نقد الحلقة الثانية لمحمد شمس الدين في الطعن في الإمام أبي حنيفة

الشيخ أبو الفضل المصري 6 يوليو 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

ينقد الشيخ أبو الفضل المصري الحلقة الثانية لمحمد شمس الدين عن الإمام أبي حنيفة، ويبين أن جمع المثالب من عشرات الكتب ليس بحثًا علميًا ما لم تجمع روايات المدح والقدح، وتحرر أسانيدها وأسبابها، وتقرأ في ضوء تطبيقات الأئمة. ثم يثبت اختلاف المتقدمين في الإمام وانعقاد كلمة المتأخرين على إمامته والترضي عنه.

رد الغلو لا يكون بغلو مقابل

وجود متعصبين لأبي حنيفة يطعنون في السلف لا يبرر الطعن في الإمام. وقد رد المعلمي اليماني على تعصب الكوثري في «التنكيل» مع حفظ منزلة أبي حنيفة، فالمطلوب رد البدعة بعلم وأدب، لا استبدال تعصب بتعصب.

ما المنهج العلمي في هذه القضية؟

تجمع أقوال كل إمام في أبي حنيفة، وتدرس أسانيدها، ثم تصنف بحسب موضوعها: الرواية، والرأي، والإرجاء، وخلق القرآن، والتوبة. وبعد تحرير مذهب كل ناقد تجمع المواقف كلها لمعرفة مواضع الاتفاق والخلاف.

جمع النقول ليس تحقيقًا

المرور على سبعين كتابًا وانتزاع صفحات الطعن منها يكرر المادة ولا يحررها. وطريقة «القمش» مرحلة أولى في البحث، يتلوها الفرز والنقد والجمع والترجيح؛ ومن توقف عند الجمع صنع ملف اتهام لا دراسة علمية.

وظيفة كتب المتأخرين

جمع المزي في «تهذيب الكمال» أقوال المتقدمين، ثم لخص الذهبي وابن حجر نتائج النقد في «الكاشف» و«التقريب». وكتب السلف نفسها وصلت برواية العلماء اللاحقين؛ فالطعن في أمانة المتأخرين يسقط الثقة بنقلهم للكتب التي يحتج بها المتصدر.

حذف كلام المحقق

كان محمد يذكر من تعليق المحقق قوله: إسناده صحيح، ثم يترك ترحمه على أبي حنيفة ودفاعه عنه. والأمانة لا تجيز استعمال تصحيح الناقد حين يخدم الجرح وإسقاط توجيهه حين يحفظ حق الإمام.

هل أجمع المتقدمون على الطعن؟

لم يقع إجماع اصطلاحي. وعبارة ابن أبي داود في «إجماع» رجال من أمصار متعددة لا تعني استيعاب علماء الإسلام، وقد سبقه أئمة أثنوا على أبي حنيفة، وخالفه أبوه أبو داود وتلميذه ابن شاهين.

كيف يخرق الإجماع المدعى؟

يكفي ثبوت مدح إمام معتبر سابق على الدعوى. وقد ورد الثناء من علماء العراق والحجاز والمغرب وغيرهم، فتعين الجمع بينه وبين الجرح وتفسير أسباب كل قول، بدل دعوى أن جهة واحدة تمثل السلف جميعًا.

أبو حنيفة في الحديث

جماهير المحدثين على تضعيف حفظه، ووثقه بعض النقاد. وفسر الذهبي ذلك بأن همته انصرفت إلى القرآن والفقه لا ضبط الأسانيد، كما لين حديث أئمة في القراءة والزهد والنحو لانشغالهم بفنونهم، لا لفساد عدالتهم.

أبو حنيفة في الفقه والرأي

أنكر محدثون توسعه في القياس، بينما قبل آخرون فقهه واستحسنوا من رأيه. ولا يعني المدح قبول كل اجتهاده؛ بل يثبت أن الخلاف لم يكن حكمًا بإسقاطه من العلم والدين.

إرجاء الفقهاء

قول الإمام في مسمى الإيمان خطأ عند جمهور السلف، لكنه إرجاء الفقهاء الذي لا يخرجه من أهل السنة، وقد فصلته الحلقة السابقة. فلا يجوز تحويل جرح المقالة إلى تجهم أو زندقة أو إسقاط للإمامة.

القول بخلق القرآن

جماعة من أهل السنة لم يثبتوه عنه، وجماعة أثبتت القول ثم أثبتت توبته. وفي كلا الطريقين لا يصح تصويره على أنه مات مصرًا على التجهم، ولا إهمال نصوص رجوعه وردوده على الجهمية.

ابن شاهين يثبت الخلاف

ذكر أبا حنيفة في «تاريخ أسماء الثقات» ضمن من اختلف العلماء فيه، وساق التعديل والجرح، ثم قال في موضع آخر إن أبا يوسف أوثق منه في الحديث، بما يثبت أصل التوثيق مع تفاوت الدرجة.

دراسة أصول الدين عند أبي حنيفة

نقلت عن النقاد فريقًا قبل حديثه وجعله حجة، منهم يحيى بن معين وعلي بن المديني وشعبة، وفريقًا ضعفه لكثرة الغلط. وخلصت إلى أن ضعف الضبط لا يعني الكذب، فقد كان الإمام أنبل من أن يتعمده.

أبو داود يخالف دعوى ابنه

صح عنه قوله: «رحم الله مالكًا كان إمامًا، ورحم الله الشافعي كان إمامًا، ورحم الله أبا حنيفة كان إمامًا». فإذا كان أبو ابن أبي داود يثبت إمامة الرجل، استحال حمل كلام الابن على إجماع لا مخالف له.

تاريخ بغداد يجمع الطرفين

وردت فيه أسانيد في الجرح وأسانيد كثيرة في المدح. ومن اعتمد تصحيح بشار عواد لروايات الطعن لزمه اعتماد تصحيحه للروايات المقابلة، ولا يجوز جعله حجة عند المثالب ثم الطعن فيه عند المناقب.

خلاصة ابن حجر والذهبي

قال ابن حجر: «النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة الإمام، فقيه مشهور»، ولم يثبت له درجة توثيق في الحديث لمخالفة الجمهور. وذكر الذهبي شيوخه وتلاميذه وإمامته، مع بقاء التحفظ الحديثي. فهذه الخلاصة تفرق بين فقهه وروايته.

العجلي يوثقه

أدخله العجلي المتوفى سنة 261هـ في «معرفة الثقات» ووصفه بالثقة. فهو ناقد متقدم سابق على دعوى الإجماع، وشهادته وحدها تثبت أن مواقف عصر الرواية لم تكن قولًا واحدًا.

يحيى بن معين ويحيى القطان

فضل ابن معين النظر في رأي أبي حنيفة على رأي الشافعي في نص من سؤالاته، ونقل عن يحيى القطان قوله إنه قد يبلغه من رأي أبي حنيفة ما يستحسنه فيأخذ به. وشهادة إمامين من كبار النقد تمنع اختزال الموقف في الذم.

عقيدته في كتب السنة

أورد اللالكائي أقوال أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ضمن «أقاويل جماعة من أتباع التابعين من الفقهاء المشهورين» في أصول اعتقاد أهل السنة، وساق ردودهم على الجهمية والقائلين بخلق القرآن.

السمعاني يصفه بإمام العراق

قال إنه صاحب الرأي، وإمام أصحابه، وفقيه أهل العراق، وذكر شيوخه وتلاميذه، وامتناعه عن القضاء حتى ضرب، واجتهاده في العلم حتى حصل له ما لم يحصل لغيره. ونقل ثناء المنصور ومسعر والفضيل بن عياض على فقهه وورعه وقياسه.

ابن عبد البر ينتقد تجاوز المحدثين

قال إن بعض أصحاب الحديث أفرط في ذمه لتقديمه القياس، ثم قرر أن كل إمام رد سنة بتأويل يراه سائغًا، وأن أحدًا من علماء الأمة لا يثبت حديثًا عن النبي ثم يرده بلا حجة؛ ولو فعل لسقطت عدالته ولم يتخذ إمامًا.

الذين وثقوه أكثر

نقل أن من روى عنه ووثقه وأثنى عليه أكثر ممن تكلم فيه، وأن أكثر عيب المحدثين انصب على الرأي والإرجاء. وشبه تباين الناس فيه بما يقع للأعلام الذين يهلك فيهم محب مفرط ومبغض مفرط.

قاعدة ابن عبد البر في جرح الأئمة

من قبل مطلق كلام الأئمة بعضهم في بعض لزمه قبول ما روي من الصحابة والتابعين في نظرائهم، فيضل. والصواب ألا يقبل جرح بلا برهان فيمن ثبتت عدالته وعنايته بالعلم وغلب خيره، وأن يقرأ المرء فضائل الأئمة ومناقبهم لا هفوات الخصومة وحدها.

من حُرم التوفيق

قال إن من لم يحفظ من أخبار العلماء إلا ما بدر من بعضهم في بعض، وترك فضائلهم ومناقبهم، حرم التوفيق ودخل في الغيبة وحاد عن الطريق. وهذه العبارة تصف خطر مشروع يجمع المثالب وحدها.

شعبة يكاتب أبا حنيفة

جاء في كتاب العلل أن شعبة كتب إلى أبي حنيفة ليحدث أبا قطن، وكان حسن الرأي فيه. فمكاتبة إمام الحديث له معاملة عالم لقرينه، وهي في المصدر نفسه الذي انتزعت منه روايات القدح.

أحمد يروي عن أبي حنيفة

روى عبد الله في «العلل» عن أبيه طريقًا يمر برجل سماه عبد القدوس، وهو أبو حنيفة، عن حماد في فضل تعليم العلم. والرواية عنه لا تساوي توثيقًا مطلقًا، لكنها تبطل تصوير أحمد على أنه هجر كل ما يتصل به.

سفيان الثوري تابع رأيه أحيانًا

في أثر عتاب ابن عيينة للثوري على الفتوى بالرأي إشارة إلى أن الثوري أفتى في بعض المواطن كما يفتي أبو حنيفة، ومن المشهور توافق رأيهما في مسائل، مع بقاء الاختلاف بين منهج المحدثين وأهل الرأي.

أحمد يبكي ويترحم عليه

ورد في تاريخ بغداد أن أحمد إذا ذكر ضرب أبي حنيفة لإجباره على القضاء بكى وترحم عليه، وذكر الخبر أصحاب مناقبه والنووي وابن خلكان والعليمي وصديق حسن خان وغيرهم. وهذه دلالة عملية على احترامه وديانته.

أحمد ينفي ثبوت خلق القرآن عنه

صح عنه: «لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول القرآن مخلوقًا». وجاء عن سفيان الثوري والنعمان أنهما يقولان القرآن كلام الله غير مخلوق، وعن أبي سليمان الجوزجاني والمعلى بن منصور أن بشرًا المريسي وابن أبي دؤاد هما من شانا أصحاب أبي حنيفة بهذه المقالة.

ابن مهدي يثني على النظر في رأيه

روى عبد الله بسند صحيح عن عبد الرحمن بن مهدي: «من حسن علم الرجل أن ينظر في رأي أبي حنيفة». فالتحذير من خطئه لا يلغي الفائدة العلمية في فقهه.

المقاتلية في الكتاب نفسه

ورد بسند حسن عن أبي يوسف أن أشر صنفين بخراسان الجهمية والمقاتلية، وفسر المحقق المقاتلية بأتباع مقاتل بن سليمان ونقل اتهامه بالتشبيه. ومع ذلك يستميت الخليفي في تبرئة مقاتل ويشدد في أبي حنيفة، وهو تفاوت لا يفسره معيار واحد.

لماذا تصدر كلمات شديدة من بعض الأئمة؟

فسر المعلمي كلام ابن عيينة بأن العالم قد يطلق كلمة منفرة في فاضل حين يرى العامة تتبعه فيما لا يسوغ لهم، لا لأنه يسقط فضله كله. وهذا باب مهم في فهم كلام الأقران والمتشددين.

ابن تيمية: القدح في الإمام قدح في الأمة

في مسألة الحيل نفى صحة نسبتها إلى أبي حنيفة وأصحابه، وقال إن نسبة الإمام إليها قدح في إمامته، ومن ثم قدح في الأمة التي ائتمت بمن لا يصلح. ولا يجوز حمل ما نسب إليه على الكفر والفسق من غير توبة أو تأويل صحيح.

المعلم يوصي بسدل الستار

قال إن الحكمة اتباع ما مضى عليه أهل العلم نحو سبعمئة سنة من سدل الستار على الأحوال القديمة وتقارض الثناء، وأن يكتفي الحنفية بالتألم من الحكايات غير الصحيحة دون الطعن في الخطيب والرواة. ومن أبى إلا بعثرة القبور فعليه تحري الحق.

مثال قراءة حمزة

كره جماعة من السلف قراءة حمزة، واشتد يزيد بن هارون وابن مهدي فيها، وكره أحمد الصلاة خلف من يقرأ بها. ثم قال الذهبي إن الإجماع انعقد بعد ذلك على تلقي قراءته بالقبول والإنكار على من تكلم فيها. فاختلاف المتقدمين لا يمنع استقرار كلمة الأمة لاحقًا.

القياس على أبي حنيفة

كما استقر قبول قراءة حمزة بعد النزاع، استقرت كلمة العلماء من عصر الطحاوي وما بعده على إمامة أبي حنيفة والترضي عنه، مع حفظ النقد العلمي لأخطائه. فلا يجوز إحياء العبارات القديمة كأن القرون اللاحقة لم تفهمها.

الخلاصة

لم يجمع السلف على إسقاط أبي حنيفة؛ بل وثقه ومدحه وروى عنه أئمة، وضعف حفظه وأنكر رأيه آخرون. وجمع المحققون الطرفين، فحفظوا إمامته في الفقه والدين، وردوا أخطاءه، وأثبتوا توبته أو براءته من المقالات الغليظة. أما مشروع انتقاء المثالب فيخالف التحقيق التاريخي وما استقر عليه أهل السنة من الثناء والترضي.