من الذي يبدّع أئمة السلف؟ ردٌّ على تحريف الخليفي

الشيخ أبو الفضل المصري 1 أغسطس 2026

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يردّ الشيخ أبو الفضل المصري في هذا المقطع على مادة لعبد الله الخليفي بعنوان «تبديع علماء السلف باسم تبديع ابن شمس»، زعم فيها أن تبديع محمد بن شمس الدين أو الخليفي يلزم منه تبديع أئمة من السلف. ويقوم الرد على مراجعة النقول التي استند إليها، وبيان مواضعها وسياقاتها، ثم إلزامه بتطبيق الميزان نفسه على جميع الأسماء دون انتقاء.

هل قال العلماء: من بدّع أشعريًّا فهو مبتدع؟

يبدأ الشيخ برفض تصوير كلام العلماء على أنه قاعدة عامة في كل من نُسب إلى الأشعرية. ويقول إن الإنكار الشديد صدر فيمن بدّع أئمة الحديث، كالنووي وابن حجر وابن دقيق العيد وابن الصلاح والعراقي، لا فيمن نقد كل متكلم أشعري. ويذكر أن العلماء فرّقوا بين المتكلمين والمتفلسفة وبين علماء حديث وأثر نُسبوا إلى الأشعرية، وأن بعضهم لو صحت نسبته إليها فهو من «الأشعرية الأثرية» لا من أهل الكلام.

وبحسب عرضه، سمّى بكر أبو زيد مسلك الطعن في هؤلاء الأئمة «البادرة الملعونة»، وأنكر الفوزان وابن عثيمين وحماد الأنصاري تبديع النووي إنكارًا شديدًا. ولذلك يرى أن اتهام هذا التأصيل بالغلو والاعتداء يعود بالطعن على المشايخ الذين قرروه، لا على أئمة الحديث الذين دافعوا عنهم.

ويعترض كذلك على القول إن أشعرية هؤلاء العلماء ظاهرة لا تخفى؛ إذ لو كان الأمر بهذه الصورة، فكيف توارث علماء أهل السنة وصفهم بالإمامة ونشر كتبهم والانتفاع بعلمهم من غير الحكم عليهم بالبدعة؟ ومن هنا يجعل النزاع في حقيقة حال هؤلاء الأئمة، وفي الفرق بين من يطلب الهدى من طريق الوحي فيخطئ في مسألة، وبين صاحب هوى يتصدر للبدعة ويقدم أقوال شيوخه على الدليل بعد ظهوره.

القاعدة المنسوبة إلى ابن أبي زيد القيرواني

يناقش الشيخ نقل الخليفي عن ابن أبي زيد القيرواني: «لا يعذر من أداه اجتهاده إلى بدعة». ويصرح بأنه لم يراجع أصل هذا النقل وقت تسجيل المقطع، ولذلك يسلّمه جدلًا من أجل اختبار الاستدلال به، لا تصحيحًا لنسبته أو فهمه.

ويقول إن تمثيل الخليفي بالخوارج يدل على أن الكلام في أهل البدع، لا في عالم من أهل السنة تلبس ببعض البدع. ثم يختبر عموم القاعدة كما فهمها الخليفي: هل تطبق على الهروي فيما نُسب إليه من الحلول الخاص وغلو الجبر؟ وهل تطبق على ابن خزيمة في تأويل حديث الصورة، وعلى الكرابيسي في قوله المتعلق بتلاوة القرآن، وعلى محمد بن شمس الدين حين قال إن تلاوته بالقرآن مخلوقة، وعلى يحيى الصرصري في ألفاظ الاستغاثة والاستعانة؟

فإن كان كل مجتهد أخطأ في أصل لا يعذر، لزم تنزيل الحكم على جميع هؤلاء؛ وإن حُفظت إمامة بعضهم واعتُبر عذره، وجب بيان الفرق المنضبط وعدم استعمال القاعدة في أسماء وتركها في نظائرها.

كلام البربهاري وضابط «لا عذر في ضلالة»

ينتقل المقطع إلى ما أورده البربهاري عن عمر بن الخطاب: «لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى»، مع الاستدلال بأن الرسول ترك الأمة على طريق بيضاء. ويعترض الشيخ على تقييد الخليفي للضلالة بالأصول البدعية العظيمة من غير دليل ظاهر في اللفظ، ثم يشرح أنه يحمل الكلام على من استبان له الأمر، وقامت عليه الحجة، وزالت شبهته، وفق ضوابط أهل السنة.

ويكرر الأسئلة نفسها: هل لا يعذر الصرصري في عبارته، ولا ابن شمس في عبارته في التلاوة، ولا ابن خزيمة في تأويل حديث الصورة؟ ثم يربط ذلك بأصل ردّ الأمر إلى علماء الحديث: يُبدّع من بدّعوه، ويُحفظ من حفظوا قدره، ولا يُسقط إمام اتفقوا على إمامته بانتزاع جملة واحدة من سياقها.

وعند كلام البربهاري على فتنة خلق القرآن، يرفض الشيخ استنتاج أن كل معين قال بخلق القرآن لا يعذر بالجهل. ويذكر أن الإمام أحمد لم يكفّر كل أعيان الجهمية، وأن التفريق بين الإطلاق والتعيين، واستيفاء الشروط وانتفاء الموانع، هو المعنى الذي ينقله عن ابن تيمية وغيره.

ماذا كان سياق كلام ابن منده؟

يفرد الشيخ مساحة موسعة لنقل الخليفي عن ابن منده أن «الخطأ في التوحيد عند أهل العلم بمنزلة العمد». ويبدأ ببيان أن الخليفي نفسه سبق أن اتهم ابن منده بالتخبط في مسألة اللفظ وبأن نقده صادر عن هوى، ثم عاد فاحتج بكلامه؛ فيسأله: هل يحفظ إمامة ابن منده أم يبدّعه بما نسبه إليه؟

ثم يقرأ عنوان الباب ونصوصه من كتاب «التوحيد» لابن منده. ويقول إن الباب يتناول كفرة أهل الكتاب الذين بلغتهم رسالة النبي فلم يؤمنوا، مع أثر عن الخوارج لا يدل على أن عليًّا كفّرهم. ومن ثم يعترض على نقل الكلام من هذا السياق إلى كل مسلم أخطأ في باب من أبواب التوحيد، وعلى تقييده بعد ذلك بالمسائل الظاهرة من غير نص من ابن منده.

ويعرض كذلك الخلاف بين ابن منده وأبي نعيم، وكلام الذهبي في طيّ كلام الأقران بعضهم في بعض، ثم يسأل عن تطبيق الاستدلال على الخلاف بين ابن منده ومحمد بن نصر في اللفظ بالقرآن. فإذا احتُج بابن منده في عدم إعذار المخطئ، فهل يُبدّع محمد بن نصر؟ وإذا دُفع عنه وحُفظت إمامته، فهذه صورة أخرى تؤكد أن الخطأ المنسوب إلى العالم لا يستلزم آليًّا إسقاطه.

تفصيل ابن القيم في أصناف أهل البدع

يرد الشيخ بعد ذلك على الاستدلال بكلام ابن القيم في «الطرق الحكمية» على تفسيق من أنكر شيئًا من الصفات جهلًا أو تقليدًا أو تأويلًا. ويقول إن النص يتحدث عن أهل البدع الذين ينفون كثيرًا مما أثبته الوحي، ويقدمون أقوال الشيوخ، لا عن كل عالم أثري وقع في مسألة بدعية وهو طالب للحق.

ثم يقرأ تفصيل ابن القيم لأحوالهم:

  • الجاهل المقلد غير القادر على تعلم الهدى: لا يكفّر ولا يفسّق ولا ترد شهادته.
  • القادر على السؤال وطلب الحق لكنه تركه اشتغالًا بدنياه أو رئاسته: مفرط آثم كغيره من تاركي بعض الواجبات، وتوزن شهادته بما غلب عليه من السنة أو البدعة.
  • من سأل وطلب وتبيّن له الهدى ثم تركه تعصبًا وتقليدًا للشيوخ أو بغضًا لأهل الحق: أقل درجاته الفسق، وتكفيره محل اجتهاد بحسب حاله ومسألته.

وبذلك يقرر أن التفسيق عند ابن القيم متعلق بمن ظهر له الهدى ثم أعرض عنه تعصبًا، لا بمن لم يبلغه النص، أو لم يثبت عنده، أو لم يفهمه، أو عارضته شبهة ظنها حجة. ويستدل أيضًا بأن ابن القيم نفسه وصف أئمة مختلفين بالإمامة مع وقوعهم في أخطاء، فلم يجعل كل تلبس ببدعة فسقًا اعتقاديًّا يسقط صاحبه.

موقف ابن تيمية من القول والقائل

يؤجل الشيخ مراجعة بقية النقول المنسوبة إلى ابن تيمية لأن المقطع طال، لكنه يذكّر بالقواعد التي سبق أن شرحها: لم يكفّر ابن تيمية أعيان الجهمية الذين ناظرهم لمجرد مقالاتهم، وكان يقول إن القول قد يكون كفرًا مع بقاء مانع الجهل في الشخص المعين. كما نقل أن الإمام أحمد لم يكفّر كل من قال بخلق القرآن، وأن كثيرًا من مجتهدي السلف قالوا أو فعلوا ما هو بدعة من غير أن يعلموا أنه بدعة.

ويطبق ذلك على النووي وابن حجر وابن دقيق العيد وابن الصلاح: قد لا يبلغ العالم الدليل، أو لا يصح عنده، أو يصح ولا يفهم دلالته، أو تعارضه شبهة يظنها حجة. وهذه الأحوال تختلف عنده عن حال من يقدم الهوى وأقوال الشيوخ بعد اتضاح الدليل.

النتيجة والأسئلة الملزمة

ينتهي المقطع إلى أن دعوى لزوم تبديع علماء السلف لا تثبت بالنقول المعروضة: كلام القيرواني والبربهاري سُلّم جدلًا ثم اختُبر عمومه، وكلام ابن منده نُقل ـ بحسب قراءة الشيخ ـ من سياق أهل الكتاب إلى غير موضعه، وكلام ابن القيم نفسه يفرّق بين الجاهل العاجز والمفرط ومن أعرض بعد ظهور الحق.

ويختم بمطالبة الخليفي أن يجيب بميزان واحد: هل يطبق ما فهمه من هذه النصوص على الهروي وابن خزيمة والكرابيسي ومحمد بن نصر ومحمد بن شمس الدين والصرصري؟ أم يفرق بين عالم من أهل السنة أخطأ وهو طالب للهدى، وبين صاحب هوى أعرض عن الحق؟ وخلاصة الرد أن حفظ إمامة العلماء لا يعني تصحيح أخطائهم، كما أن رد الخطأ لا يبيح إسقاطهم بلا جمع للنصوص واعتبار للسياق والعذر وحكم أئمة الحديث.