هل إرجاء الفقهاء بدعة؟ وهل مرجئة الفقهاء من أهل السنة؟

الشيخ أبو الفضل المصري 14 يوليو 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يحرر الشيخ أبو الفضل المصري منزلة مرجئة الفقهاء: قولهم في الإيمان خطأ وبدعة من أخف البدع، لكنه لا يخرج أئمتهم من أهل السنة. ويجمع نصوص ابن تيمية والذهبي وابن أبي العز والفوزان والراجحي وغيرهم، ثم يفسر شدة السلف في إنكار الإرجاء مع بقائهم على إمامة أبي حنيفة وحماد بن أبي سليمان وسائر فقهاء الكوفة.

النص الحاكم عند ابن تيمية

قرر ابن تيمية أن المرجئة ليسوا من أصحاب البدع المعضلة، وأن طوائف من أهل الفقه والعبادة دخلوا في قولهم «وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة» حتى ظهرت أقوال أغلظ. فالأصل الذي ينطلق منه البحث هو الجمع بين خطأ المقالة وبقاء أصحابها في السنة.

أكثر النزاع لفظي

قال إن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة لفظي؛ لأن حماد بن أبي سليمان ومن اتبعه متفقون مع علماء السنة على دخول أصحاب الذنوب تحت الذم والوعيد، وعلى وجوب الفرائض وعقوبة تاركها، وخروج الموحدين من النار بالشفاعة.

بدعة أقوال وأفعال لا بدعة عقائد

دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولم يكفر السلف أحدًا منهم، بل جعلوا خطأهم من بدع الأقوال والأفعال لا من البدع العقدية التي تخرج صاحبها من السنة. واللفظ الموافق للكتاب والسنة هو الصواب مع خفة المخالفة.

حماد بن أبي سليمان

وصف أبو إسحاق حمادًا بأخي المرجئة، ونقل معمر أنه تحول إلى الإرجاء. ومع ذلك قال حماد: أن أكون تابعًا في الحق خير من أن أكون رأسًا في الباطل، وبقي عند أهل العلم إمامًا من أهل الفقه والدين.

الذهبي: النزاع لفظي

فسر الذهبي إرجاء حماد بأنه إخراج الصلاة والزكاة من مسمى الإيمان، مع القول بأن الإيمان إقرار باللسان ويقين بالقلب، وقال إن النزاع على هذا لفظي. أما الغلو فهو القول بأن ترك الفرائض لا يضر مع التوحيد.

حد الانحراف المكفر

إذا أقر القائل بوقوع الذم والعقاب على تارك العمل، صار الخلاف في إدخال العمل في الاسم أو جعله لازمًا للإيمان قريبًا ولفظيًا. أما القول إن الله لم يرد الفرائض، وإن تركها لا يضر، فهو كفر صريح من جنس غلو الجهمية.

مصعر بن كدام

وصف الذهبي مصعرًا بأنه حجة إمام، ولم يعبأ بجرحه لمجرد الإرجاء، ثم قال إن الإرجاء مذهب لعدة من جلة العلماء فلا ينبغي التحامل على قائله. وهذا لا يبرئ المقالة، بل يمنع تحويلها إلى هدم لأئمة عرفت ديانتهم.

التحقيقات العقدية المعاصرة

قرر محمد سعيد القحطاني في تحقيق «السنة» بإشراف عبد الرزاق عفيفي أن المنسوب إلى أبي حنيفة هو إرجاء الفقهاء لا إرجاء الفرقة الغالية. وقرر محمد بن عبد الرحمن الخميس المعنى نفسه في دراسة أصول الدين عند أبي حنيفة بإشراف عبد العزيز الراجحي.

جواب صالح الفوزان

سئل هل يخرج الخلاف مرجئة الفقهاء من أهل السنة فقال: لا، ولذلك يسمون مرجئة السنة أو مرجئة أهل السنة، لكن قولهم إن العمل لا يدخل في الإيمان خطأ. وفي موضع آخر جعل التصديق بالقلب والنطق باللسان قولًا قد قال به بعض أهل السنة، مع بقاء الجمهور على أن الإيمان قول واعتقاد وعمل.

أبو حنيفة عند الفوزان

فسر الطعن القديم فيه بتوسعه في القياس، ثم وصفه بالإمام الجليل في العلم والعقيدة والدين، وأكد أنه من أئمة أهل السنة والجماعة. ورفض إثارة الحكايات القديمة بعد استقرار منزلته عند الأمة.

لماذا لا تنشر حكايات الطعن؟

قرر ابن تيمية أن القدح في إمامة أبي حنيفة قدح في الأمة التي ائتمت به. ودعا المعلمي اليماني إلى اتباع ما مضى عليه أهل العلم قرونًا من سدل الستار على الحكايات، وتقارض الثناء، والاقتصار على رد ما لا يصح بلا نبش للقبور وإحياء العصبيات.

هل ندرس الطحاوية؟

جاء في جواب أحد العلماء أن أبا حنيفة لا يحمل الإرجاء المذموم الذي يخرج عن السنة، وإنما عنده شيء يسير لا يمنع دراسة عقيدته ولا ينقص إمامته. فوجود الخطأ في باب الإيمان لا يلغي اعتماد ما وافق فيه أصول السنة.

سبب شدة السلف

اشتدوا في إنكار القول سدًا لذريعة الغلو؛ فالخطأ اللفظي قد يفتح باب التهاون بالأعمال ثم ينتهي إلى قول الجهمية. ومثله تشديد أحمد على الواقفة بعد محنة خلق القرآن، لأن السكوت صار ستارًا يتخفى وراءه من يقول بالخلق، لا لأن كل ساكت يحمل عقيدة جهم.

الإنكار على الألباني نموذجًا

فهم بعض العلماء من كلمات للألباني موافقة المرجئة، فاشتدوا في رد القول ولم يبدعوه ولم يخرجوه من السنة. ورأى آخرون أن كلامه المفصل يبرئه. وهذا مثال معاصر على الفرق بين حماية الأصل العقدي والحكم على إمام معين.

كتاب «براءة أهل الحديث والسنة»

نقل أتباع الخليفي منه آثار الشدة وتركوا ما فيه من ثناء العلماء على أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ووصفهم بالأئمة. والكتاب نفسه قدمه عبد الرحمن المحمود الذي يخالفه الخليفي في قضايا أخرى، بما يكشف انتقاء النصوص التي تخدم النتيجة المسبقة.

الخلاف حقيقي من بعض الوجوه

رجح الراجحي أن له آثارًا حقيقية: مخالفة ألفاظ النصوص، وفتح الباب للإرجاء المحض، وتمكين الفسقة من دعوى كمال الإيمان، والخلاف في الاستثناء. لكنه سمى النزاع بين جمهور أهل السنة وأحنافهم نزاعًا داخل أهل السنة، لا بينهم وبين فرقة خارجة عنها.

جواب الفوزان الآخر

قال إن مرجئة الفقهاء هم مرجئة أهل السنة، وإن خطأهم اليسير هو جعل الإيمان نطقًا واعتقادًا دون أعمال الجوارح. وقرر أننا لا نقبل الخطأ من أبي حنيفة ولا غيره، لكن ذلك لا ينقص قدر الإمام.

المعلم اليماني وتقريب الخلاف

ناقش الكوثري في تبرئة أبي حنيفة، ثم قال إن صح أن الإمام يجعل العقد والكلمة ركنًا أصليًا، والأعمال لازمة لا داخلة في الاسم، فالأمر قريب. فالرد على دفاع متكلف لا يساوي تبني إسقاط الإمام.

حجج شرعية اشتبهت عليهم

ذكر ابن تيمية أن مرجئة الفقهاء لم يقصدوا غلو الجهمية، بل قامت عندهم حجج شرعية مشتبهة. وهم يدخلون أعمال القلوب في الإيمان، ويكفرون إبليس وفرعون مع تصديقهما الباطن، ويوجبون النطق والعمل ويقررون العقاب، بخلاف من يجعل المعرفة وحدها إيمانًا كاملًا.

العمل جزء أم لازم؟

يلزم مرجئة الفقهاء من قولهم إن أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب أن انتفاءها يدل على انتفائه. وبعد التسليم بهذا يصبح الخلاف: أهي جزء من الإيمان أم لازمة له؟ نزاعًا لفظيًا، مع بقاء لفظ الكتاب والسنة أولى وأضبط.

الاستثناء في الإيمان

منع أبو حنيفة وأصحابه قول «أنا مؤمن إن شاء الله» لأنهم جعلوا الإيمان والإسلام اسمًا واحدًا، ورأوا الاستثناء شكًا. واستحسنه جمهور أهل الحديث بالنظر إلى كمال العمل والخاتمة. فكل فريق منع صورة غير التي أجازها الآخر، ولذلك كان جانب من النزاع لفظيًا.

كلهم من أهل الإيمان والقرآن

لخص ابن تيمية النزاع في الاستثناء وغيره بأنه جرى بين أهل العلم والدين كالمنازعة في أحكام كثيرة، وأن الجميع من أهل الإيمان والقرآن. وهذه العبارة تمنع نقل الخلاف من دائرة الاجتهاد والبدعة الخفيفة إلى التجهم والزندقة.

بدعة من جنس خلاف الفقهاء

نص على أن بدعة المرجئة من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، مع تسميتها بدعة لأن باب الإيمان أصل ديني. والحكم العام بأن القول بدعة لا يعني تبديع كل معين؛ فالتطبيق يحتاج شروطًا وموانع كما في التكفير.

ابن أبي العز

قرر أن الخلاف بين أبي حنيفة وبقية أئمة السنة صوري ما دام الجميع متفقًا على لزوم الأعمال وعقوبة تاركها وعدم تخليد مرتكب الكبيرة. وحذر في الوقت نفسه من عدوان الطوائف، ومن اتخاذ اللفظ ذريعة للإرجاء الغالي وظهور الفسق والمعاصي.

عبد المحسن العباد

فسر مخالفة قول مرجئة الفقهاء لأهل السنة بأنه يؤدي إلى الإرجاء المذموم ويهون شأن الأعمال، ثم أحال في تفصيل الفروق إلى شرح الطحاوية الذي يعد النزاع بين الأئمة نزاعًا داخل السنة.

صالح آل الشيخ والاتفاق المتأخر

نقلت الحلقة أن العلماء اتفقوا منذ زمن الطحاوي وما بعده على الترضي عن هؤلاء الأئمة والترحم عليهم. فالتطبيق الموروث ليس إخراجهم من السنة، وإنما بيان الخطأ وحفظ الإمامة والفضل.

الخلاصة

الإيمان عند جمهور السلف قول واعتقاد وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وإخراج عمل الجوارح من مسماه بدعة وخطأ. لكنه عند فقهاء الكوفة اقترن بإيجاب العمل والعقوبة والشفاعة، فكان من أخف البدع وكثير من نزاعه لفظي. لذلك اشتد السلف في حماية الأصل، ولم يسقطوا أئمة الفقه من السنة؛ والجمع بين الأمرين هو العدل الذي تهدمه القراءة الحدادية المنتقاة.