هل لا نقبل أحكام ابن تيمية على المخالفين؟ رد على عبد الرحمن دمشقية

الشيخ أبو الفضل المصري 25 أبريل 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يرد الشيخ أبو الفضل المصري على إلزام عبد الرحمن دمشقية له في مسألة قبول كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الإمام الهروي، ويحرر أصل المسألة: قبول أحكام العالم الثقة المتأهل في الرجال ليس تقليدًا، وإنما هو من باب قبول خبر الثقة، مع بقاء باب الترجيح مفتوحًا إذا عارضه عالم مثله.

المسألة التي بدأ منها الخلاف

جاء الكلام أثناء التعليق على مناظرة زين خير الله ومحمد شمس الدين؛ إذ حاول ابن شمس إسقاط قول العلماء في الرجال بوصفه تقليدًا. فقرر أبو الفضل أن حكم أمثال ابن تيمية والذهبي وأئمة هذا الفن جرحًا وتعديلًا يقبل خبرًا عن حال من درسوه، لا اتباعًا أعمى لأقوالهم.

الزمن الفاصل لا يبطل حكم العالم

اعترض دمشقية بأن بين ابن تيمية والهروي قرونًا، وأن كلامه لا يقبل بلا إسناد. ويجيب أبو الفضل بأن هذا الاعتراض لو اطرد لرد كلام ابن تيمية في الرازي والأشعري والباقلاني والجويني، ورد أكثر ما كتبه المتأخرون في أحوال من سبقهم.

كيف يدرس المتأخر حال المتقدم؟

يجمع العالم كتب الرجل، وكلام شيوخه وتلاميذه وأقرانه، وما دوّنه المؤرخون وأصحاب التراجم، ثم يسبر أقواله وأعماله حتى تتكون لديه صورة متكاملة. وهذا نظير صنيع أئمة الحديث الذين حكموا على رواة لم يلقوهم بعد استقراء مروياتهم وأقوال النقاد فيهم.

ابن تيمية والهروي

قرأ ابن تيمية كتب الهروي، وعرف جهاده في نصرة السنة وإنكاره على أهل البدع، ثم أثبت عليه أخطاء في الحلول الخاص والجبر وغيرها. فلم يهدر حسناته ولم يمنعه تعظيمه من رد خطئه، وبقي الهروي عنده شيخًا للإسلام وإمامًا ينتفع بكلامه.

قبول خبر الثقة ليس بابًا لكل متصدر

لا يحق لكل مشهور أو صاحب قناة أن يجمع عبارات عالم ثم ينصب نفسه ناقدًا له. شرط الكلام في الرجال العلم التام، والورع، والديانة، ومعرفة أسباب الجرح والتعديل، والخبرة الواسعة بالحديث والرجال، ولذلك لا يقاس محمد شمس الدين بابن تيمية أو أحمد أو الذهبي.

شروط أهلية الناقد

نقل أبو الفضل من كتاب «قرائن ترجيح التعديل والتجريح» أقوال أبي زرعة وابن أبي حاتم والخليلي والنووي والذهبي وابن حجر: لا يعتمد في هذا الباب إلا على الحافظ المتقن الجهبذ، التام المعرفة والورع، المتحرر من الهوى والميل. أما غير العارف فجرحه غيبة محرمة لا حكمًا علميًا.

ماذا نصنع إذا اختلف النقاد؟

إذا اتفق أهل الفن على توثيق رجل أو جرحه كان اتفاقهم حجة، وإذا تعارض قولان معتبران انتقل الأمر إلى الترجيح بالقرائن لمن كان أهلًا له. وقد بسط العلماء قرائن تقديم الجرح أو التعديل، فلا يجعل قول الواحد معصومًا ولا يطرح بلا حجة.

مخالفة ابن القيم لا تسقط كلام ابن تيمية

حاول ابن القيم حمل بعض كلام الهروي على أحسن المحامل، واعترف في الوقت نفسه بأن ظاهره موافق لعبارات أهل الحلول، كما رد عليه في مسائل أخرى كالجبر ونسبة التلبيس إلى الله. اختلافه مع شيخه في موضع يستدعي وزن القولين، ولا يحول حكم ابن تيمية إلى خبر مهمل.

اللازم على من يرد حكم ابن تيمية بلا بينة

إما أن يثبت الناقد أن النقل أخطأ كتاب الهروي أو واقعه، وإما أن يقبل خبر الإمام المتأهل. أما مجرد القول إنهما لم يتعاصرا فيفتح الباب للطعن في استقراء ابن تيمية ونقوله كلها، ويتيح لكل مخالف أن يرد كلامه في أئمة الفرق بالحجة نفسها.

التعامل مع الهروي يكشف الميزان

السؤال ليس مجرد إثبات تهمة بعينها، بل طريقة الحكم بعد ثبوت الخطأ: هل يخرج الهروي من السنة والإمامة كما أخرج الغلاة النووي والسيوطي، أم ترد زلته وتحفظ منزلته؟ صنيع ابن تيمية نفسه يثبت إمكان الجمع بين الرد العقدي الصريح وحفظ الإمامة.

الغزالي والقشيري والميزان المضطرب

طالب أبو الفضل دمشقية بالدليل على تكفير الغزالي بدعوى وحدة الوجود مع أن ابن تيمية برأه منها، وعلى تكفير القشيري بعبارة نقلها عن غيره، وقد نقل حنابلة العبارة نفسها واستحسنها ابن ناصر الدين. من اشترط السند والسبق في الهروي يلزمه تطبيق الشرط نفسه هنا.

ابن الزاغوني مثال آخر

احتج محمد شمس الدين بابن الزاغوني ثم حكم الخليفي ودمشقية بتبديعه اعتمادًا على كلام الذهبي، مع أن الذهبي لم يعاصره، ووصفه الدشتي وابن بطة بالإمام. فإذا جاز قبول نقد الذهبي هنا، بطل جعل الفاصل الزمني وحده مانعًا من قبول نقد ابن تيمية للهروي.

رواية الحديث غير نقل كتب العلماء

فرّق أبو الفضل بين حديث ينسب إلى النبي ﷺ أو الصحابة، فلا بد من بحث إسناده وفق قواعد الرواية، وبين كلام عالم ثابت في كتاب منسوب إليه بالطرق المعروفة لدى المحققين. الكتب المتأخرة تثبت بنسخها، وخطوط العلماء عليها، ونقول التلاميذ والمصنفين عنها، لا بإسناد حديثي في كل فقرة.

قول عمر في مرض النبي ﷺ

ألزم دمشقية أبا الفضل بقبول نسبة عبارة «ما له أهجر» إلى عمر لأن ابن تيمية ذكرها. والجواب أن هذه رواية أثرية تبحث أسانيدها: إن صحت وجهت كما وجهها أهل السنة، وإن ضعفت لم تلزم، وإن اختلف المحدثون فيها اتبع المؤهل ما ترجح له.

لا عصمة لابن تيمية

تعظيمه لا يعني قبول كل حديث صححه أو كل عزو وقع في كتبه؛ فقد يخالفه الألباني أو ابن باز أو غيرهما في التصحيح والفقه، ويقبل الترجيح العلمي. الفرق أن مخالفة الإمام تحتاج إلى علم وحجة، لا إلى إسقاط خبره لمجرد وجود قرون بينه وبين من تكلم فيه.

حديث العماء شاهد على سعة الخلاف

ذكر أبو الفضل حديث «كان في عماء» الذي حسنه أو صححه بعض العلماء وضعفه آخرون، ومع ذلك احتج به محمد شمس الدين بينما ضعفه دمشقية في موسوعته. وجود الخلاف لا يجعل أحد الفريقين ملزمًا بقول ابن تيمية إذا كان مؤهلًا للنظر في الحديث.

كتب المتأخرين لا تقوم بلا النقول

موسوعة دمشقية نفسها وسائر المصنفات تنقل مئات الأقوال من كتب أصحابها وكتب من بعدهم، ولم يتصل المؤلفون بكل واحد بإسناد رواية. ولو اشترط هذا في كل نقل لضاع جانب ضخم من التراث والفقه والتاريخ والتراجم.

نص ابن حجر وتعليق ابن باز

قرأ أبو الفضل من «نزهة النظر» أن التزكية لا تقبل إلا من عارف بأسبابها، وأن الجرح والتعديل لا يقبلان إلا من عدل متيقظ؛ لأن التساهل قد يثبت حكمًا غير ثابت أو يسم مسلمًا بريئًا بسوء يبقى عاره. وعلق ابن باز بأن تزكية الرواة تجري مجرى الخبر والحكم.

جواب الشيخ مقبل في أصل القضية

ختم بفتوى الشيخ مقبل بن هادي الوادعي فيمن عد قبول أحكام العلماء في الأشخاص تقليدًا. نقل الشيخ أن الاعتراض قديم، وأن الصنعاني أجاب عنه بأن قول يحيى بن معين في الراوي أو حكم البخاري على الحديث من باب قبول خبر الثقة، واستدل بمفهوم آية التثبت من خبر الفاسق.

خبر الساقط مردود وخبر العدل مقبول

إذا طعن شخص ساقط في إمام لم يقبل كلامه، وذكر مقبل إنكار الذهبي على العقيلي طعنه في علي بن المديني وعبد الرزاق وجماعة من جهابذة الإسلام. فالعبرة بأهلية الناقد وعدالته ودليله، لا بمجرد صدور التجريح.

تطبيق القاعدة على الإمام النووي

لم يخرجه أحد من علماء عصره ومن بعدهم من أهل السنة، بل تواردوا على إمامته وعلمه وورعه، وانتفع به الألباني وابن باز وابن عثيمين والفوزان واللجنة الدائمة. فلا يصح أن يقدم جرح متصدر معاصر غير مؤهل على هذا التعديل المتتابع.

الموقف من عبد الرحمن دمشقية

مع شدة الرد، أبقى أبو الفضل له وصف الشيخ لكبر سنه وسابق كتبه، ودعا له بالهداية والعودة إلى ما قرره قديمًا من ضوابط التكفير عن ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب. وخالف استعمال الغلاة لهذه الضوابط حين تعلق الأمر برجال معاصرين.

الخلاصة

حكم العالم الثقة المتأهل في الرجال يقبل خبرًا لا تقليدًا، والفاصل الزمني لا يبطله ما دام مبنيًا على الكتب والنقول الثابتة والاستقراء. وإذا عارضه إمام مثله رجح المؤهل بينهما. بهذه القاعدة ترد أخطاء الهروي والنووي وغيرهما من غير أن يتصدر غير المؤهل لإهدار أئمة الإسلام.