حكم التقليد وحدود المقلد في نقد العلماء ومسألة الرؤية
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يفصل الشيخ أبو الفضل المصري معنى التقليد وأحكامه، ثم يجيب عن سؤال جوهري: هل يملك المقلد أن يرجح بين العلماء أو يخطئهم ويطعن فيهم؟ وينتقل من كلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما إلى مثال عقدي دقيق يبين دخول الخطأ في مسألة رؤية الله ضمن الاجتهاد المغفور عند عدم بلوغ الدليل أو وقوع التأويل.
التقليد الباطل المذموم
نقل عن ابن تيمية أن التقليد المذموم هو قبول قول الغير بلا حجة، كاتباع الآباء والعادات والسادة والكبراء لمجرد سلطانهم أو مكانتهم. وقد ذم القرآن من أعرض عن الوحي مكتفيًا بما وجد عليه آباءه أو بما أمره به رؤساؤه.
اتباع الرسول والإجماع
اتباع الرسول ﷺ وأهل الإجماع واجب؛ لأن الرسول معصوم والإجماع معصوم، فإن سمي هذا تقليدًا كان تقليدًا قائمًا على حجة، والأدق أنه اتباع للدليل لا التقليد المذموم الذي يقبل فيه القول بلا برهان.
متى يجوز تقليد العالم؟
يجوز للعامي أن يسأل العالم عند العجز عن معرفة الحكم، امتثالًا لقوله تعالى: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون». وعمله بقول العالم مبني على غلبة الظن بأنه أعلم بالشرع، كما يعمل بخبر الواحد والقياس المفيدين للظن الراجح.
بين إغلاق الاجتهاد وإيجابه على الجميع
يقف الناس في طرفين: طرف يوجب الاستدلال حتى في أدق مسائل الأصول والفروع على كل أحد، وطرف يغلق باب الاجتهاد ويحرم الاستدلال. والوسط أن الأصل اتباع الكتاب والسنة والإجماع، ويجوز التقليد حيث يعجز المرء عن النظر أو تضيق به أدواته ووقته.
المجتهد المصيب والمخطئ
إذا أريد بالخطأ الإثم، فكل مجتهد اتقى الله ما استطاع غير آثم؛ وإن أريد عدم إصابة الحكم، فالمصيب واحد وله أجران، والمخطئ المعذور له أجر واحد. قد يخفى على المجتهد دليل، أو يراه ضعيفًا، أو يفهمه على وجه يعارضه عنده دليل آخر.
الحجة ليست قول العالم
في مسائل النزاع لا يحتج بقول أحمد أو الشافعي أو غيرهما، وإنما الحجة النص والإجماع والدليل المستنبط منهما. أقوال العلماء يستدل لها بالأدلة الشرعية ولا تجعل هي حجة على الأدلة.
من هو المقلد؟
من تربى على مذهب وحفظ أقواله لكنه لا يحسن الأدلة، ولا يميز النص المتلقى بالقبول من قول العالم، ولا يحرر مواضع الإجماع والخلاف، ولا يجمع بين الحجج أو يرجح بينها؛ فهو ناقل يحكي قول غيره، لا مفتٍ يحكم بين الأقوال.
لا إنكار في الاجتهاد بمجرد التقليد
مسائل الاجتهاد لا ينكر فيها إلا ببيان الحجة وإيضاح المحجة. أما الإنكار القائم على مجرد أن الشيخ الفلاني قال، فهو فعل أهل الجهل والهوى؛ فلا يلزم المقلد غيره بمذهب من قلده.
ليس للمقلد ترجيح ولا تزييف
قرر ابن تيمية أنه لا يجوز ترجيح قول على قول أو التعصب لقائل بلا دليل، وأن المقلد ليس له أن يرجح أو يزيف أو يصوب أو يخطئ. ومن ملك علمًا وبيانًا عرض حجته، فقبل الحق ورد الباطل ووقف فيما لم يتبين له.
زلة الإمام لا تهدر إمامته
نقل عن ابن القيم أن الإمام الجليل صاحب القدم الصالحة قد تقع منه هفوة يكون معذورًا بل مأجورًا فيها لاجتهاده؛ فلا يتبع في الزلة، ولا تهدر مكانته وإمامته بسببها. ولو طرح كل من أخطأ لفسدت العلوم والصناعات والحكم.
اختصاص أهل كل فن
قد تتواتر عند القراء مسائل لا يعرفها غيرهم، وعند الفقهاء أقوال لا يدريها القراء، وعند المحدثين أحاديث لم تبلغ بعض الفقهاء. فإذا اتفق أئمة الجرح والتعديل على تعديل أو جرح تمسك باتفاقهم، وإن اختلفوا كان الترجيح لأهل العلم بأدواته.
المخطئ المجتهد مأجور
استشهد بكلام ابن حزم في أن من تحرى سبيل الله وطلب الحق ثم أخطأ لا يلحقه ذم أو إثم، بل يؤجر على نيته واجتهاده. وإنما الذم لمن يترك القرآن والسنة بعد قيام الحجة، ويتعصب لفلان، ويفرق المسلمين، ويرد النص إلى دعواه.
ثبوت رؤية المؤمنين لربهم
رؤية المؤمنين لله في الآخرة ثابتة بالقرآن والأحاديث المتواترة؛ منها قوله تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة»، وحديث الزيادة، وأحاديث رؤية المؤمنين ربهم كما يرون الشمس والقمر من غير تشبيه المرئي بالمرئي.
هل يعذر من لم تثبت عنده الرؤية؟
نقل عن ابن تيمية أن الخطأ المغفور يقع في المسائل الخبرية والعملية، وضرب مثالًا بمن اعتقد أن الله لا يرى مستدلًا بقوله: «لا تدركه الأبصار»، أو متأولًا آية النظر بمعنى انتظار الثواب، كما نقل عن مجاهد وأبي صالح. فالخطأ لا يخرج صاحبه من العذر إذا لم تبلغه الحجة أو ظن أن النص معارض بدليل آخر.
أمثلة من أخطاء السلف المعذورة
ذكر ابن تيمية اعتقاد بعضهم أن الذبيح إسحاق، ونفي شريح صفة العجب لتوهم لزوم الجهل، واعتقاد عمر نفاق حاطب، ووصف أسيد بن حضير سعد بن عبادة بالنفاق في حادثة الإفك، وتصحيح بعضهم حديث الطير وتفضيل علي به. أخطأ هؤلاء ولم تجعل أخطاؤهم هوية تلغي فضلهم.
أمثلة في القرآن والقدر
وقع لبعض السلف إنكار ألفاظ لم تثبت عندهم قبل استقرار تواتر المصحف، وأنكر بعضهم قراءة لم يعرفها، كما اختلفت طوائف في إرادة المعاصي بسبب اشتراك لفظ الإرادة بين المحبة والمشيئة. هذه الأمثلة تبين أثر عدم بلوغ النص أو خفاء معناه.
الجهل والتأويل من أسباب الخطأ
قد يكون الخطأ لجهل أو تأويل، وقد رفع الله المؤاخذة عن هذه الأمة في الخطأ والنسيان. فلا يصح أن يتحول المقلد العاجز عن إقامة الحجة إلى مكفر ومضلل ومزندق لأئمة سبقوه في العلم والفضل.
شروط الإفتاء عند الشافعي
لا يحل الإفتاء إلا لمن عرف كتاب الله وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومكيه ومدنيه، وأحاط بحديث الرسول ﷺ وعلومه، وبصر باللغة والشعر، وعرف اختلاف أهل الأمصار، واتصف بالإنصاف وقلة الكلام وامتلك قريحة النظر. من لم يبلغ ذلك يتكلم في العلم ولا يتصدر للفتوى.
ممن يؤخذ العلم؟
على المستفتي أن يسأل عمن يثق بدينه وأمانته ويعرفه أهل العلم بالطلب؛ فليس كل من ادعى العلم من أهله. ونقل عن مالك أنه لم يجلس للفتوى حتى شهد له ربيعة ويحيى بن سعيد، وعن السلف أن العلم يؤخذ ممن شهد له أهله.
الخلاصة
للتقليد مواضع محرمة وواجبة وجائزة، لكن الجائز منه لا يمنح المقلد رتبة الاجتهاد ولا حق إسقاط العلماء. الواجب أن يسأل الثقات، ويرد النزاع إلى الحجة، ويحفظ للمجتهد المعذور أجره ومكانته، ويفرق بين رد الخطأ وبين الطعن في صاحبه أو إخراجه من السنة والدين.
فيديوهات أُخرى
دمشقية بين تكفير السيوطي وإلزام محمد شمس بكلامه في اللفظية
