قاعدة أهل السنة في تكفير أو تبديع المعيّن

الشيخ أبو الفضل المصري 26 فبراير 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يجيب الشيخ أبو الفضل المصري عن طلب محمد شمس الدين قاعدة مطردة للحكم على المعيّن بالكفر أو البدعة أو الفسق. يبدأ من سلامة المسلم، ثم يشترط ثبوت أن القول نفسه كفر أو بدعة أو معصية بنص أو إجماع، ويفصل بعد ذلك بين الحكم المطلق وتنزيله على الشخص باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وينقل هذا الأصل عن ابن تيمية والذهبي والفوزان والألباني ومقبل الوادعي وربيع المدخلي.

الأصل في المسلم السلامة

المسلم باق على إسلامه، فلا يسمى مبتدعًا أو ضالًا أو فاسقًا أو كافرًا حتى يثبت ما ينقله عن الأصل بدليل شرعي صحيح.

ثبوت وصف القول قبل الحكم على القائل

لا بد أولًا من دليل واضح أو إجماع معتبر على أن الفعل كفر أو بدعة أو معصية. أما المسائل الاجتهادية المختلف فيها بين أهل السنة، فلا يكفر ولا يبدع ولا يفسق المعين بمجرد اختيار أحد القولين.

الانتقال من المقالة إلى المعيّن

بعد ثبوت حكم القول تبدأ مرحلة أخرى: هل استوفت شروط الحكم في الشخص وانتفت موانعه؟ فقد يكون القول كفرًا أو بدعة، ولا يكون قائله كافرًا أو مبتدعًا لجهل أو تأويل أو اجتهاد معتبر أو عجز.

الأسماء والأحكام

نقل عن ابن تيمية أن التكفير والتفسيق من مسائل الأسماء والأحكام المتصلة بالوعد والوعيد في الدنيا والآخرة، وبالموالاة والمعاداة. ولذلك لا تعامل معاملة الألفاظ الإنشائية التي يطلقها كل أحد.

الاجتهاد والتقليد والقدرة

قد يصدر الفعل القبيح على وجه يعذر فيه صاحبه لاجتهاد أو تقليد معتبر، أو لعدم القدرة. وقيد ابن تيمية الاجتهاد والتقليد بما يعذر به، لأن منهما ما يقبل ومنهما ما لا يقبل، كما أن الجهل والتأويل أنواع.

ليس كل جهل عذرًا

ذكر مثال سب الدين بوصفه مسألة لا تحتمل دعوى الجهل عادة، والجهل الناتج عن الإعراض بعد بلوغ العلم. وفي المقابل توجد مسائل خفية أو أحوال نشأة وانقطاع علم يعذر فيها الجاهل.

وليس كل تأويل عذرًا

فرق بين التأويل السائغ الذي له وجه وتقوم قرائن على حسن القصد، وبين تأويلات الدروز والنصيرية والإسماعيلية التي لا وجه لها في العربية أو الشرع. فلا يصح إطلاق العذر بكل تأويل ولا نفيه عن كل متأول.

نصوص الوعيد لا تنزل تلقائيًا

قرر ابن تيمية أن نصوص الكتاب والسنة وكلام الأئمة في التكفير والتفسيق لا يستلزم ثبوت موجبها في حق معين إلا بعد الشروط والموانع، ولا فرق في ذلك بين أصول الاعتقاد وفروع العمل.

الحكم في الدنيا والآخرة

يجري التفصيل في وعيد الآخرة، ويجري كذلك في أحكام الدنيا. فجهاد الكافر يسبق بدعوته، وعقوبة الفاسق لا تثبت حتى تقوم عليه الحجة؛ لأن الله لا يعذب قبل الرسالة.

قد يخطئ العالم في تبديع غيره

نقل ابن تيمية أن عالمًا قد ينكر على آخر ويجعله كافرًا أو مبتدعًا أو فاسقًا مستحقًا للهجر، مع أن الآخر لا يستحق ذلك. وقد يصح التغليظ في شخص أو حال ظهرت فيه السنة والحجة. وتحديد ذلك يحتاج إلى أهلية كاملة.

من يملك أهلية الحكم؟

اشترط الذهبي في الناقد الورع التام، والبراءة من الهوى والميل، والخبرة بالحديث وعلله ورجاله، وإدمان الطلب والفحص والمذاكرة، والفهم والتقوى والدين والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء.

جواب الفوزان عن النووي وابن حجر

سئل الفوزان عن تبديع من قال أو فعل بدعة، وعن تبديع النووي وابن حجر وعدم الترحم عليهما. فأجاب بأن المبتدئين والعامة لا يشتغلون بالتبديع والتفسيق، وأن الجاهل يعذر، وأن أخطاء الاجتهاد والتأويل عند النووي وابن حجر لا تجعلهما مبتدعين؛ فهما إمامان موثوقان خدما السنة.

ربيع المدخلي يرد الحكم إلى العلماء

نقل من رسالة ربيع المدخلي أنه أبى تبديع أشخاص أصر آخر على تبديعهم، وقال: هذا للعلماء، أما مهمته فمناقشة أخطائهم ثم يترك الحكم عليهم لأهل العلم.

نصيحة الألباني للشباب

نصح الألباني الشباب بالتورع عن تبديع العلماء وتكفيرهم، والاستمرار في طلب العلم وعدم الاغترار بالنفس، ومعرفة حق العلماء وأسبقيتهم، واستحضر تفريق ابن تيمية وابن القيم بين الإطلاق والتعيين.

قيام الحجة هو مناط الحكم

كرر الألباني أن من علم أو وثق بأن الحجة قامت على زيد جاز له الحكم بحسبها، وإلا فلا. فلا يشترط أن يقيم العالم الحجة بنفسه، بل أن يعلم أنها أقيمت وزالت الشبهة.

من لم يسمع الخطاب

نقل ابن تيمية أن من أسلم ولم يعلم وجوب الصلاة أو تحريم الخمر لا يكفر، ولا يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية. واختار أن حكم الخطاب لا يثبت في حق المكلف قبل تمكنه من سماعه.

من عاش بعيدًا عن العلم

اتفق الأئمة على أن حديث العهد بالإسلام أو الناشئ في بادية بعيدة لا يكفر بإنكار حكم ظاهر حتى يعرف ما جاء به الرسول ﷺ. واستشهد بحديث اندراس العلم وبقاء كلمة التوحيد التي تنجي أصحابها.

شريح وعائشة وابن عباس

أنكر شريح قراءة متواترة ونفى العجب، فرده إبراهيم النخعي ولم يكفره. وقالت عائشة إن من زعم رؤية النبي ﷺ ربه فقد أعظم الفرية، ومع ذلك لم يعد ابن عباس مفترًا؛ لأن إطلاق العبارة لا ينزل بلا معرفة مراد الشخص.

الإمام القديم الذي لم تبلغه الحجة

فرق ابن تيمية بين إمام قديم صدرت منه مقالة خطأ لعدم بلوغ الحجة، وبين من بلغته وعاند. ولذلك قد يبدع متأخر أنكر عذاب القبر بعد انتشار أحاديثه، ولا تبدع عائشة في مسألة سماع الموتى.

النظر في المقالة ثم في القائل

لخص ابن تيمية الأصل في مرحلتين: ينظر أولًا في المقالة هل هي حق أو باطل أو تقبل التفصيل، ثم ينظر في حكم قائلها واختلاف أحوال الناس. الخلط بين المرحلتين أصل التسرع.

أئمة قالوا وفعلوا بدعًا بلا علم

ذكر أن كثيرًا من مجتهدي السلف والخلف قالوا أو فعلوا ما هو بدعة بسبب حديث ضعيف ظنوه صحيحًا، أو فهم آية على غير المراد، أو رأي لم تبلغهم النصوص المخالفة له. فمن اتقى الله قدر استطاعته دخل في العفو عن الخطأ والنسيان.

متى يتحول الخطأ إلى عناد؟

المتأول قد يؤجر على اجتهاده ويعفى عن خطئه، وقد يلحقه تفريط أو هوى فيأثم، وقد تقام عليه حجة الرسالة ثم يعاند ويشاق الرسول فيصير حكمه أشد. ولهذا لا بد من التفصيل في الأشخاص.

الألباني: القول بدعة والقائل ليس مبتدعًا

قرر الألباني أن مخالفة النص ترد، وقد يسمى القول بدعة، ولا يطلق على المجتهد اسم المبتدع. فالنووي وابن حجر أخطآ في مسائل عقدية، ولم يخرجا عن أهل السنة لأن العبرة بما غلب من أصول الشخص وعمله.

أبو حنيفة مثالًا

ذكر الألباني قول أبي حنيفة في عدم زيادة الإيمان والاستثناء، وعده بدعة مخالفة للكتاب والسنة، لكنه قال إن أبا حنيفة أراد الحق وأخطأه؛ فلا يسقط عنه الإسلام والعلم.

جواب مقبل الوادعي

فرق مقبل بين الحكم على العمل بأنه ضلال وبدعة، والحكم على الشخص بعد الحجة. كما فرق بين العالم السني الذي تغمر زلته فضائله، وبين من غرق في البدع وأقام لها الموارد ووقف في وجه السنة.

الفوزان وخطر الألفاظ

حذر الفوزان من إطلاق الجهال مسميات التكفير والتفسيق والتبديع قبل التعلم، لأن الكلمة ترجع على صاحبها إن لم يكن الآخر مستحقًا. والطعن في العلماء لا يضر مكانتهم بقدر ما يرجع وباله على المتكلم.

خلاصة القاعدة

يثبت حكم القول أولًا، ثم يترك تنزيله على الأعيان للعلماء الذين يعرفون الحجة والشروط والموانع. لا يكفر أو يبدع جاهل يعذر بجهله، ولا متأول يعذر بتأويله، ولا عالم مجتهد مريد للحق زل في مسألة؛ يرد خطؤه وتحفظ منزلته.