مكانة شرح الإمام النووي لصحيح مسلم والرد على من جهّل قدره

الشيخ أبو الفضل المصري 6 فبراير 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يرد الشيخ أبو الفضل المصري على انتقاص أبي جعفر الخليفي ومحمد شمس الدين من شرح الإمام النووي لصحيح مسلم، وقول محمد إن أي شخص يستطيع صنع مثله بجمع كتابين. يعرض شهادات بشار عواد وإبراهيم اللاحم وعبد الله السعد ومازن السرساوي، ثم يفصل مصادر الشرح ومنهجه وأثره: أحد عشر عامًا من التصنيف، ونحو مئتين وخمسين مصدرًا مصرحًا بها في ستة عشر فنًا، وزيادات وتحريرات جعلت الكتاب مرجع شراح الحديث منذ عصر مؤلفه.

حين يحكم الجاهل على العالم

افتتح أبو الفضل بأن من جهل شيئًا عاداه، وأن طعن من لا يعرف قدر العلم في عالم يدل على جهل الطاعن لا على نقص المطعون فيه. فالكتاب لا يقوم بمجرد عدد الصفحات أو جمع نصين، بل بآلة صاحبه وتحقيقه وانتقائه وزياداته.

كيف بدأ الانتقاص؟

قال الخليفي إن أفضل مصنفات النووي «روضة الطالبين»، وفي ذلك غمز لشرحه على مسلم. وسار محمد شمس على خطاه فقال إن الشرح جُمِع من شرح القاضي عياض وكتاب آخر، وإن أي شخص يستطيع صنع مثله، ووصف النووي بالدرويش.

بشار عواد: موسوعة لعالم متقن

وصف بشار عواد شرح النووي بأنه موسوعة ضخمة لعالم زاهد ورع متقن متنوع الثقافة، وأن المؤلف قضى في تصنيفه أحد عشر عامًا. فهذا عمل عمر علمي لا جمع سريع بين كتابين.

إبراهيم اللاحم: من أهم كتب النووي

ذكر إبراهيم اللاحم أن النووي رزق حسن التأليف وسهولة العبارة والقدرة على تلخيص السابقين والاكتفاء بالمهم، فاشتهرت كتبه وتنافس الطلبة فيها. وعد شرحه لصحيح مسلم من أهم كتبه، وأنه طبق الآفاق منذ وقت قريب من تصنيفه.

كثرة النسخ شاهد على القبول

قال اللاحم إن جلالة الكتاب والمؤلف أورثت المحقق صعوبة من جهة كثرة النسخ الخطية، ومنها نسخ كتبت في حياة النووي وأخرى بعده. وهذه الكثرة ثمرة تداول العلماء للشرح واعتمادهم عليه.

عبد الله السعد: شرح نفيس متين

وصف عبد الله السعد النووي بأنه علم من أعلام الأمة، وكتبه ذائعة بين العامة والخاصة، ويعتمد عليه في الحديث والفقه وضبط الغريب. وسمى شرح مسلم شرحًا نفيسًا متوسطًا لا حشو فيه ولا استطراد، متين المعنى والمبنى، ومن محاسن الشروح.

مزايا الشرح عند السعد

يجمع النووي أصول المسائل الفقهية ومذاهب العلماء، ويشرح الغريب، ويضبط الألفاظ والأسماء، ويترجم للرواة، ويذكر تتبعات الدارقطني ويجيب عنها. لذلك أوصى السعد بأن يكون محل دراسة وتدريس وإقراء وتعليم، مع تنبيهه على ما وقع فيه من تأويل عن اجتهاد.

مازن السرساوي: أجل شروح مسلم وأنفعها

وصف مازن السرساوي الكتاب بأنه أجل وأنفع وأشهر شروح صحيح مسلم التي بلغت الأمة. ورد قيمته إلى عظمة الأصل المشروح، ومكانة النووي وتمكنه من أدوات الحديث، وجمعه خلاصة السابقين وزيادته عليها حتى استغنى الناظر فيه عن الرجوع إليها، ولا يستغني قارئها عنه.

نحو مئتين وخمسين مصدرًا

أحصى المحقق قرابة مئتين وخمسين مصدرًا صرح النووي بأسماء أصحابها، فضلًا عن مصادر نقل عنها بصيغة بعض العلماء أو أكثرهم. وتنوعت بين الحديث والفقه والأصول واللغة والرجال والعلل والقراءات والناسخ والمنسوخ والسير وغيرها.

معالجة متكاملة لا نسخ

هذه المكتبة الواسعة، مع تمكن النووي من العلوم، مكنته من معالجة جوانب الحديث رواية ودراية وفقهًا ولغة. أخذ من الشروح السابقة مهماتها، ثم زاد تحريراته وفوائده، فصار في كتابه ما فيها وزيادة.

ستة عشر فنًا

صنف السرساوي مصادر الشرح في ستة عشر نوعًا: متون الحديث، والفقه وأصوله والخلاف، واللغة، والرجال، والغريب، ومؤلفات النووي، وشروح الحديث، وعلوم الحديث، والآداب، والعلل، والاعتقاد، والسير والمغازي، والأنساب، والبلدان، والتفسير، والطب.

ستون مصدرًا لمتون السنة

استعمل النووي قرابة ستين مصدرًا من كتب المتون. رجع إلى صحيح البخاري في نحو أربعمئة موضع، وإلى سنن أبي داود في نحو مئة، ثم إلى الموطأ وجمع الصحيحين وغيرها. وكان يعزو بقدر الحاجة، لا يكثر أسماء الكتب للمباهاة.

صحيح مسلم أصل يستحق مئة مجلد

قال النووي في المقدمة إنه قصد شرحًا متوسطًا لا مخلًا ولا مملًا، وإن ضعف الهمم وقلة الراغبين منعاه من بسطه إلى ما يزيد على مئة مجلد من غير تكرار أو زيادات عاطلة؛ لكثرة فوائد كلام النبي ﷺ وعظم عوائده.

العلوم التي التزمها المؤلف

تعهد النووي بذكر أحكام الأصول والفروع والآداب والزهد، والقواعد الشرعية، ومعاني اللغة، وأسماء الرجال وضبط المشكلات والكنى والمبهمات، وأحوال الرواة، ولطائف الأسانيد والمتون، والمؤتلف والمختلف، والجمع بين الأحاديث التي يظنها غير المحقق متعارضة، والدلالة على أدلة المسائل.

حقق ما وعد وزاد

علق السرساوي بأن النووي وفى بجميع ما ذكر في مقدمته وزاد. ولم يكن نقله للمصادر تكديسًا؛ بل وظف كل علم في شرح النص وإزالة إشكاله وربطه بأحكامه.

متى يصرح بالمصدر؟

شرح النووي أنه لا ينسب المشهور لكثرة قائليه، وينسب الغريب إلى صاحبه. فإذا كثرت النقول غير المعزوة، فليست سرقة من كتابين، بل اتباع لمنهج معلن في المواد التي توارد عليها العلماء.

منهجه في التكرار والإحالة

يبسط الحديث أو الاسم أو اللفظة في أول موضع، ثم يحيل عليه عند التكرار، وقد يعيد البيان لبعد الموضع أو ارتباطه بسياق جديد. وما احتاج إلى بسط أكبر أحال فيه إلى شرحه للبخاري أو مصنفاته الأخرى، لا تبجحًا، بل إرشادًا إلى موضع التفصيل.

الشروح السابقة ليست كل الكتاب

جاءت شروح الحديث السابقة في المرتبة السابعة من أصناف مصادره، بعد المتون والفقه واللغة والرجال والغريب وكتب النووي نفسه. فاختزال العمل فيها وحدها يتجاهل أغلب مادته وأدواته.

أثره في الشراح بعده

ذكر السرساوي أن قليلًا من شراح كتب السنة بعد النووي خلا من النقل عنه والتعويل عليه. انتفع به ابن العطار والفكهاني وابن سيد الناس وابن عبد الهادي والعراقي وأبو زرعة وابن حجر والسيوطي والقسطلاني والسندي والمباركفوري وصاحب «عون المعبود» وشراح المصابيح.

تجاوز أثره كتب الشروح

نقل عنه ابن تيمية وابن التركماني والطيبي وابن الحاج وغيرهم في فنون مختلفة، ويذكر أن ابن باز قرأه أكثر من ستين مرة. يعكس ذلك رسوخ الكتاب في الدرس الحديثي والفقهي.

تعقبات النووي للقاضي عياض

فند أبو الفضل دعوى أن النووي نسخ شرح القاضي عياض؛ فقد أحصت دراسة نحو مئة وأربعة وخمسين تعقبًا عليه: أربعة وخمسون في الرواية وضبط الرجال والمتون، ومئة في الدراية والحكم على الحديث والمصطلح والتفسير والفقه. ورجحت الدراسة قول النووي في أكثرها.

النتيجة

شرح النووي ثمرة أحد عشر عامًا ومكتبة متعددة العلوم ومنهج نقدي واختيار واعٍ وزيادات خاصة، لا جمع كتابين. من يجهل هذه الصناعة ثم يزعم أن أي شخص يصنع مثله لا يكشف نقص الكتاب، بل يكشف جهله المركب بقدر الإمام وعمله.