براءة الحنابلة من إطلاق تكفير داعية البدعة: الرد على أبي جعفر الخليفي (2)

الشيخ أبو الفضل المصري 5 مارس 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يفنّد الشيخ أبو الفضل المصري نسبة أبي جعفر الخليفي إلى متأخري الحنابلة أنهم يكفّرون داعية البدعة مطلقًا، عالمًا كان أو جاهلًا. ويجمع نصوص السعدي وابن مفلح وابن قدامة والمرداوي وابن تيمية وغيرهم لإثبات أن مناط الحكم هو العلم وقيام الحجة وانتفاء الموانع، وأن إطلاق الأئمة تكفير المقالة أو صاحبها على العموم لا يساوي تكفير كل معين ولا الحكم بتخليده في النار.

محل البحث: التكفير لا مجرد التفسيق

حدد أبو الفضل القضية منذ البداية: الكلام في تكفير الداعية إلى البدعة، لا في مجرد تفسيقه ولا في قبول روايته. وسبق له مناقشة نقل الخليفي عن «الفروع» لابن مفلح، مبينًا أن عبارة الحنابلة تصف داعية عالمًا بالبدعة يناظر عليها، لا كل من دعا إليها مع الجهل أو التأويل.

السعدي يقيد التكفير بالعلم وزوال التأويل

نقل عن السعدي أن أهل السنة ينصفون، ولا يكفرون إلا من كفره الله ورسوله؛ لأن الحكم بالكفر والإيمان من أكبر حقوق الله ورسوله. والكافر من أهل البدع هو من جحد ما جاء به الرسول غير متأول، أو عرف أن بدعته تناقض الكتاب والسنة ثم أصر عليها ونصرها. فتكرر في النص قيدان: انتفاء التأويل، ومعرفة المناقضة.

عبارة ابن مفلح لا تلغي شرط العلم

جاء في «الفروع» أن من كان عالمًا ببدعة مكفرة، يدعو إليها ويناظر عليها، حُكم بكفره. فلفظ الداعية هنا ليس علة مستقلة؛ بل يَرِد بعد وصفه بالعلم. وجمع أبو الفضل بين هذا النص وكلام السعدي ليقرر أن الحكم متعلق بعالم قامت عليه الحجة، لا بداعية جاهل لم يتبين له الحق.

البخاري: يُعلَّم الجاهل قبل الحكم عليه

استشهد من «خلق أفعال العباد» بقول البخاري إن من لم يعرف أن كلام الله غير مخلوق يُعلَّم ويُرد جهله إلى الكتاب والسنة، فإن أبى بعد العلم كان معاندًا. واستدل البخاري بأن الله لا يضل قومًا بعد هدايتهم حتى يبين لهم ما يتقون، وبوعيد من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى.

الشافعي يعذر قبل ثبوت الحجة

قرأ أبو الفضل نص الشافعي في الصفات من كتابين لعادل آل حمدان: من خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، أما قبل ثبوتها من جهة الخبر فهو معذور بالجهل؛ لأن تفاصيل هذا الباب لا تدرك بالعقل والفكر وحدهما. وأعاد نصًا آخر للشافعي يقرر أنه لا يكفر أحد بالجهل بهذه المعاني إلا بعد انتهاء الخبر إليه.

ابن أبي عاصم وأحمد بن منيع

نقل من «الجامع في عقائد ورسائل أهل السنة والأثر» أن ابن أبي عاصم حكم بالكفر على قائل خلق القرآن ممن قامت عليه الحجة، وجعل من قاله قبل قيامها غير مؤاخذ بذلك الحكم. ونقل عن أحمد بن منيع التفريق بين العامي الذي لا يعقل المسألة فيسكت عنه ويعلّم، وبين من يفهمها ويمضي في طريق الجهمية.

جهل الجارية ودرء الحد

أورد خبر الجارية التي زنت وهي لا تعلم تحريم الزنا، فذهب عثمان ووافقه عمر إلى درء الحد عنها لأن الحد على من علم. واتخذ من هذا التطبيق بين الصحابة شاهدًا على أثر الجهل الثابت في الحكم، وأن الاحتياط في التكفير أولى.

الخلاف القديم في تكفير أهل الأهواء

قرأ من «أصول السنة» لابن أبي زمنين أن أهل العلم اختلفوا في أهل الأهواء: فمنهم من كفرهم وحكم بخلودهم، ومنهم من لم يخرجهم من الإسلام وجعل بدعتهم من أشد الفسوق والمعاصي، وهو مذهب مشايخه بالأندلس. فالمسألة لم تكن اتفاقًا مطردًا يصلح أن ينسب إلى جميع الأئمة.

مواجهة ابن قدامة للفخر ابن تيمية

عرض الخلاف الذي سجله ابن رجب بين الموفق ابن قدامة والفخر ابن تيمية في تخليد أهل البدع المحكوم بكفرهم. امتنع ابن قدامة من إطلاق الخلود، ورأى السكوت عما سكت عنه النبي ﷺ والصحابة والأئمة، وعد الجزم في هذه المسألة من الكلام المحدث.

ليس كل ما قاله بعض الأصحاب حجة

رد ابن قدامة الاحتجاج بتقليد أبي الفرج الشيرازي وابن الزاغوني، وقرر أن الإمام المرجوع إليه لا يعذر في الاكتفاء بالتقليد. وحتى لو اتفق أصحاب أحمد على التكفير، عارض قولهم قول الشافعي وأصحابه الذين لم يكفروا أهل الأهواء؛ فلا يكون أحد القولين حجة بمجرده، بل يطلب دليل الترجيح.

التكفير لا يستلزم الخلود

زاد ابن قدامة أنه لو اتفق الجميع على لفظ التكفير، لم يلزم منه الخلود؛ لأن النص النبوي أطلق الكفر في مواضع لا تخرج من الملة، مثل قتال المسلم. ونقل عن أبي نصر السجزي اختلاف من كفّروا قائل خلق القرآن: أهو كفر ناقل عن الملة أم كفر دون ذلك.

تطبيق الإمام أحمد يناقض الإطلاق

احتج ابن قدامة بأن أحمد قال للمعتصم: يا أمير المؤمنين، ورأى طاعة الخلفاء الداعين إلى خلق القرآن، وصلى الجمعة والأعياد خلفهم. فالتطبيق العملي للإمام الذي عذب في المحنة يمنع حمل كل إطلاق في تكفير الجهمية على كل داعية بعينه.

تبعة القول أمام الله

خاطب ابن قدامة من يجزم بتخليد أهل البدع بأنه مسؤول أمام ربه عن مقالته، وأن تقليد بعض الأصحاب أو دعوى اتفاقهم لا يكفي جوابًا. وإذا اعتقد المرء كفر تلك الطوائف لزمه أن تظهر آثار ذلك في ترك موالاتهم، ورفض ولاية قضاتهم وكتب حكامهم، لا أن يطلق الحكم ثم يخالفه في التطبيق.

المرداوي يثبت تعدد الروايات

نقل أبو الفضل عن المرداوي رواية اختارها القاضي وابن عقيل وابن الجوزي والموفق في عدم تكفير المبتدع، ثم ذكر رواية تكفير الداعية وأنها الأشهر، مع خلاف آخر في تفسيق المقلد. فهذا تحرير للخلاف داخل المذهب نفسه، لا إجماع لمتأخري الحنابلة على صيغة واحدة.

الرواية عن المبتدع ليست حكمًا واحدًا

عرض كلام المرداوي في قبول رواية المبتدع الداعية وغير الداعية، وذكره الباقلاني والآمدي وغيرهما في سياق الأقوال. كما نقل قول أحمد في الكتابة عن القدرية مع وصفهم بالكفر، ليدلل على أن لفظ الكفر في بعض عبارات الأئمة لم يُحمل دائمًا على الردة والخلود.

ابن تيمية: فرق بين النوع والعين

نقل عن ابن تيمية أن الأئمة أطلقوا التكفير، لكنهم لم يحكموا على كل قائل بعينه بحكم الكفار. وقد اضطرب النقل عن مالك والشافعي وأحمد والأشعري في أهل الأهواء، وحقيقة مذاهبهم التفصيل: قد تكون المقالة كفرًا، ولا يكفر معينها حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها.

موانع الحكم على المعين

قد لا تبلغ الرجل النصوص، أو لا تثبت عنده، أو لا يتمكن من فهمها، أو تعرض له شبهة يعذره الله بها. فمن اجتهد في طلب الحق وأخطأ غفر له خطؤه في المسائل النظرية والعملية؛ وهذا ما نسبه ابن تيمية إلى الصحابة وجماهير أئمة الإسلام.

لماذا اشتد أحمد على الجهمية؟

فسر ابن تيمية شدة أحمد بأن مناقضة أقوال الجهمية لما جاء به الرسول كانت ظاهرة، وبأن حقيقة قولهم التعطيل، وقد خبر أحمد مذهبهم في المحنة. ومع ذلك لم يكفر أعيان الولاة الذين دعوا إلى خلق القرآن، وعاقبوا الممتنعين، وقطعوا أرزاقهم، بل ترحم عليهم واستغفر لهم؛ لأنه علم أنهم أخطؤوا وقلدوا ولم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول.

قول الشافعي لحفص الفرد

ناقش الاستدلال بقول الشافعي لحفص الفرد: «كفرت بالله العظيم». ونقل من رسالة أكاديمية بإشراف الشيخ عبد الرحمن البراك تخريجات الأئمة لهذا النص: لم يرد الشافعي الحكم بردة حفص، بل بيان أن المقالة كفر أو التغليظ في إنكارها.

تفسير البغوي والبيهقي وابن تيمية

فسر البغوي إطلاق الشافعي بأنه كفر دون كفر، مستدلًا بإجازته شهادة أهل البدع والصلاة خلفهم مع الكراهة. ونقل البيهقي أن الشافعية الذين لا يكفرون أهل القبلة يحملون ألفاظ السلف على هذا المعنى. وقرر ابن تيمية أن الشافعي لو اعتقد ردة حفص لسعى في قتله، وأنه صرح بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم.

قتل الداعية لا يثبت كفره بالضرورة

فرّق أبو الفضل بين العقوبة الدنيوية والحكم الأخروي. فقد يمنع الداعية أو يهجر أو يعزر، وقد يقتل دفعًا لفساده ودعوته، من غير أن يكون سبب القتل هو اعتقاد ردته. لذلك لا يصح اتخاذ عقوبة الداعية دليلًا آليًا على تكفير عينه.

عفو أحمد عمن عذبه

نقل من «الآداب الشرعية» أن أحمد جعل المعتصم وغيره ممن ضربوه وحبسوه في حل، ودعا ألا يعذب الله أحدًا بسببه، واستثنى ابن أبي دؤاد ومن كان مثله لأنه كان داعية منافحًا عن البدعة. ويظل الفرق ظاهرًا بين شدة موقفه من رأس الجدل وبين عدم تكفير كل من شارك في المحنة.

خلاصة حنبلي متأخر

ختم بنص عبد القادر الحنبلي البصري: الناس مختلفون في أهل الأهواء؛ فمنهم من يكفر مطلقًا، ومنهم من يفرق بين الطوائف، أو بين المقلد والمجتهد، أو بين المجتهد الداعية وغيره. ومذهب الأئمة التفصيل بين المقالة والمعين، فلا يكفر المجتهد طالب الحق إذا أخطأ، ولا يكون كل مخطئ أو مبتدع أو جاهل كافرًا ولا فاسقًا ولا عاصيًا.

النتيجة

نسبة تكفير الداعية الجاهل إلى جميع متأخري الحنابلة لا يثبتها نقل ابن مفلح ولا كلام السعدي، وتردها نصوص المذهب وخلاف علمائه وتطبيق الإمام أحمد. الحكم على المعين يفتقر إلى العلم بقيام الحجة وزوال الشبهة وانتفاء المانع؛ أما إطلاق الحكم على المقالة أو الداعية العالم المعاند فلا ينقل آليًا إلى كل شخص انتسب إلى البدعة.