هل قال الإمام النووي إن الله يحب الكفر؟ الرد على افتراء دمشقية

الشيخ أبو الفضل المصري 20 أكتوبر 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

الإمام النووي لم يقل إن الله يحب الكفر، بل صرّح بأن الله يكره المعاصي مع وقوعها بإرادته الكونية لحكمة يعلمها. ثم نقل عن الجويني خلافًا قديمًا في جعل المحبة والرضا بمعنى الإرادة، ولم يرجح القول الباطل. فنسب دمشقية الحكاية إلى الناقل، ثم جعلها سببًا للتشكيك في محبة الله لإمام أجمع العلماء على فضله.

السؤال المستفز الذي بدأ به الطعن

قال دمشقية عن النووي: كيف يحبه الله وهو يقول إن الله يحب الكفر؟ وبنى نفي المحبة على مقطع مجتزأ من كتاب «الأصول والضوابط»، مع أن النص الكامل يصرح بعكس هذه النسبة.

القبول في الأرض علامة محبة

استدل محاوره بقبول كتب النووي وانتفاع الأمة بها، وهو معنى ذكره ابن عثيمين: إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل بحبه، ثم يوضع له القبول في الأرض. وقد تواتر ثناء العلماء على النووي وخدمة كتبه للإسلام.

المحبة لا تُنفى عن مسلم

الله يحب المؤمن لإيمانه وتوحيده وإسلامه، وقد يبغض منه خطأ أو معصية. فمجرد ثبوت خطأ عقدي لا يبيح الجزم بأن الله لا يحب صاحبه، فضلًا عن إمام خدم السنة وأجمع من بعده على إمامته.

النص الذي أخفاه الاجتزاء

افتتح النووي المسألة بأن أهل الحق يثبتون القدر، وأن جميع الكائنات خيرها وشرها بقضاء الله، ثم قال صراحة: «ويكره المعاصي مع أنه مريد لها لحكمة يعلمها سبحانه».

نقل الخلاف ليس اختيارًا

سأل بعد ذلك: هل يقال إن الله يرضى المعاصي ويحبها؟ ثم ذكر مذهبين لأصحاب المتكلمين، ولم يرجح واحدًا منهما. والحكاية الأمينة للأقوال لا تجعل كل قول مذهبًا للناقل.

القول الأول يوافق النص

منع أئمة إطلاق محبة المعاصي ورضاها، واستدلوا بقوله تعالى: «ولا يرضى لعباده الكفر». وهذا هو مذهب السلف الذي يفصل بين المشيئة الكونية والمحبة الشرعية.

القول الثاني المنقول عن الجويني

ساوى فريق بين الإرادة والمحبة والرضا، فقال إن ما وقع في الكون أراده الله فأحبه ورضيه، ثم أول آية نفي الرضا بحمل العباد على الموفقين للإيمان. نقل النووي النص وانتهى منه بلا تبنٍّ.

المسألة مبنية على أصل الإرادة

جوهر الخلاف: هل إرادة الله الكونية هي محبته ورضاه، أم أن الإرادة نوعان؟ السلف يثبتون مشيئة شاملة لكل ما يقع، ومحبة خاصة بما أمر الله به ورضيه.

قول القدرية باطل

ساوى القدرية بين الإرادة والمحبة، ثم قالوا: ما دام الله لا يحب المعاصي فهو لا يريد وقوعها، فوقع في ملكه ما لم يشأ. وهذا يهدم عموم القدر.

قول الجبرية باطل أيضًا

ساووا بينهما من الجهة المقابلة: كل ما شاء الله وقوعه أحبه ورضيه، فجعلوا الكفر والفسوق محبوبين له. وهذا يصادم النصوص الدالة على بغضه للفساد وعدم رضاه بالكفر.

الحق يجمع القدر والشرع

ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يقع شيء خارج قدره. ومع ذلك لا يحب الفساد ولا يرضى الكفر، والكفار يبيتون من القول ما لا يرضى. الإرادة الكونية لا تساوي المحبة الشرعية.

أبو الحسن الأشعري خالف السلف هنا

نقل ابن تيمية أن الأشعري جعل الإرادة والمحبة والرضا شيئًا واحدًا، وأن الجويني عدّه أول من قال بذلك من طائفته، مع وجود حكاية للأشعري تنسب القول إلى بعض المتقدمين.

القول لم ينفرد به النووي أصلًا

شاع بين طائفة من الصوفية، ومتأخري فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة، وبعض أهل الحديث. ووافقه القاضي أبو يعلى في «المعتمد»، وذكر في مختصره القولين.

إلزام دمشقية يهدم أئمته

إذا كان مجرد نقل القول أو اختياره يبرر السؤال: كيف يحبه الله؟ لزم توجيهه إلى أبي الحسن الأشعري وأبي إسماعيل الهروي والقاضي أبي يعلى وطوائف من الفقهاء والمحدثين والصوفية، لا إلى النووي وحده.

الهروي وقع في الغلو نفسه

مع شدة الهروي على الجهمية والأشعرية، جعل مشاهدة الحكم القدري ترفع استحسان الحسنة واستقباح السيئة، لأن جميع الموجودات عند هذا الأصل مرادة ومحبوبة. وانتقد ابن تيمية هذا الغلط مع حفظ إمامته.

ثمرة القول فساد خطير

إذا استوى المحبوب والمبغوض عند العارف، سقط الإنكار الأخلاقي، وتدرج بعض أصحابه إلى المعاصي والفسوق والكفر وعبادة الموجودات. ولذلك وصف ابن تيمية الخطأ بالعظيم، ولم يكتف باعتباره نزاعًا لفظيًا.

جمهور أهل السنة يفرقون

يقولون إن الله يريد وقوع المعاصي كونًا، ولا يحبها ولا يرضاها، بل يبغضها ويسخطها وينهى عنها. وهذا قول السلف قاطبة وجمهور الطوائف، وكثير من أصحاب الأشعري أيضًا.

دليل الفقهاء في الأيمان

من قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، ثم لم يفعل، لم يحنث؛ لأن المشيئة الكونية قد لا تتعلق بالفعل. ومن قال: إن أحب الله، في واجب أو مستحب، ثم تركه، حنث؛ لأن الله يحب المأمور به.

إرادتان في القرآن

الإرادة الكونية في مثل قوله تعالى: «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام»، وهي مشيئة نافذة. والإرادة الشرعية في مثل: «يريد الله بكم اليسر» و«والله يريد أن يتوب عليكم»، وهي متضمنة للمحبة والرضا وقد يخالفها العبد.

النووي وافق الجمهور في عبارته

قوله إن الله يكره المعاصي مع إرادته لها لحكمة هو نفس تقرير ابن تيمية: الكفر والفسوق والعصيان داخل في المشيئة، لكنه غير محبوب ولا مرضي، وفي خلقه حكم قد يعلمها الناس وقد تخفى عليهم.

ابن تيمية نقل كلام الجويني نفسه

أورد عبارة الجويني في مواضع متعددة، ثم ناقشها وفصل مذاهب أصحابها. فإذا كان نقل النص يجعل الناقل قائلًا به، لزم إلصاق القول بابن تيمية أيضًا، وهو باطل ظاهر.

القاضي أبو يعلى أصرح من النووي

اختار في «المعتمد» مساواة الإرادة بالمحبة والرضا، وأوّل كلام أبي بكر عبد العزيز المخالف له، ثم ذكر القولين في كتاب آخر. ومع ذلك لم يمنع خطؤه العلماء من حفظ إمامته.

مذهب السلف واضح

الله يخلق لحكمة ويأمر لحكمة، ويحب الإيمان والعمل الصالح ولا يحب الكفر والفسوق والعصيان، وإن شاء وقوعها قدرًا. وهذا هو الأصل الذي قرره ابن تيمية في مجموع الفتاوى ومنهاج السنة وجامع المسائل.

الاجتهاد الخاطئ قد يكون مغفورًا

وسّع ابن تيمية العذر في المسائل الخبرية والعملية لمن بنى قوله على آية أو حديث ولم يعرف ما يعارض فهمه. وذكر أن طائفة من السلف والخلف أنكرت إرادة المعاصي لأنها ظنت أن الإرادة لا تكون إلا بمعنى المحبة.

معرفة معنى واحد سببت الخطأ

عرف فريق الإرادة الشرعية فأنكر الكونية، وعرف آخرون المشيئة الكونية فجعلوها المحبة نفسها. والقرآن جاء بالمعنيين، فوقع الخطأ من الاقتصار على أحدهما لا من قصد محبة الكفر.

النووي إمام محبوب عند الأمة

وضع الله لكتبه القبول، ووصفه العلماء بالولي والقدوة والإمام، وانتفع المسلمون بـ«شرح مسلم» و«رياض الصالحين» و«الأذكار» و«الأربعين». لا يملك متصدر أن ينفي محبة الله عنه بقول لم يقله.

الخلاصة

صرح النووي بأن الله يكره المعاصي، ثم نقل قولين في علاقة الإرادة بالمحبة. نسب دمشقية أحد القولين إليه وحذف تصريحه وخلاف الأئمة، ثم بنى عليه حكمًا في محبة الله. الرد الصحيح يثبت القدر، ويفرق بين المشيئة والمحبة، ويبرئ النووي من الافتراء.