مجلس تعليم وتأديب: دراسة أثر خلق الملائكة من نور الذراعين والصدر

الشيخ أبو الفضل المصري 15 يوليو 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يعرض الشيخ أبو الفضل المصري في هذا المجلس أصل كلامه الذي اجتزأه محمد شمس الدين، ثم يدرس أثر خلق الملائكة من نور الذراعين والصدر دراسة حديثية وعقدية موسعة. ويتتبع اختلاف ألفاظه وطرقه، وكلام أئمة الحديث والعقيدة فيه، وينتهي إلى أن الثابت هو حديث عائشة: أن الملائكة خلقت من نور، من غير تعيين لنوع ذلك النور.

من أين بدأ النزاع؟

اقتطع محمد جزءًا صغيرًا من الحلقة الثالثة في الرد على طعنه في الإمام أبي حنيفة، ونشره في تلغرام مقرونًا بالسب والشتم. وكان الكلام المقتطع إلزامًا بنص ابن قتيبة، لا حكمًا مستقلًا على أئمة السنة ولا اتهامًا لكل من روى الأثر بالزندقة.

الإلزام من كلام ابن قتيبة

استعمل محمد نصوص ابن قتيبة في الطعن في أبي حنيفة، مع أن ابن قتيبة نفسه عد روايات منها خلق الملائكة من زغب الصدر أو من نور الذراعين والصدر من الأحاديث المستشنعة المستحيلة التي أدخلها الزنادقة. فكان المقصود بيان اضطراب الاحتجاج الانتقائي بكلامه: يؤخذ منه ما يوافق الطعن في الإمام، ويترك حكمه على الأثر الذي يحتج به المتصدر.

ليس تكفيرًا للرواة والأئمة

لم يقل الشيخ إن كل من أخرج الخبر أو ذكره في كتاب صار زنديقًا، بل نقل عبارة ابن قتيبة وحاكم بها طريقة محمد نفسه. ووجود رواية في كتاب من كتب السنة لا يعني أن مؤلفه صححها، ولا أنه تبنى كل ما قد يوهمه ظاهر متنها.

جواب محمد شمس الدين

فرق محمد بين لفظ «زغب الصدر» الذي لا إسناد له عنده، ولفظ «نور الذراعين والصدر» الذي صححه إلى عبد الله بن عمرو. ثم حمل النور على نور الحجاب الموازي للذراعين والصدر، لا على نور ذات الله، واستعمل الأثر في الوقت نفسه لإثبات الذراعين والصدر صفتين لله تعالى.

أسئلة يثيرها هذا التأويل

إذا كان ظاهر الأثر مستقيمًا فلماذا احتاج إلى هذا التأويل المفصل؟ وهل ثبت أن عبد الله بن عمرو أراد نور الحجاب بهذا التركيب؟ ثم كيف تستخرج منه صفات إلهية، بينما يصرف معنى خلق الملائكة من ذلك النور عن ظاهره؟ فالتفسير المقترح لا يثبت من لفظ الأثر ولا من قائله.

نص ابن قتيبة

جمع ابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث» أخبارًا مستشنعة، منها خلق الله من عرق الخيل، وزيارة الملائكة، والقفص الذهبي، وزغب الصدر، ونور الذراعين، ثم نسب إدخالها إلى الزنادقة. وتعدد الألفاظ لا يجعل كل صيغة أصلًا عقديًا مستقلًا؛ فهي عائلة واحدة من الروايات الدائرة حول تعيين مادة خلق الملائكة بعبارات زائدة على الحديث الصحيح.

ابن البنا الحنبلي

ذكر في «المختار في أصول السنة» أن الزنادقة وضعت أحاديث منها خلق الله نفسه من عرق الخيل، وخلق الملائكة من زغب الذراعين ونور الصدر. وقرر أن الله حمى المسلمين من اعتقاد هذه الأقوال، مما يبين أن نقد هذا المتن لم يكن موقفًا حادثًا.

المادة الصحيحة في الباب

الثابت في صحيح مسلم من حديث عائشة أن الملائكة خلقت من نور، والجان من مارج من نار، وآدم مما وصف للناس. لم يعين الحديث نور العزة أو الحجاب أو الذراعين والصدر، ولذلك يجب التفريق بين أصل الخلق من نور وبين الزيادات التي تحتاج إلى أسانيد مستقلة صحيحة.

طرق الأثر وألفاظه

دارت الروايات على هشام بن عروة بألفاظ مختلفة: منها خلق الملائكة من نور الذراعين والصدر، ومنها من نور من غير هذه الزيادة، ومنها ذكر أعداد الملائكة الهائلة دون ذكر النور أصلًا. واختلف اللفظ حتى في الرواية عن بعض الرواة أنفسهم، مما يجعل تحرير المحفوظ أصل المسألة.

رواية أبي أسامة

جاءت عنه صيغة تذكر نور الذراعين والصدر، وجاءت صيغ أخرى في الباب بعبارات أقصر. ومجرد ثقة الرواة لا يمنع وقوع الاختلاف في المتن، بل وظيفة الناقد جمع الطرق ومعرفة من حفظ الزيادة ومن وهم فيها.

أبو خالد الأحمر والإشارة إلى الصدر

ورد عنه لفظ «من نور»، وفي بعض النقل أشار الراوي إلى صدره. وهذه الإشارة لا تكفي وحدها لإثبات الصيغة الطويلة بكل ما فيها، ولا ترفع التعارض مع الطرق التي اقتصرت على النور أو العدد.

طريق ابن إسحاق وأبي معاوية

جاءت عن ابن إسحاق روايات فيها النور أو عدد الملائكة من غير ذكر الذراعين والصدر، وروى أبو معاوية خبر العدد وحده. وتكشف هذه الصور أن الجملة محل النزاع لم تستقر في جميع الطرق.

هل وقع الاضطراب من هشام بن عروة؟

هشام إمام ثقة حجة، لكن نقادًا لاحظوا أن رواية أهل المدينة عنه أحسن من رواية أهل العراق، وأنه حدث بالعراق من حفظه بعد أن لم تكن كتبه معه، فوقع في بعض حديثه اختلاف ووهم. وكون الراوي إمامًا لا يجعله معصومًا من خطأ محدود يبينه جمع الطرق.

روايته في العراق

نقل عن أحمد أن رواية أهل المدينة عن هشام أصح، وقال يعقوب بن شيبة إنه مع تثبته جاء عنه بعض الاختلاف فيما حدث بالعراق خاصة. وفسر ابن رجب ذلك بأن كتبه لم تكن معه ليرجع إليها، كما ذكر النقاد إنكار أهل بلده بعض توسعه في الرواية بعد قدومه العراق.

التدليس أم الوهم؟

وصف بعض المصنفين هشامًا بقلة التدليس، ودافع آخرون عنه وحملوا ما وقع على اختصار السند بعد سبق بيانه. ورجحت الحلقة أن علة اختلاف ألفاظ هذا الخبر أقرب إلى الوهم في الرواية العراقية من تعليق القضية كلها بالتدليس.

مثال على وهمه

عرضت دراسة منهج أحمد في العلل مثالًا خالف فيه هشام أصحاب محمد بن سيرين في عدد التكبيرات في سجود السهو، فنبه أحمد إلى خطئه وقدم رواية الجماعة. والمقصود إثبات إمكان الوهم منه في رواية بعينها، لا إسقاط إمامته أو الطعن في عدالته.

حكم البيهقي

قال البيهقي إن الطريق الذي فيه رجل غير مسمى منقطع، وبلغه طريق هشام عن أبيه عن عبد الله بن عمرو. ثم قال: إن صح، فعبد الله بن عمرو كان ينظر في كتب الأوائل، وما لم يرفعه إلى النبي يحتمل أن يكون مما وجده فيها.

احتمال أسماء المخلوقات

ذكر البيهقي وابن الجوزي احتمال أن يكون الصدر والذراعان اسمين لبعض المخلوقات، كما سميت بعض النجوم بأسماء من هذا الجنس. فهذا تأويل آخر يبعد اللفظ عن إثبات أعضاء إلهية أو جعل المخلوق جزءًا منفصلًا من ذات الخالق.

عبد الله بن عمرو والإسرائيليات

ثبت عند العلماء أن عبد الله بن عمرو أصاب يوم اليرموك كتبًا من كتب أهل الكتاب وكان يحدث منها في دائرة الإذن بالحكاية. وقرر ابن تيمية أن الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فلا يلزم من رواية الصحابي لها قبولها أصلًا في صفات الله.

لا اتهام للصحابة

نسبة خبر إلى الإسرائيليات لا تتضمن طعنًا في الصحابي؛ فالقاعدة أن ما وافق شرعنا صدق، وما خالفه رد، وما سكت عنه الشرع جازت حكايته من غير أن يبنى عليه اعتقاد. لذلك لا حرج في الرواية، وإنما الحرج في تحويل الموقوف المحتمل إلى أصل في الصفات.

ابن الجوزي ونقد المتن

قال إن الخبر لا يثبت عن عبد الله بن عمرو، وإن صح فلعله أخذه عن أهل الكتاب. واعترض على حمله على ظاهره لأن المخلوق لا ينشأ جزءًا منفصلًا من صفة قديمة، ورأى أن هذا المعنى يفضي إلى قول أشد قبحًا من دعوى النصارى في المسيح.

أبو يعلى لا يثبت الخلق من الذات

أثبت أبو يعلى الذراعين والصدر صفتين في مناقشته للخبر، لكنه نفى أن يكون خلق الملائكة من نور الله على معنى انفصال جزء من الذات. وحمل الإضافة على التشريف، كإضافة خلق آدم باليد، لأن النور القديم لا يتجزأ فيصير بعضه مخلوقًا.

لماذا لا يصح الاستدلال بأبي يعلى كاملًا؟

من استشهد بإثبات أبي يعلى للصفات لزمه أن ينقل قيده العقدي أيضًا: الملائكة لم تخلق من جزء من نور الذات. فاختيار صدر كلامه وترك دفعه للمعنى الحرفي لا يمثل موقفه.

ابن المحب الصامت

جمع في «صفات رب العالمين» كلام ابن الجوزي وأبي يعلى وغيرهما، وقارن ظاهر الخبر بأقوال الفيض التي تجعل المخلوقات صادرة من الذات. وقرر أن السلامة في التمسك بالحديث الصحيح: الملائكة من نور، والإنسان من تراب، والجان من نار.

إشكالات الخلق من النور القديم

لو كانت الملائكة مخلوقة من النور الأزلي على معنى الجزء والانفصال للزم ما ينافي عبوديتها وكونها مخلوقة، ولأشكل تفضيل آدم عليها. ولهذا رفض العلماء بناء الاعتقاد على هذا الظاهر، وإن اختلفوا في تأويل اللفظ أو تضعيفه.

الألباني

ذكر تحت الحديث الصحيح في «السلسلة الصحيحة» آثار عكرمة في نور العزة، وعبد الله بن عمرو في نور الذراعين والصدر، وقرر أنها من الإسرائيليات التي لا يصح قبولها لأنها لم ترفع إلى النبي.

تحقيق «السنة» لعبد الله بن أحمد

نبه الباحث في الرسالة التي أشرف عليها محمد سعيد القحطاني وعبد الرزاق عفيفي إلى وجود روايات ضعيفة في الكتاب تخالف أسانيدها أو متونها معتقد السلف، وجعل من أمثلتها خبر نور الذراعين والصدر. وقرر أن وجود النص في المصنف لا يجعله حجة في العقيدة.

حكم المحقق على الإسناد والمتن

ذكر الانقطاع في بعض طرق أبي صالح، وأعل طريق ابن عمرو بتدليس هشام ونكارة المتن وتدخله في كيفية الصفة. كما احتوى الكتاب نفسه على ألفاظ أخرى مثل نور العزة، فلو كان مجرد الإخراج تبنيًا للمتن للزم الجمع بين صيغ لا تثبت.

تحقيق كتاب «العظمة»

نقل المحقق كلام البيهقي، ثم قال إن الخبر وإن ثبت إلى عبد الله بن عمرو لا يحتج به في العقيدة، وإنه لم يصح عن النبي ذكر الصدر والذراعين لله تعالى. والواجب الوقوف عند النصوص الثابتة من غير زيادة ولا نقص.

تحقيق «الرد على الجهمية»

أشار المحقق علي الفقيهي إلى أن الأثر موقوف على عبد الله بن عمرو، وأن البيهقي عده محتملًا للإسرائيليات. فدراسة الخبر في كتب العقيدة وتحقيقات المتخصصين لم تنته إلى اتخاذه أصلًا لإثبات صفات جديدة.

عالم الملائكة الأبرار

قرر عمر الأشقر أن الرسول لم يبين أي نور خلقت منه الملائكة، فلا يجوز مزيد التحديد في الغيب. وما روي عن عكرمة في نور العزة وعن ابن عمرو في نور الذراعين والصدر لا يؤخذ به، وعلى فرض ثبوته عنهما فهما غير معصومين ولعله من الإسرائيليات.

دراسة آراء ابن حجر الهيتمي

نقدت الدراسة قوله في مادة خلق الملائكة، ثم أكدت أن الثابت هو مطلق النور، وأن ما ورد عن بعض السلف في تعيينه لم يصح. فالرد على المخالف لا يسوغ الانتقال إلى خبر ضعيف آخر، بل المرجع هو النص النبوي الصحيح.

الملائكة الكرام بين أهل السنة والمخالفين

قرر فهد الساعدي أن النصوص لم تفصل مادة خلق الملائكة، وأن أصح ما ورد حديث عائشة. والنور الذي خلقت منه الملائكة مخلوق من مخلوقات الله، كما خلق آدم من طين والجان من نار.

معتقد الفرق في الملائكة المقربين

بينت الدراسة أن أثر ابن عمرو لا يصح الاحتجاج به في العقائد، ورجحت أن عبارة «نور الذراعين والصدر» أدخلت في أصل الخبر. واستندت إلى مخالفتها للحديث الصحيح، وبشاعة بعض ألفاظها، وثبوت رواية عن ابن عمرو من غير هذه الزيادة.

الزيادة الشاذة

جاء أصل الخبر بلفظ مطلق يوافق حديث عائشة، وجاءت الزيادة المختلف فيها في بعض الطرق. لذلك رجحت الدراسة شذوذ تعيين الذراعين والصدر لمخالفته ما هو أصح وأثبت.

رواية نور الحجاب

ورد خبر عن يهود خيبر يذكر خلق الملائكة من نور الحجاب، وفي إسناده أبان بن أبي عياش وهو متروك. وثبوت أن حجاب الله نور في حديث صحيح لا يثبت أن الملائكة خلقت من ذلك النور؛ فكل دعوى غيبية تحتاج دليلها الخاص.

رواية نور العزة

جاء عن عكرمة أن الملائكة خلقت من نور العزة وإبليس من نار العزة، لكن الرواية ضعيفة ولا يعلم المراد بهذا التعيين. فلا تستخدم لإكمال فراغ تركه النص الصحيح مطلقًا.

رواية روح الله

روي عن يزيد بن رومان بلاغ منقطع أن الملائكة خلقت من روح الله، وهو ضعيف. ولو صح حملت الإضافة على إضافة المخلوق إلى خالقه، كقوله تعالى في الروح المنفوخة في آدم، لا على أن جزءًا من ذات الله صار مخلوقًا.

النتيجة الحديثية

الأثر الموقوف مختلف في ثبوته، وطرقه مضطربة في اللفظ، وزيادة الذراعين والصدر لم تحفظ في جميع الروايات، ونقاد معتبرون أعلوها أو جعلوها من الإسرائيليات. فلا تصلح لتأسيس اعتقاد ولا لإثبات صفة لم ترد في نص صحيح مرفوع.

النتيجة العقدية

الملائكة مخلوقة من نور مخلوق، أما نوع ذلك النور وكيفيته فلم يثبت فيهما نص. وما زاد على حديث عائشة من نور الحجاب أو العزة أو الذراعين والصدر لا يعمل به ولا يعتقد، والوقوف عند الخبر الصحيح أسلم وأعلم.

درس في التعامل مع كتب السنة

كتب الرواية تجمع الصحيح والضعيف، والمرفوع والموقوف، وما يذكر للنقد أو المتابعة. فلا يجوز تحويل كل أثر مدون إلى عقيدة مؤلفه، ولا اتهام من يعل المتن بأنه يطعن في المصنف أو الراوي.

درس في أدب الرد

ختم الشيخ برسالة إلى محمد شمس الدين وعبد الرحمن دمشقية وعبد الله الخليفي: القرآن يأمر بالجدال بالتي هي أحسن حتى مع المخالف، وللمناظرة آداب قررها العلماء. والسب والاستهزاء والاجتزاء لا يجيبان عن الأدلة ولا يصنعان تحقيقًا.

الخلاصة

لم يكن الكلام المقتطع تكفيرًا لأئمة السنة، بل إلزامًا لمحمد بنص ابن قتيبة الذي يحتج به. وبعد جمع الطرق والنقول ظهر أن الثابت مرفوعًا هو خلق الملائكة من نور فحسب، وأن تعيين الذراعين والصدر مختلف في إسناده ولفظه، ومحتمل للإسرائيليات، وقد رفض المحققون الاحتجاج به في العقائد. فالواجب إثبات ما أثبته النص الصحيح، والكف عما لم يثبت، ومناقشة المخالف بعلم وأدب.