ثناءات السلف على الإمام أبي حنيفة بالأسانيد الثابتة

الشيخ أبو الفضل المصري 26 أبريل 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

ينتقل الشيخ أبو الفضل المصري من الرد على عبد الرحمن دمشقية إلى نصح محمد شمس الدين، ويجمع من ترجمة أبي حنيفة في «تاريخ بغداد» طائفة واسعة من الثناءات الصحيحة والحسنة، ليثبت أن الكتاب نفسه لا يقتصر على أخبار القدح التي انتقاها المنتقدون.

دمشقية يقر باجتهاد أبي حنيفة

نقل من «موسوعة أهل السنة» قول دمشقية إن أبا حنيفة مجتهد بلا ريب، واعتماده بعض رواياته واستدلالاته. وهذا الإقرار يلزمه أن يجمع بين أقوال الجارحين والمعدلين، لا أن يطيل في جانب القدح وحده.

ثلاثة مسالك لا رابع لها

لا يصح قبول كل جرح في كل أحد، ولا رد كل جرح مطلقًا؛ بل الواجب تشغيل ميزان المحدثين في ثبوت الأخبار وأسبابها وموازنة الجرح بالتعديل. ومن هنا بدأ جمع النصوص التي أهملها العرض السابق.

تلامذة الإمام

ذكر الخطيب رواية هشيم بن بشير وعباد بن العوام وابن المبارك ووكيع ويزيد بن هارون وعلي بن عاصم وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وعبد الرزاق وآخرين عنه، وكثرة هؤلاء الأئمة في تلامذته لها وزن في معرفة مكانته.

رفض القضاء وثباته على الامتناع

روى بإسناد صحيح أن ابن هبيرة أراده على قضاء الكوفة فأبى، فضربه مئة وعشرة أسواط موزعة على الأيام، فلم يرجع حتى أطلق سبيله. ونقل أن أحمد كان يبكي إذا ذكر ضرب أبي حنيفة وترحم عليه.

رؤيا نبش قبر النبي ﷺ

صح خبر رؤياه كأنه ينبش القبر، وفسرها ابن سيرين بأنه ينبش أخبار الرسول ﷺ. وجاء في رواية أخرى أن صاحبها يثير علمًا لم يسبقه إليه أحد، لكن المتحدث نبه إلى ضعف طريقها بسبب راوٍ مجهول.

آية في الخير

صح عن ابن المبارك أنه وصف أبا حنيفة بأنه آية، ولما سأله رجل: في الخير أم الشر؟ أنكر السؤال وقرأ: «وجعلنا ابن مريم وأمه آية»، فالمقصود آية في الخير.

أنفع المجالس

قال القاسم بن معن من ذرية ابن مسعود: ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبي حنيفة، ووصفه سليمان بن أبي شيخ بالورع والسخاء.

مالك يرى قوة حجته

نقل الشافعي أن مالكًا رأى أبا حنيفة رجلًا لو أراد إقامة الحجة على أن السارية ذهب لفعل، وفي هذا اعتراف بقوة نظره وجدله.

«أي علم ذهب»

لما بلغ ابن جريج موت أبي حنيفة استرجع وتوجع وقال: أي علم ذهب. ووصفه أيوب السختياني بالرجل الصالح فقيه أهل الكوفة، وطلب أن يبلغه السلام.

أفقه من رأى يزيد بن هارون

سئل يزيد بن هارون: من أفقه من رأيت؟ فقال: أبو حنيفة. وفضل أبو عاصم فقهه على فقه سفيان، وكل ذلك بأسانيد حكم عليها المحقق بالحسن.

أفقه الناس عند ابن المبارك

قسم ابن المبارك من لقيهم: أعبدهم عبد العزيز بن أبي رواد، وأورعهم الفضيل بن عياض، وأعلمهم سفيان، وأفقههم أبو حنيفة، ثم قال: ما رأيت في الفقه مثله.

اتفاق أبي حنيفة والثوري

قال ابن المبارك: إذا اجتمع هذان على شيء فهو قوي، يعني أبا حنيفة وسفيان. وقال كذلك: إن كان لأحد أن يقول برأيه، فأبو حنيفة ينبغي له ذلك.

الثوري يصفه بأفقه أهل الأرض

كان محمد بن بشر يختلف إلى الرجلين؛ فيثني أبو حنيفة على منزلة سفيان، ويقول سفيان لمن جاء من مجلس أبي حنيفة: جئت من عند أفقه أهل الأرض.

يحيى القطان يأخذ بأقواله

قال يحيى بن معين إنه سمع يحيى القطان يقول: ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. وكان يختار قوله من فتاوى الكوفيين.

الناس عيال عليه في الفقه

صح عن الشافعي قوله إن الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، وإن من أراد التبحر فيه فهو عيال عليه، وقوله: ما رأيت أحدًا أفقه منه، ووصفه بأنه ممن وفق للفقه.

رأيه بلغ الآفاق

قال سفيان بن عيينة إن شيئين ظن ألا يجاوزا قنطرة الكوفة ثم بلغا الآفاق: قراءة حمزة ورأي أبي حنيفة. ونقل علي بن المديني انتشار فتاويه في البلاد.

حلمه مع الشتيمة

خالف الحسن في مسألة فقال رجل لأبي حنيفة كلمة قبيحة، فما تغير وجهه ولا تلون، بل أعاد بهدوء أن الحسن أخطأ وأن ابن مسعود أصاب. واتخذ المتحدث الموقف مثالًا للحلم.

العبادة والتقوى

قال يحيى القطان: جالسناه وسمعنا منه، وكنت إذا نظرت إليه عرفت في وجهه أنه يتقي الله. وقيل لمن سأل عن أعبد أهل الكوفة وأفقههم: أبو حنيفة.

ترحم سفيان بن عيينة

قال: رحم الله أبا حنيفة، كان من المصلين كثيري الصلاة. وهذه الرواية تعارض اتهام المترحم عليه بقلة الديانة.

الوتد لكثرة الصلاة

صح عن أبي عاصم أنه كان يسمى الوتد لكثرة صلاته، ورويت أخبار في قيامه لليل وطوافه بمكة وصلاته مع الناس.

ورعه في المال

أرسل متاعًا إلى شريكه وأمره أن يبين عيب ثوب، فنسي الشريك ولم يعرف المشتري، فتصدق أبو حنيفة بثمن المتاع كله.

رفقه بالمرأة في البيع

طلبت امرأة أن يبيعها ثوبًا بما قام عليه، فأعطاها إياه بأربعة دراهم؛ لأنه ربح ثمن الثوبين في الأول ولم يبق عليه من رأس المال في الثاني إلا هذا القدر.

العقل والفطنة

قال يزيد بن هارون: ما رأيت أعقل ولا أفضل ولا أورع منه، وقيل إن عقله كان يظهر في منطقه ومشيته ومدخله ومخرجه.

تواضعه مع أمه

لم تقبل أمه فتواه وأصرت أن تسأل واعظًا، فذهب بها إليه، فقال الواعظ لأبي حنيفة: أنت أعلم وأفقه. ثم وافق فتواه حتى اطمأنت أمه وانصرفت.

اختيار الخطيب نفسه

صرح الخطيب بأنه ساق أخبارًا كثيرة عن الأئمة في مدحه، ثم سيذكر ما قيل في ذمه، واعتذر للقارئ عن الروايات المؤلمة بأن أبا حنيفة عنده «مع جلالة قدره» أسوة سائر العلماء الذين جمع أقوال الناس فيهم على تباينها.

القدح لا يمثل موقف الخطيب

ذكر أن بعض الكلام تعلق بأصول الدين وبعضه بالفروع والرأي، لكنه لم يجعله حكمه النهائي ولم يسقط به جلالة أبي حنيفة؛ فعمل المترجم جمع المادح والقادح، لا تبني كل خبر يرويه.

نصيحة ابن عبد البر

دعا إلى قراءة فضائل الأئمة والاقتداء بعلمهم وسمتهم وهديهم، وحذر من حفظ النوادر التي صدرت عند الحسد والغضب وترك المناقب؛ لأن هذا يحرم صاحبه التوفيق ويدخله في الغيبة ويحيد به عن الطريق.

أبو داود: كان إمامًا

روى ابن عبد البر بإسناد صحيح عن أبي داود: رحم الله مالكًا كان إمامًا، ورحم الله الشافعي كان إمامًا، ورحم الله أبا حنيفة كان إمامًا.

لا تقطعوا الأمة عن علمائها

حذر من إسقاط علماء قرون كاملة وإشاعة تكفيرهم وتبديعهم، وسأل عن علماء العصر الذين تعرض عليهم هذه الأقوال قبل نشرها، وذكر الألباني وابن باز وابن عثيمين واللجنة الدائمة مثالًا قريبًا.

من يملك الكلام في الرجال؟

أعراض المسلمين حفرة وقف على شفيرها القضاة والمحدثون؛ فلا يدخل باب الجرح من لم يكن عالمًا شهد له أهل العلم، ولا يكفي أن يعلن المتصدر نفسه من علماء الحديث.

الخلاصة

«تاريخ بغداد» لا يمنح المنتقي حكمًا جاهزًا؛ ففيه عشرات الثناءات الثابتة، والخطيب نفسه يثبت جلالة أبي حنيفة. والمنهج أن تجمع الروايات، وترد الخطأ إن ثبت، وتحفظ الإمامة التي توارد عليها علماء الأمة.