تبرئة أبي حنيفة من الإرجاء المخرج من السنة وموقف الأئمة من مرجئة الفقهاء

الشيخ أبو الفضل المصري والعلامة صالح الفوزان 15 أكتوبر 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

إرجاء الفقهاء خطأ وبدعة، لكنه أخف بدع الإرجاء ولا يخرج أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم من أهل السنة. هذا هو الميزان الذي قرره ابن تيمية والذهبي وابن أبي العز والفوزان وغيرهم: تُرد المقالة، وتُحفظ إمامة أصحابها، ولا تُحوّل نصوص التحذير من الإرجاء إلى باب للطعن في أئمة الأمة.

الطعن في الإمام طعن في الأمة التي اتبعته

منع ابن تيمية نسبة الحيل المحرمة أو الكفرية إلى إمام متبوع؛ لأن ذلك يقدح في إمامته ثم يمتد إلى الأمة التي تلقّت علمه وعملت بمذهبه. وإذا ورد نقل قبيح احتمل الكذب على الإمام، أو سوء فهم الناقل، أو رجوع الإمام عنه، ولا يجوز القفز من رواية محتملة إلى تفسيق الإمام أو تكفيره.

المقالات المنحرفة لا تلزم الإمام

انتسب إلى فقه أبي حنيفة بعض الجهمية والقدرية، كما انتسب أهل أهواء إلى أئمة آخرين، ولا يحمل الإمام تبعة ما أحدثه المنتسبون إليه. أبو حنيفة وأصحابه أبعد الناس عن الإرجاء الغالي الذي يسقط الفرائض ويجعل المعاصي غير مؤثرة.

الفوزان: مرجئة الفقهاء من أهل السنة

قرر صالح الفوزان أن الحنفية الذين أخرجوا العمل من مسمى الإيمان أخطؤوا في هذه المسألة، لكنهم من أهل السنة بلا شك. يُصحح النقص ولا يُستباح به إخراجهم من السنة أو إسقاط إمامتهم.

ما الذي اتفقوا فيه مع جمهور أهل السنة؟

أوجبوا الفرائض، وأثبتوا الذم والعقوبة على تركها، وحكموا على مرتكب الكبيرة بالوعيد، وأثبتوا دخول طائفة من العصاة النار وخروجهم منها بالشفاعة، وجعلوا قول اللسان لازمًا، وحكموا بكفر فرعون وإبليس ومن سب الله ورسوله. فليس خلافهم قولًا بأن الإيمان الباطن يبيح ترك الدين كله.

موضع الخطأ الحقيقي

جعل جمهور السلف الإيمان قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. أما مرجئة الفقهاء فجعلوه تصديق القلب وإقرار اللسان، ولم يدخلوا الأعمال في مسماه، مع إيجابها وترتيب العقوبة على تركها. هذا خطأ وبدعة يجب رده.

أخف بدع الإرجاء

لم يكن إرجاء الفقهاء من البدع الغليظة، ووقع فيه جماعة من الفقهاء والعبّاد وبقوا معدودين في أهل السنة. ولم يكفّر السلف أحدًا منهم بهذه المقالة، بل عاملوا خلافهم في أصله معاملة قريبة من مسائل الاجتهاد اللفظية.

جانب كبير من النزاع لفظي

إذا اتفق الطرفان على وجوب العمل، وذم تاركه، واستحقاقه العقوبة، صار قدر كبير من النزاع في إدخال العمل في اسم الإيمان. ومع ذلك تبقى صياغة الجمهور أهدى للكتاب والسنة، وتبقى عبارة المرجئة بابًا قد يتسلل منه الغلو اللاحق.

متى ينقلب الإرجاء إلى كفر صريح؟

القول بأن الذنوب لا تضر مع التوحيد، أو أن الفرائض غير لازمة، أو أن مجرد المعرفة الباطنة يكفي ولو صاحبه السب والجحود، ليس إرجاء الفقهاء. هذه مقالات الإرجاء الغالي التي أنكرها أبو حنيفة وأصحابه وخرجت عن محل العذر والخلاف.

الذهبي ينهى عن التحامل

سمّى الذهبي مسعر بن كدام حجة وإمامًا مع ذكره فيمن رُمي بالإرجاء، وقرر أن الإرجاء مذهب لعدد من جلة العلماء فلا ينبغي التحامل على قائله. النهي عن التحامل لا يلغي رد المقالة، وإنما يمنع تحويلها إلى إسقاط شامل للقائل.

مدرسة ابن تيمية تحفظ التفصيل

كرر الذهبي في اختصاره لكتاب الإيمان التفريق بين إرجاء الفقهاء والإرجاء الغالي. وقرر ابن تيمية أن أبا حنيفة وأصحابه من أبعد الناس عن القول بأن الواجبات غير واجبة، وأن بدعتهم بدعة في اللفظ والعمل لا تبيح إهدار ديانتهم.

بحث بإشراف عبد الرزاق عفيفي

خلص البحث إلى أن الإرجاء المنسوب إلى أبي حنيفة هو إرجاء الفقهاء لا الإرجاء الغالي المخرج من السنة. فالجمع بين نصوص الذم ونصوص الإمامة واجب، ولا يجوز أخذ الأولى وإخفاء الثانية.

نصوص الفوزان لا تحتمل الاجتزاء

سمّاهم في فتوى اللجنة «مرجئة السنة» و«مرجئة أهل السنة»، وشرح أن قول بعض أهل السنة جعل الإيمان تصديق القلب وقول اللسان خالف قول الجمهور بإدخال العمل. ثم وصف أبا حنيفة بالإمام الجليل في العلم والعقيدة والدين، وقال: «نحن نحب أبا حنيفة وهو إمام لنا».

لماذا اشتد إنكار السلف؟

بدأ الخطأ في اسم الإيمان يسيرًا، ثم صار ذريعة إلى التهوين من شأن العمل، والتوسع في المعاصي، وظهور الإرجاء الكلامي والجهمي. لذلك اشتد السلف في سد الباب والتحذير من العبارة، ولا يلزم من شدة حماية الأصل أن يحكموا على كل فقيه وقع فيها بالخروج من السنة.

مثال الوقف في القرآن

اشتد الإمام أحمد على من توقف فقال: لا أقول القرآن مخلوق ولا غير مخلوق؛ لأن الجهمية احتموا بهذه العبارة. وشدة الإنكار على الصيغة لحماية العقيدة لا تعني أن كل خطأ في اللفظ يساوي أصل التجهم أو يلغي التفصيل في حال المعيّن.

محمود الحدّاد حرّف مراد ابن تيمية

هاجم محمود الحدّاد ابن تيمية بسبب وصف نزاع الإرجاء بأنه لفظي، فرد محمد إسماعيل المقدم بأن الكلام مخصوص بمرجئة الفقهاء، لا بجميع طوائف المرجئة. ابن تيمية نفسه حذر من خطئهم ومن آثاره، فجمع بين رد البدعة وحفظ أهلها في السنة.

دعوى «أبي حنيفة المشرك» ساقطة

بنى دمشقية عنوانه الاستفزازي على أثر ورد فيه هذا اللفظ، بينما طرقه لا تثبت: في أحدها كذاب، وفي الآخر مؤمل بن إسماعيل وهو سيئ الحفظ. فلا يصح تعليق حكم عقدي خطير على أسانيد واهية، ثم التهرب من لوازم الحكم.

كتاب استعملوه للطعن ثم أخفوا بقيته

نقل أتباع الخليفي من كتاب «براءة أهل الحديث والسنة من بدعة المرجئة» صفحات شدة السلف على الإرجاء، وتركوا الصفحات التي تثني على أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وتذكرهم أئمة وتعرض عقيدتهم السنية. هذا الانتقاء يقلب مقصد الكتاب.

الراجحي: خلاف داخل أهل السنة

جعل عبد العزيز الراجحي النزاع بين جمهور أهل السنة وحنفيتهم، ورأى أن له آثارًا حقيقية: مخالفة ألفاظ النصوص، وفتح الباب للإرجاء الخالص، وإعطاء العصاة غطاء، والتأثير في الاستثناء في الإيمان. ومع هذا لم يخرج الحنفية من أهل السنة.

الفوزان يرد الخطأ ويحفظ المنزلة

شرح في «لمعة الاعتقاد» أن مرجئة الفقهاء هم مرجئة أهل السنة، وأن خطأهم يسير بالنسبة إلى غيرهم. فالرد على تعريفهم للإيمان حق، وإنقاص قدر أبي حنيفة وإمامته بسبب هذا الخطأ باطل.

المعلمي يدعو إلى إغلاق الفتنة القديمة

بعد قرون من استقرار الأمة على الترحم على أبي حنيفة والثناء عليه، صارت الحكمة في ستر الخصومات القديمة وحفظ ما تراضى عليه العلماء. ومن أعاد فتحها لزمه طلب الحق بدقة، لا بعث الجروح وإشعال التعصب من جديد.

الفرق بين المقالة وصاحبها

القول بدعة، لكن تنزيل حكم الابتداع على كل معيّن باب آخر تحكمه الشروط والموانع والعلم والقصد والتأويل. ووقع من سلف وخلف أقوال وأفعال مبتدعة ولم يخرجوا بها من أهل السنة، لأن الخطأ الجزئي لا يمحو مجموع الديانة والإمامة.

ثلاث غايات لا تتعارض

الإيمان عند السلف قول وعمل واعتقاد، وإرجاء الفقهاء خطأ يجب إنكاره، وأصحابه من أئمة أهل السنة. الجمع بين هذه القضايا هو العدل، أما الحدّادية فتأخذ الثانية لهدم الثالثة، أو تجعل رد الخطأ مرادفًا لإسقاط صاحبه.

ابن أبي العز: الخلاف صوري وله آثار

قرر ابن أبي العز أن الجميع متفقون على كون صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله، وأن جانبًا من النزاع صوري. ثم سجل آثاره السيئة: التعصب المتبادل، وفتح الطريق لإرجاء المتكلمين، وظهور التهاون بالمعاصي، ودعوى كمال الإيمان مع التقصير.

أهل الكوفة أشد الناس إنكارًا

ظهر الإرجاء في الكوفة، فكان علماؤها أشد في إعلانه والرد عليه حمايةً لبيئتهم من توسعه. ولا يجوز نزع عباراتهم من هذا السياق ثم جعلها حكمًا عامًا بتبديع كل من نُسب إلى إرجاء الفقهاء.

إمامة أبي حنيفة ثابتة

أثبت ابن تيمية فقه أبي حنيفة وفهمه وعلمه، وقرر أن كثيرًا من القبائح المنسوبة إليه كذب. والمأخذ الثابت عنده مسألة الإيمان، أما سائر النقول فإما لم تصح، وإما ثبت رجوعه عنها.

لا يملك المتعالم إصدار أحكام الأعيان

أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ومسعر بن كدام وإبراهيم بن طهمان أئمة معروفون، ولا يملك المتصدر الإلكتروني أن يبدعهم أو يكفرهم من عنده. الواجب اتباع أحكام العلماء المحققين، لا تركيب حكم جديد من اقتباسات مبتورة.

الخليفي يبعث خصومة الكوثري من الجهة المقابلة

أثار الكوثري الفتنة قديمًا بالطعن في علماء السنة دفاعًا عن أبي حنيفة، فقام أهل السنة برده. ثم جاء عبد الله الخليفي ليوقظ الفتنة من الطرف الآخر بالطعن في أبي حنيفة، والميزان السني يرد الغلوين ويحفظ الإمام والعلماء.

الخلاصة

الراجح قول جمهور السلف: الإيمان قول وعمل واعتقاد. وقول مرجئة الفقهاء بدعة ومن أخف البدع، وأصحابه باقون في أهل السنة وأئمتها. فمن جعل النصوص الواردة في ذم الإرجاء تصريحًا بتكفير أبي حنيفة أو تبديعه خالف تحقيق الأئمة، وخلط بين حماية العقيدة وهدم حملة الدين.