تعليق على مقال الدرر السنية: علماء الأشاعرة بين الغلاة والجفاة

الشيخ أبو الفضل المصري 29 أغسطس 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

الإنصاف يزن العالم بالشريعة: يثني على صوابه، ويرد خطأه، ويحفظ منزلته. والمقال الذي نشرته الدرر السنية رد الغلو في الأشاعرة إلى أربعة مزالق: خلط التكفير المطلق بالمعيّن، ومساواتهم بالجهمية المحضة، وتسوية التأويل بالإنكار، والجرأة على مخالفة الراسخين.

العدل مع البغض

أمر الله بالقسط حتى مع من يبغضه المرء. وجعل عمار بن ياسر الإنصاف من النفس خصلة من خصال تمام الإيمان؛ فلا يملك الهوى تغيير ميزان الأشخاص والطوائف.

كلمة الضلالة لا تسقط الحكيم

حذر معاذ من زلة تقع على لسان الحكيم، ثم نهى أن تبعد السامع عنه. تُرد الزلة، ويبقى العالم عالمًا ينتفع بصوابه ويعتذر له في خطئه.

لا يُسقط الحق لوجود الباطل

لا يرد صواب العالم لأن عنده خطأ، ولا يقبل خطؤه لأن عنده صوابًا. طرف يعصمه وآخر يزندق؛ والوسط نصرة الحق ورحمة صاحبه المجتهد.

الغلو الجديد لم يكن طريقة العلماء

عاش الأشاعرة في عصور ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب والألباني وابن باز وابن عثيمين، ولم يتعامل هؤلاء معهم بطريقة التكفير الجماعي التي ظهرت في فضاء الإنترنت.

جناية الغلاة في الأعيان

انتقلوا من تكفير الأشاعرة بإطلاق إلى تكفير النووي وابن حجر والغزالي وغيرهم، مع أن الأمة عرفت فضلهم في خدمة الحديث والفقه والتفسير والتصنيف.

فتح الباري وشرح مسلم

يكفي هذان الشرحان في بيان أثر الإمامين، ثم اجتمعت معهما غزارة العلم وحسن التصنيف وسعة الفهم ودوام النفع. استمر العلماء في قراءتهما وتعقبهما دون الاستغناء عنهما.

النووي وابن حجر لم يكونا متكلمين

نشآ في بيئة أشعرية وتأثرا ببعض تأويلاتها، لكن شغلهما كان السنة والفقه، وخالفا المتكلمين في مواضع. لذلك جمع العلماء بين بيان الخطأ والعذر والثناء.

القبول لا يمنع النقد

انتشرت مصنفاتهما بين طوائف المسلمين، وهي علامة خير، ومع ذلك علق ابن باز والبراك ومشهور حسن وآخرون على أخطائهما العقدية، ولم يجعلوا التعليق إذنًا للتبديع والتكفير.

المزلق الأول: خلط المطلق بالمعيّن

يقال إن قولًا كفر، ثم لا يكفر قائله حتى تثبت الشروط وتنتفي الموانع. أما قول ابن شمس إن من كفر الأشاعرة كفر النووي وابن حجر فيقفز من حكم الطائفة إلى العين بلا تحقيق.

المزلق الثاني: مساواة الأشاعرة بالجهمية

الجهمية الغلاة تنفي الأسماء والصفات، بينما الأشاعرة مثبتة في الجملة وعندهم تأويل لبعض الصفات. دخول نوع من التجهم لا يجعلهم جهمية محضة ولا يحمل إليهم جميع أحكام الغلاة.

المزلق الثالث: تسوية التأويل بالجحود

إنكار النص أو الصفة ليس كتفسيرها على وجه خاطئ بسبب شبهة. المتأول يثبت الأصل ويخطئ في المعنى، والمنكر يجحده؛ ولكل منهما حكم مختلف.

أحمد لم يكفر أعيان الجهمية

صلى خلف من دعوا إلى القول بخلق القرآن وامتحنوا الناس وعاقبوه، ورأى إمامتهم والدعاء لهم والحج والغزو معهم، مع إنكار قولهم الكفري وجهاد بدعتهم بحسب القدرة.

ترك الصلاة عليهم ليس تكفيرًا

قال أحمد إنه لا يشهد جنائز الجهمية والرافضة ويشهدها من شاء، على طريقة ترك النبي ﷺ الصلاة على المدين مع جواز صلاة غيره. لو كانوا كلهم كفارًا لما أجاز الصلاة عليهم.

استغفاره لمن عذبه دليل الحكم

دعا للخلفاء الذين ضربوه وحلّلهم من ظلمه. والاستغفار للكافر لا يجوز، ففعله دليل على أنه لم يكفر أعيانهم رغم وصف المقالة بالكفر.

سبب العذر عند أحمد

علم أنهم لم يتبين لهم تكذيب الرسول ولا جحد خبره، بل تأولوا وأخطؤوا وقلدوا. فرق بين رؤوس نفاق يعلمون باطنهم وبين مقلد أو متأول اشتبه عليه الأمر.

ابن تيمية يخاطب علماء الجهمية

قال لهم: لو وافقتكم لكنت كافرًا لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال. كان الخطاب لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم، لا لعوام بعيدين فقط.

اسم «جهمي» لا يعني دائمًا الكفر

وصف أحمد من أعاد ضمير حديث الصورة إلى آدم بأنه جهمي، مع أن ابن خزيمة قال بهذا التأويل وتبعه علماء، ولم ينسبه أحد إلى الجهمية المحضة أو الكفر.

الأشاعرة من أكثر الناس ردًا على الجهمية

ألفوا في نقضهم وبدعوهم وقرنوهم بالرافضة والخوارج والمعتزلة. تأثرهم ببعض أصولهم لا يجعل من يرد على الجهمية عين الجهمية.

المزلق الرابع: الجرأة على الراسخين

من لم يجمع النصوص ولا يعرف الشروط والموانع يخالف طبقات العلماء اعتمادًا على رأيه. هذا الاعتداد بالنفس هو الذي يحول مسألة علمية إلى إخراج أئمة الأمة من الإسلام.

تأصيل ابن تيمية في المتأول

المتأول الذي قصد متابعة الرسول لا يكفر ولا يفسق إذا اجتهد وأخطأ. تكفير المخطئ في العقائد ليس معروفًا عن الصحابة والتابعين والأئمة، بل هو أصل الخوارج والمعتزلة والجهمية.

مثال الرجل الذي شك في القدرة

أمر أبناءه أن يحرقوه ويذروه لئلا يقدر الله عليه، وهو اعتقاد كفري، لكن جهله وخوفه وإيمانه كان سبب مغفرته. فالمجتهد الحريص على اتباع الرسول أولى بالعذر.

الذهبي وابن القيم في زلة الإمام

لو بدع كل إمام بخطأ مغفور لم يسلم كبار المحدثين. والكبير الذي كثر صوابه وظهر ورعه لا تهدر إمامته بزلة، كما أن صاحب القدم الصالح في الإسلام لا يتبع في خطئه ولا يمحى أثره.

الخلاصة

المقال لم يميع خطأ الأشاعرة، بل أعاد الميزان السني: يرد التأويل، ويميزه عن الجحود، ويحفظ للأئمة خدمتهم، ويمنع تحويل العمومات إلى أحكام على الأعيان. هذا هو الإنصاف الذي جمعه العلماء بين علم الحق ورحمة الخلق.