا قاعدة عدم تكفير كل من زلت قدمه، عاد الإلزام إلى محمد والخطيب معًا.
ويقرر أبو الفضل أن الواجب بيان الحق، أما من مات من المسلمين فيرجأ حكمه إلى رب العالمين، إلا أن يتكلم فيه إمام معتبر فيتبع أهل العلم. ثم يسأل: هل يتراجع دمشقية عن القاعدة التي كتبها، أم يطبقها على محمد بن شمس الدين كما طبقها على الأئمة الذين ذكرهم؟
بين شهادة محمد على السيوطي وثناء العلماء عليه
يعرض المقطع تسجيل محمد بن شمس الدين وهو يشهد أن جلال الدين السيوطي ليس مسلمًا، بل مرتد عن الإسلام، ويدعو على نفسه ونسائه بالهلاك إن كان كاذبًا. ويقابله بمقاطع لعلماء ودعاة يصفون السيوطي بالإمام والعالم الجليل المكثر، ويذكرون تصنيفه في التفسير والحديث والفقه واللغة والتاريخ، ويحذرون من تكفير علماء المسلمين بسبب خطأ في مسألة أو مسألتين.
كما يعرض عبارات شديدة لمحمد في السيوطي، ثم يقابلها بثناء متكرر عليه والترحم عليه والدعاء بالانتفاع بعلومه. ويرى أبو الفضل أن هذا التباين يضع المتلقي أمام حكم منفرد في مقابل تعامل علمي متوارث مع كتب السيوطي ومكانته، فلا يصح تجاوز ذلك كله من غير إمام سابق ولا تحقيق مستوفٍ لأسباب التكفير وموانعه.
إلزامات أخرى من تطبيق القاعدة على أصحابها
يذكر أبو الفضل أن محمد بن شمس الدين اتُّهم هو أيضًا بعبارات قيل إن فيها شركًا، ومنها كلامه عن معرفة اليهود والنصارى بربهم وتفضيله مجتمعًا ألمانيًا متعدد الأديان في سياق عرضه، وقد رد عليه أبو عمر الباحث من كتبهم. كما يذكر غناء عبد الله الخليفي كلامًا وصفه أبو الفضل بالشركي، ثم دفاع محمد عنه وحمله على محمل لا يكفر به قائله. ولا يجعل أبو الفضل هذه الأمثلة تكفيرًا للرجلين، بل يقول إنها تطبيق عملي لقاعدة أهل السنة في التفريق بين القول والفاعل، وإلزام لمن يمنع هذا التفريق عند خصومه ثم يستعمله مع شيخه ونفسه.
عبارة محمد شمس في خلق صوته وقراءته
يعرض أبو الفضل تسجيلًا لمحمد يقرر فيه أن القرآن غير مخلوق، ثم يفرق بين المقروء وبين أداء القارئ، فيقول إن قراءته وترتيله وصوته مخلوقة؛ لأنها تختلف عن قراءة غيره وصوته. ثم يقرأ أبو الفضل من «الرد على المبتدع» وحاشية عادل آل حمدان نصوصًا في اللفظية الذين يقولون إن ألفاظهم بالقرآن وتلاوتهم مخلوقة، وينقل عن الإمام أحمد وصف هذا الإطلاق بأنه كلام الجهمية، والحكم على القائل «لفظي بالقرآن مخلوق» بأنه جهمي كافر.
ويضم إلى ذلك نقلًا عن ابن تيمية في إنكار أئمة السلف على من قال إن تلاوة القرآن وقراءته واللفظ به مخلوق. وبناء على دعوى محمد أن الإمام أحمد كفّر أعيان الجهمية بلا تفصيل، يقول أبو الفضل إن تطبيقها الحرفي على عبارته يلزمه بتكفير نفسه، بل بزعم أن أحمد كفّره عينًا. ثم يصرح بأنه يبرئ الإمام أحمد من هذا التنزيل، ولا يكفر محمدًا، لأن نصوص الوعيد والحكم العام لا تُنزّل على الشخص المعين بالطريقة الآلية التي ينتقدها.
مفارقة الألفاظ بين السيوطي ومحمد شمس
يختم القسم الجدلي بمقاطع متتابعة يظهر فيها محمد يسأل أحد المتحدثين إن كان السيوطي إمامه، ثم يرد عليه بالسب، ويقابلها أبو الفضل بمقاطع أخرى تصف السيوطي بالعالم الموسوعي والإمام المصري وتدعو له بالرحمة والثواب. ومقصود هذا التركيب إبراز المسافة بين أدب العلماء مع إمام له مئات المصنفات وبين خطاب الإهانة والتكفير الذي يدور عليه الفيديو.
الدعاء على من يشتم أولياء الله
أنهى أبو الفضل المقطع بذكر أثر في رجل كان يشتم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فعدد سعد بن أبي وقاص فضائل علي، ثم دعا ألا يتفرق الجمع حتى يروا قدرة الله فيه؛ فسقط الرجل عن دابته ومات. وبعد رواية الأثر دعا أبو الفضل أن يري الله الحاضرين آيات قدرته فيمن يشتمون أولياءه ويكفرونهم ويضللونهم وينسبونهم إلى التجهم والزندقة.
الخلاصة
يرى الشيخ أبو الفضل المصري أن كلام عبد الرحمن دمشقية القديم يهدم تعميم التكفير على الإمام السيوطي: فقد فرق دمشقية نفسه بين القول الكفري والقائل، وعذر من جهل حقيقة لازم كلامه، وامتنع عن تكفير عدد من العلماء مع شدة العبارات المنسوبة إليهم. وإذا ألغيت هذه الضوابط، ارتد الحكم على محمد بن شمس الدين في قوله بخلق صوته وقراءته، وعلى غيره ممن قبلت لهم التأويلات والأعذار. لذلك يجعل أبو الفضل المقطع دعوة إلى ميزان واحد: يرد الخطأ ويبيّن حكم المقالة، ولا يحكم على المعيّن إلا بعلم وعدل وشروط لا تتبدل بتبدل الأسماء.
فيديوهات أُخرى
تفنيد مباهلة ابن شمس في السيوطي وأبي حنيفة والنووي
