هل قال محمد شمس الدين بقول الصابئة في مسألة المكان؟

الشيخ أبو الفضل المصري 6 أبريل 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يناقش الشيخ أبو الفضل المصري جواب محمد شمس الدين لمن قال: «الله موجود بلا مكان، كان قبل المكان بلا مكان»، ويبين أن قول محمد: «طالما أنه كان فهو في مكان» يستلزم قدم المكان، وهو القول الذي نسب ابن تيمية أصله إلى طائفة من الصابئة، ثم يفصل معنى المكان الوجودي والعدمي عند أهل السنة.

السؤال الذي بدأت به الحلقة

قال السائل إن الله كان قبل المكان بلا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. فسأل محمد: كيف عرفت؟ ثم قرر أن كل موجود لا بد أن يكون في موضع يسمى مكانًا، وأن لفظ «كان» يقتضي وجود المكان.

السجزي ينقل الاتفاق

قرأ أبو الفضل من «الرد على من أنكر الحرف والصوت» لأبي نصر السجزي: الله فوق العرش بلا تحديد، ومن العرش إلى الثرى محدث محدود، والله فوقه بحيث لا مكان ولا حد، لاتفاق أهل السنة أنه كان ولا مكان ثم خلق المكان.

«وهو كما كان قبل خلق المكان»

قال السجزي إن الله بعد خلق المكان كما كان قبله؛ لا بمعنى نفي استوائه وعلوه، بل بمعنى أنه لم يحل في مكان مخلوق ولم يحوه شيء. فهو فوق العرش مباين للأمكنة ومن يحل فيها.

نقل ابن تيمية لكلام السجزي

أورد ابن تيمية نصه ضمن كلام أكابر أهل الإثبات الذين نفوا لفظ الحد، وذكر قول السجزي إن الكرامية القائلين بالمماسة ضلال، وإن إثبات الفوقية لا يقتضي مكانًا يحوي الرب.

عبد الغني المقدسي والعبارة المقابلة

نقل ابن رجب عن عبد الغني قوله: «كان الله ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان». وجمع أبو الفضل بينه وبين السجزي بأن الأول يثبت الاستواء بعد خلق العرش، والثاني ينفي حلول الله في مكان مخلوق.

الاعتقاد القادري

قرأ من «الجامع لعقائد أهل الأثر» لعادل آل حمدان: كان ربنا واحدًا لا شيء معه ولا مكان يحويه، فخلق كل شيء وخلق العرش لا لحاجته، واستوى عليه كيف شاء، لا استقرار راحة كما يستريح الخلق.

معتقد عمر بن عبد العزيز

نقل أن الله لم يزل وحده عليمًا بكل شيء قبل أن يخلق شيئًا وبعد ما خلق، فلم يحدث له علم بعد الخلق. واستدل به على أن الخلق، ومنه المكان، حادث بعد أن لم يكن.

المكان لفظ مجمل

سبق لأبي الفضل أن قرر من كلام ابن تيمية وابن عثيمين والألباني أن لفظ المكان لم يرد إثباته أو نفيه مطلقًا، بل يستفصل عن المراد: أمكان مخلوق وجودي يحوي، أم علو عدمي وراء العالم حيث انتهت المخلوقات؟

المكان الوجودي منفي

إذا أريد بالمكان شيء مخلوق يحيط بالله، فالله منزه عنه؛ لا تحوزه المخلوقات وهو أعظم من كرسي وسع السماوات والأرض. ومن أثبت هذا المعنى وقع في التحديد الذي نفاه أئمة السنة.

المكان العدمي يثبت العلو

إذا أريد ما فوق العالم، حيث لا مخلوق، فليس شيئًا قائمًا يحوي الله، وإنما هو تعبير عن علوه ومباينته للعالم. وعلى هذا يحمل إطلاق بعض أئمة السنة للمكان.

كلام عبد الرحمن دمشقية

نقل من «موسوعة أهل السنة» إثبات الاستواء فوق المكان مع نفي أن المكان يحويه، والجواب عن سؤال «أين كان قبل خلق المكان؟» بأن الله خلق الكون خارج ذاته، ثم خلص دمشقية إلى أن الله فوق المكان.

أخطر عبارة في جواب محمد

قال محمد: «طالما أنه كان إذًا هو في مكان». وأجاب أبو الفضل بأن الله هو الأول، فإذا كان وجوده يستلزم مكانًا موجودًا معه، صار المكان قديمًا غير مخلوق، وهو عين الإشكال الذي نفاه السجزي وسائر النقول.

ابن تيمية في قدم الزمان والمكان

نقل من «بيان تلبيس الجهمية» أن من جعل تقدير الزمان والمكان أمرين وجوديين قال بقدمهما، كما قالت طائفة من الصابئة ومن تبعهم، حتى عد بعضهم القدماء خمسة: الزمان والمكان والنفس والهيولى وواجب الوجود.

التقدير لا يثبت موجودًا آخر

كون الله في الأزل قبل الزمان، أو تقدير المكان بالنسبة إليه، لا يقتضي وجود زمان أو مكان قديمين. الحيز عند مثبتة العلو أمر عدمي ونسبة، لا موجود منفصل عن الله.

لا موجود إلا خالق أو مخلوق

سأل أبو الفضل عن المكان الذي يفرضه محمد: أهو الخالق أم مخلوق؟ إن كان وجوديًا غير الله فهو مخلوق حادث، فلا يكون معه في الأزل، وإن كان عدميًا فلا يصلح أن يجعل وعاء يحويه.

«كان الله ولا شيء معه»

ذكر ابن تيمية أن صدر العبارة مأثور في حديث، أما زيادة «وهو الآن على ما عليه كان» فليست من كلام النبي ﷺ ولا منقولة عن إمام مقبول بهذا الإطلاق، وقد استعملها الاتحادية بمعنى باطل: أنه الآن ولا شيء معه وكل موجود هو الله.

المعنى الصحيح لزيادة السجزي

حين يقال: كان الله ولا مكان وهو الآن كما كان، فالمراد عند السجزي نفي حلول الرب في المخلوقات قبل خلقها وبعده، مع إثبات أنه فوق العرش. فلا تحمل عبارته على نفي الاستواء.

المعنى الصحيح لعبارة عبد الغني

قوله إنه ليس اليوم على ما كان يشير إلى حدوث فعل الاستواء بعد خلق العرش. فإذا سماه بعض أهل السنة مكانًا، حمل على علو لا يحويه شيء، لا على موضع مخلوق يحتاج إليه.

معاني المكان عند ابن تيمية

قد يراد ما يكون الشيء فوقه محتاجًا إليه كالإنسان فوق السطح، وقد يراد ما يكون فوقه بلا احتياج كالسماء فوق الجو، وقد يراد ما يحيط بالشيء. أما المكان بوصفه جوهرًا لا يحس فهو اصطلاح الفلاسفة لا كلام الصحابة والأئمة.

بيت حسان وإثبات العلو

استشهد ابن تيمية بقول حسان إن مكان الله أعلى وأعظم، وحمله على علو الرب فوق العرش وغناه عنه، لا على احتياجه إلى سطح أو إحاطة مخلوق به.

قول ابن رواحة

ذكر أبياته في أن العرش فوق الماء وفوق العرش رب العالمين، وأن النبي ﷺ سمع هذا المعنى وأقره. وهو إثبات للعلو والفوقية، لا لمكان قديم مع الله.

الجهة الوجودية والعدمية

نقل من «درء التعارض»: إن أريد بالجهة موجود غير الله فهو مخلوق، والله فوق سماواته بائن عن خلقه فلا يكون في جهة مخلوقة. وإن أريد أمرًا عدميًا وراء العالم، فهو لا شيء قائمًا يحويه.

شرح الطحاوية وابن عثيمين

قرر ابن أبي العز المعنى نفسه، وقسم ابن عثيمين الجهة إلى سفل وهي باطلة، وعلو يحيط بالله وهو باطل، وعلو لا يحيط به وهو حق؛ فالله فوق خلقه ولا يحيط به شيء.

العبارات المسيئة في الإلزام

اعترض أبو الفضل على صياغة محمد التي يجعل فيها المعطل كأنه يخاطب الله بلفظ التكذيب، وعلى قوله إن الدين يكون فاسدًا إن لم يوافق هذا التقرير. صحة إلزام المخالف لا تبيح سوء التعبير في حق الله ودينه.

المفوض لا يصرح بتكذيب القرآن

المعطلة والمفوضة لا يقولون إن الآية خطأ؛ المؤول يدعي لها معنى آخر، والمفوض يتوقف في معناها. لازم قولهم مخالف للحق، لكنه لا يصير قولًا لهم حتى يلتزموه، وإلا حكم بكفر كل معين بلا استيفاء الضوابط.

لازم المذهب ليس مذهبًا

فرق أبو الفضل بين إظهار ما يلزم القول لإبطاله وبين نسبته إلى قائله حقيقة. لا يقال إن الشخص كذب القرآن لمجرد أن تأويله يؤدي إلى هذا اللازم ما لم يلتزمه.

وصف كلام السجزي بالخرابيط

انتقد إطلاق محمد هذا اللفظ على قول «كان ولا مكان وهو كما كان»، لأنه كلام السجزي الذي نقل عليه الاتفاق. من أراد مناقشته لزمه أولًا فهم مراده ثم الرد بأدب العلم.

من أثبت المكان ومن نفاه من أهل السنة

يحمل نفي العالم السني على المكان المخلوق الذي يحوي، ويحمل إثباته على العلو فوق العرش حيث لا مخلوق. وإذا جهل مراده استفصل، بدل التكفير أو التبديع بلفظ مجمل.

التحذير من أثر كتب الملل

ذكر محمد أنه قرأ في أديان كثيرة، فخشي أبو الفضل أن يكون قد علق في تقريره شيء من قول الصابئة الذين جعلوا الزمان والمكان قديمين ملازمين لوجود الإله، بعد أن سبق بيان مخالفة هذا لأهل السنة ولم يأت جواب عنه.

الخلاصة

الله كان ولا مكان مخلوق، ثم خلق العرش وسائر الأمكنة واستوى على عرشه، وهو فوق العالم مباين لخلقه لا يحويه شيء. قول «كل موجود لا بد له من مكان» إن جعل المكان وجوديًا قديمًا أفضى إلى قول الصابئة، وإن جعل عدميًا عاد إلى تقرير أهل السنة في العلو.