براءة الغزالي من افتراءات الخليفي ومحمد شمس: تفكيك التهم والإلزامات

الشيخ أبو الفضل المصري 24 ديسمبر 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يفكك الشيخ أبو الفضل المصري مقارنة عقيدة أبي حامد الغزالي بعقيدة اليهود، ويمتحن التهم المنسوبة إليه بنصوص ابن تيمية والذهبي وابن الصلاح والمازري وابن كثير وعلماء أنصار السنة. والنتيجة: في كتب الغزالي أخطاء خطيرة ترد، لكن المصادر المحتج بها لا تحكم بكفره، وكثير منها يثبت حسن قصده وتوبته وإقباله في آخر عمره على الحديث.

هل يملك طالب العلم الحكم على الأعيان؟

بدأ المقطع من جواب محمد شمس بأن الغزالي واليهود «في الهواء سواء»، ومن وصف الخليفي لمحمد شمس بأنه طالب علم. فسأل: هل إسقاط أحكام الكفر والتبديع والجرح على المعيّنين مباح لكل طالب، أم هو باب للأئمة الجهابذة الذين توفرت فيهم شروط العلم والعدل والخبرة؟

يقين كفر اليهود وخلاف المسلمين في الغزالي

اليهود كفار بنصوص الوحي وإجماع المسلمين، أما الغزالي فعده أئمة كثيرون من علماء الإسلام، وإن اشتد نقدهم لأخطائه. فحتى من فرض خلافًا في حكمه لا يسوغ له مساواة المختلف فيه بمن ثبت كفره قطعًا، فضلًا عن وصفه بأنه أكفر منهم.

التهم الست

جمع الخليفي على الغزالي تهم الفلسفة والباطنية والسحر ووحدة الوجود، والتشكيك في ختم النبوة أو خلود اليهود والنصارى في النار. ورد المقطع بأن خطورة المقالة لا تثبت وقوع المعيّن فيها، وثبوت قول كفري عنه لا يساوي تكفيره بلا تحقق الشروط والموانع.

ابن تيمية حكمًا

وصف الخليفي ابن تيمية بأنه رجل جليل ومجدد من أعظم المجددين، فدعاه أبو الفضل إلى قبول منهجه كاملًا في الغزالي، لا أخذ نصوص نقده وترك نصوص العذر والثناء ومنع التكفير. فالحكم العادل لا ينتقي من الإمام ما يوافق النتيجة السابقة.

تسليط الجهال من أعظم المنكرات

قرأ المقطع من فتاوى ابن تيمية أن تكفير العالم لمجرد خطأ في كلامه لا يجوز، وأن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات وأصله من الخوارج والروافض. وجاء هذا الكلام أصلًا في جواب يتعلق بأبي حامد الغزالي ومسألة عصمة الأنبياء.

دفع التكفير غرض شرعي

نص ابن تيمية على أن من كفر العلماء في تلك المسألة استحق عقوبة غليظة تزجره وأمثاله، وأن دفع التكفير عن مثل الغزالي وغيره من العلماء، وإن أخطؤوا، من أحق الأغراض الشرعية. كما استنكر تكفير جمهور العلماء في مسائل ظنية بلا حجة.

كتاب «المضنون به على غير أهله»

اعترف ابن تيمية بأن أهل الخبرة يرون الكتاب من كلام الغزالي، مع أن طائفة أنكرت نسبته إليه. لكنه نقل عن ابن الصلاح أن الكتب المخالفة للحق لا يلتفت إليها، أما الرجل فيسكت عنه ويفوض أمره إلى الله؛ وفسر ابن تيمية ذلك بألا يذكر بسوء، لقرب عفو الله وتوبة المذنب ومغفرة الذنوب بالحسنات.

حسن القصد والعلم والعمل

أضاف ابن تيمية أن الجزم بنفي المغفرة عن معيّن لا يقدم عليه بلا بصيرة، ولا سيما مع كثرة إحسانه وعلمه الصحيح وعمله الصالح وقصده الحسن. فحتى عند من يثبت الكتب المشكلة للغزالي، لا ينتقل النقد مباشرةً إلى القطع بكفره وسوء خاتمته.

الفلسفة والرجوع عنها

ذكر ابن تيمية أن الغزالي وافق الفلاسفة في مواد من بعض كتبه، وعبّر عن فلسفة محضة بعبارات إسلامية، لكنه رد عليهم وكفرهم في مواضع، وبين ضلال طريقهم، وبالغ في ذمهم في آخر عمره، ومات مشتغلًا بصحيحي البخاري ومسلم.

أشياء صحيحة عظيمة القدر

مع نقده الصريح، قال ابن تيمية إن في كلام الغزالي أشياء صحيحة حسنة، بل عظيمة القدر نافعة، وإنه عظم النبوة ورد على الفلاسفة وكفرهم. فالنقد عنده لم يكن حكمًا أحاديًا يمحو جميع حسنات الرجل وعلومه.

هل قال بوحدة الوجود؟

نقل المقطع من «شرح الأصبهانية» تصريح ابن تيمية بأن الغزالي لتقيده بالشريعة لم يصل إلى القول بوحدة الوجود، وأن الاتحادية انتقصوه بسبب ما يحمده عليه المسلمون من اعتصامه بالكتاب والسنة. وإنما طمعوا في نسبته إليهم لوجود مواد فلسفية وجهمية في كلام منسوب إليه.

إلزام الهروي والجيلاني

إذا كان مجرد نسبة قول كفري إلى عالم تبيح سؤاله مع اليهود، لزم تطبيق المعيار نفسه على الهروي الذي نسب إليه الخليفي الحلول الخاص، وعلى عبد القادر الجيلاني الذي نسب إليه بعض المعاصرين وحدة الوجود. ويرفض المقطع هذه النتيجة، ويستعملها لكشف فساد القاعدة لا للطعن في الرجلين.

إحراق «الإحياء» لا يثبت الكفر

ذكر الخليفي إحراق «إحياء علوم الدين» في المغرب، فرد المقطع بأن النزاع السياسي والعلمي ورفع الخصومات إلى السلطان لا يكفيان لإثبات الردة. وقد تكلم المازري في منافع الكتاب ومضاره، فمنع قراءته على من لا يحصنه العلم، وأجازها لمن يميز، ولم يحكم بكفر مؤلفه.

دمشقية بين نقد الغزالي وتكفيره

عرض المقطع كتاب دمشقية القديم في عقيدة الغزالي، وفيه أن آراءه في آخر حياته لم تبق كما كانت أولًا، وأنه صرح بأن الحق مذهب السلف وأن مخالفتهم بدعة، ونهى عن التأويل، وأقبل على الصحيحين وسماع الحديث. لذلك كان نقد دمشقية السابق منضبطًا بالتحذير من التكفير المتهور قبل تحوله إلى التكفير.

عبد الرحمن الوكيل لم يكفر الغزالي

على شدة نقد عبد الرحمن الوكيل للغزالي، صرح بأنه لا يعنيه تكفيره، وإنما يعنيه بيان الضلالات الموجودة في الكتب. ونقل عن ابن تيمية أن الغزالي أوتي إيمانًا مجملًا وصدقًا في الطلب، ثم بحث عن تفصيل ذلك الإيمان.

عمار خنفر والسحر

كتاب «قصة الأشاعرة» بحث نسبة كتب في السحر إلى الغزالي، ونقل أقوالًا تاريخية عن أهل التصوف والسحر، لكنه لم يحكم بكفره. كما نقل عن الطرطوشي علمه وعقله وفضائله، وعن الذهبي كثرة غلطه ودخوله في الفلسفة مع سعة علومه وجلالة قدره وحسن قصده.

المآخذ على «الإحياء»

لا ينكر المقطع ما في «الإحياء» من أحاديث ضعيفة ومواد صوفية وفلسفية، وقد رد عليه ابن الجوزي وغيره، ثم هذب الكتاب واختصره علماء متعددون وانتفعوا بما فيه من خير. فوجود المناكير يستوجب التمييز والتحذير، لا إهدار الكتاب كله ولا تكفير صاحبه.

دعوى اتفاق العلماء على وحدة الوجود

استشهد الخليفي بعمار خنفر والوكيل ودمشقية لإثباتها، ثم قال إنهم طبيعيًا سيرون الغزالي أكفر من اليهود. يرد المقطع بأن واحدًا منهم لم يقل هذه النتيجة، وأن الوكيل لم يكفره، ودمشقية نفسه أثبت تراجعه في كتبه القديمة، وابن تيمية نفى وصوله إلى وحدة الوجود.

القاضي عياض والتكفير بالظن

قال الخليفي إنه يظن أن القاضي عياض صرح بتكفير الغزالي. ويرفض المقطع بناء حكم بهذا الحجم على الظن؛ فقول العالم إن مقالةً كفر بالإجماع شيء، والحكم على قائل معيّن بأنه كافر شيء آخر، ولا بد من نص صريح موثق.

حامد الفقي وخاتمة الغزالي

نقل الخليفي تعليق حامد الفقي بأن «الإحياء» قد يدل على بقاء أثر الفلسفة، لكنه قال: «إن كان مات عليه». فالعبارة نفسها لا تجزم بسوء الخاتمة، فضلًا عن تكفير الغزالي أو جعله أكفر من اليهود والنصارى، بينما نصوص ابن تيمية وابن كثير تذكر إقباله الأخير على الحديث.

ختم النبوة لا يثبت حكمًا عينيًا

نقل عن ابن عطية أن عبارةً للغزالي إلحاد وتطرق خبيث إلى تشويش عقيدة ختم النبوة. لكن ابن عطية حكم على الكلام ولم يثبت في النقل أنه قال: الغزالي ملحد أو كافر. والانتقال من حكم القول إلى حكم المعيّن هو موضع النزاع الذي تكرر تجاهله.

التهم ظنية ومتعارضة

تهمة السحر مبنية على نزاع في نسبة كتاب، والفلسفة يعارضها نص الرجوع عنها، ووحدة الوجود نفاها ابن تيمية، وكلام ختم النبوة لم يثبت به تكفير المعيّن. ثم انتهى الخليفي إلى أن ثبوت واحدة منها يجعل المقارنة باليهود قولًا له اعتبار؛ ويرد المقطع بأن هذا يبني أخطر الأحكام على احتمالات لا على يقين.

الخلاصة

ينبغي نقد مؤلفات الغزالي وبيان ما فيها من فلسفة وتصوف وتأويل، لكن لا يجوز تجاوز العلماء إلى قول لم يقولوه: تكفيره أو مساواته باليهود. ابن تيمية الذي احتج به الخليفي يثبت أخطاء الغزالي، ويثبت في الوقت نفسه إسلامه وحسن قصده وتوبته ومنع تكفيره؛ وهذه هي المنهجية التي يجمعها المقطع.