كشف تدليس محمد شمس الدين في حلقته الثالثة عن الإمام أبي حنيفة

الشيخ أبو الفضل المصري 13 يوليو 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يفحص الشيخ أبو الفضل المصري النقول التي اعتمدها محمد شمس الدين في حلقته الثالثة للطعن في الإمام أبي حنيفة، من «تأويل مختلف الحديث» وسؤالات البرذعي لأبي زرعة و«المعرفة والتاريخ». ويكشف ضعف عدد من الحكايات، وحذف الثناء والنقول المخالفة، وتحويل أخطاء الحفظ والاجتهاد إلى اتهامات عقدية، ثم يصحح نسبة الكلام إلى الإمام مسلم في حديث جبريل.

ما يصح وما لا يصح في نقد أبي حنيفة

قول البخاري «سكتوا عنه» جرح شديد في رواية أبي حنيفة، وجماهير المحدثين يضعفونه في الحديث لسوء حفظه. لكن ضعف الرواية باب، وإمامته في الفقه ودخوله في أهل السنة باب آخر؛ فلا يجوز أن تحمل كل حكاية في الكتب على الثبوت، أو أن يتحول الخطأ الحديثي إلى كذب متعمد.

الرجوع عن الفتوى ليس مطعنًا

الحكاية التي استهزأ فيها محمد برجوع أبي حنيفة عن فتوى بعد سنة لا تثبت؛ ففي طريقها يحيى بن مخنف وهو ضعيف، ولم يثبت سماع سهل من المختار، ورجح المحقق الانقطاع. ولو صحت لكانت الرجوع إلى الحق منقبة، وقد كان للشافعي مذهب قديم بالعراق وجديد بمصر، ورويت عن أحمد في المسألة الواحدة أقوال متعددة.

لبس السراويل للمحرم

عيبت على أبي حنيفة فتواه بأن على المحرم الفدية إذا لم يجد إزارًا فلبس السراويل، مع ورود الحديث في جوازه. لكن مالكًا قال بالمنع أيضًا، وقال إنه لم يسمع الحديث. فالخطأ الفقهي المحتمل لا يختص بأبي حنيفة، ولا يصلح للطعن في دين الإمام.

حكاية قطع سارق الودي

الرواية التي تزعم أن أبا حنيفة أوجب قطع من سرق نخلة صغيرة لا تصح لضعف أبي عاصم، ولم يجد المحقق في كتب الحنفية نصًا يوافقها. والمعروف عندهم اشتراط بلوغ المسروق عشرة دراهم وكونه في حرز، وهو ما نصت عليه مراجع المذهب.

«هذا قضاء الشيطان»

نسب إلى أبي حنيفة أنه وصف قضاء ابن مسعود بهذه العبارة. وراوي الحكاية علي بن عاصم ضعيف، ونسبه العقيلي إلى الكذب، ولم يقف المحقق على أصل قول ابن مسعود في مرجع، وجاء في هامش نسخة أن ابن قتيبة لم يمل هذه الحكاية على تلاميذه.

الخلاف بين أهل الرأي والحديث

مذهب أهل الحديث أقوى من مذهب الرأي، وقد أفرد ابن أبي شيبة بابًا في الرد على أبي حنيفة، ورد البخاري على بعض أقوال الحنفية، وناقش الحنفية تلك الردود. لكن الأئمة قرروا أن أبا حنيفة وغيره لم يتعمدوا مخالفة الحديث؛ إنما قدموا ما ظهر لهم أنه دليل أقوى، وتعود أصول كثير من آرائه إلى إبراهيم النخعي.

مجاهد والرأي الحسن

ذكر ابن قتيبة أن الشعبي كان أشد أهل العراق إنكارًا للرأي والقياس، وأن مجاهدًا كان أسهلهم فيه، وروى عنه قوله: «أفضل العبادة الرأي الحسن». فمجرد استعمال الرأي والقياس لا يجعل الإمام خارجًا من السنة، وإنما ينظر في كل مسألة ودليلها.

ثناء ابن قتيبة الذي حُذف

بعد عرضه أخطاء لأهل الرأي قرر ابن قتيبة أن المنفرد بفن لا يعاب بالزلل في غيره، وأن على كل صاحب علم إتقان الفن الذي انعقدت له فيه الرئاسة. ثم قال عن أبي حنيفة: «وكان في الفتيا ولطف النظر واحد زمانه». نقل محمد مواضع النقد من الكتاب، وترك هذا الحكم الصريح بإمامته في الفتوى.

ابن قتيبة وأثر نور الذراعين

عد ابن قتيبة حديث زغب الصدر ونور الذراعين من الأحاديث المستشنعة المستحيلة التي دسها الزنادقة. فالكتاب الذي استعمل للطعن في أخطاء فقهية لأبي حنيفة يصف أصلًا عقديًا يعتمده محمد بأنه من وضع الزنادقة، مع بقاء أبي حنيفة عند مؤلفه واحد زمانه في الفتيا.

اتهام أبي حنيفة وأصحابه بالتجهم

جاء عن أبي زرعة وصف أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف بالتجهم، لكن روايات أخرى نقلت أن أبا يوسف كان سليمًا من التجهم وبعيدًا عنه. وثبتت براءة أبي حنيفة من الجهمية وردّه عليهم وتكفيره لمقالتهم؛ فمن بلغه الاتهام ولم تبلغه البراءة لا يكون قوله آخر الكلمة في الإمام.

ترجمة مختصرة بلا جرح

حين ترجم أبو زرعة لأبي حنيفة باسمه ووفاته لم يذكر فيه شيئًا، وفعل نحو ذلك في أبي يوسف. وهذا يبين أن المادة ليست حكمًا واحدًا مطردًا كما قدمتها الحلقة المنتقدة، بل روايات ومواقف تحتاج جمعًا ونقدًا.

ثلاثة عشر سطرًا أُسقطت

بدأ محمد النقل من قول أبي زرعة إن أبا حنيفة يصل الأحاديث، وحذف ما قبله: أن أبا حاتم روى حديثًا من طريق أبي حنيفة بعد إلحاح تلميذه، وأن إبراهيم بن أورمة الحافظ الثقة النبيل كان يعنى بأسانيد أبي حنيفة. وهذه المقدمة تثبت اختلاف المحدثين في الرواية عنه.

مثال المعلى بن منصور

احتج أبو زرعة بأن أحمد لم يكتب عن المعلى بن منصور وعده من شر المرجئة، لكنه نفسه وصف المعلى بأنه أشبه القوم بأهل العلم وصدوق، وذكر أن علي بن المديني وأبا خيثمة وعامة أصحابه رووا عنه. فالراوي الواحد قد يختلف فيه كبار النقاد، كما اختلفوا في أبي حنيفة.

أحمد روى عن أبي حنيفة

ثبت في «العلل» لعبد الله بن أحمد أن أحمد روى عن أبي حنيفة، وورد له طريق آخر في الحاشية. كما روت كتب الدارقطني والبيهقي والطحاوي وغيرهم أحاديث من طريقه. وهذا لا يصحح كل مروياته، لكنه يبطل تصوير المحدثين كتلة واحدة هجرت اسمه وإسناده.

معنى أنه «يوصل الأحاديث»

المراد أن سوء حفظه قد يجعله يصل المرسل أو يرفع الموقوف، لا أنه يتعمد الزيادة والكذب. ومن أمثلة ذلك حديث القراءة خلف الإمام؛ خالف في وصله ثقات رووه مرسلًا، مع أن بعض المتأخرين حسن الحديث بالشواهد. فالنتيجة ضعف تفرده، لا إسقاط عدالته ودينه.

«الدال على الخير كفاعله»

ذكر أبو زرعة هذا ضمن أحاديث لا أصل لها من رواية أبي حنيفة، بينما أخرجه أحمد وأبو يعلى والروياني وابن خزيمة والطحاوي والدارقطني وآخرون من طريقه. ورجح النقاد ضعف هذا الطريق، لكن الحديث صحيح بشواهده؛ وهو مثال على ضرورة الفصل بين ضعف الإسناد وبطلان المتن.

ماذا يعني كلام أبي زرعة العقدي؟

قال إن أبا حنيفة يقول بخلق القرآن ويرد على الرسول ويستهزئ بالآثار ويدعو إلى البدع. لكن أبا حنيفة لا يرد حديثًا ثابتًا بلا حجة، وإنما يقدم عند التعارض ما يراه أقوى، ويقبل ما جاء عن النبي والصحابة. أما آراء التابعين فكان يقول: هم رجال ونحن رجال، وهو قريب من قول الشعبي في طرح رأي التابعين وقبول آثار الصحابة.

التوبة من القول بخلق القرآن

اختلف العلماء: فمنهم من نفى أن يكون أبو حنيفة قال بخلق القرآن، ومنهم من قال إنه قال ثم تاب. ومحمد نفسه رجح في نهاية مقطعه توبته، مع أنه وصف كلام أبي زرعة بأنه «كلام طيب»؛ وكلام أبي زرعة يجمع نسبة القول إليه والحكم بكفر قائله، بما يلزم منه تكفيره إذا لم تذكر توبته.

الإرجاء لا يخرجه من السنة

سواء ثبت رجوع أبي حنيفة عن إرجاء الفقهاء أم لم يثبت، فقد عالج العلماء هذا النوع بوصفه خلافًا لا يخرجه من أهل السنة. ولفتت الحلقة إلى أن محمد أثنى ثناء واسعًا على ربيع المدخلي مع اتهامه له وللمداخلة بالإرجاء، بينما حرم أبا حنيفة من الإنصاف نفسه.

نسبة الزيادة في حديث جبريل إلى مسلم

قال محمد إن مسلمًا اتهم أبا حنيفة بأنه زاد في الحديث. ونص «التمييز» يتكلم أولًا عن أبي سنان، وأنه أخطأ في الإسناد والمتن وزاد لفظًا، ثم ذكر جماعة نحوا في الإرجاء نحو النعمان. فلا يوجد فيه اتهام لأبي حنيفة بتعمد الكذب.

ما اللفظ الذي وقع فيه الخطأ؟

ليست الزيادة «شرائع الإيمان»، بل «شرائع الإسلام». رواها أبو سنان عن علقمة بن مرثد، ورواها أبو حنيفة عن علقمة أيضًا، فيحتمل أن أصل الخطأ من شيخهما. ومخالفتها لروايات الحفاظ تجعلها شاذة أو منكرة بحسب حال الراوي، ولا تحول الوهم إلى وضع متعمد.

لفظ شرائع الإسلام لا يدل على الإرجاء

جاء هذا اللفظ في أحاديث صحيحة أخرى في السؤال عن الصلاة والزكاة وسائر الأعمال، وجاء سؤال الرجل الذي كثرت عليه شرائع الإسلام. فالعبارة تسمية للأحكام العملية مع بقاء التوحيد رأس الإسلام، ولا تحمل بنفسها عقيدة الإرجاء.

ما بقي من حلقة محمد

أما النقول المتعلقة بإرجاء الفقهاء فقد أحالت الحلقة إلى معالجة مستقلة مطولة، وكذلك أثر «لو أن رجلًا عبد هذا النعل» المنقول في «المعرفة والتاريخ» يحتاج بحثًا مستقلًا في سنده ومعناه، ولا يصح ضمه إلى قائمة اتهامات عاجلة بلا تحرير.

الخلاصة

اعتمدت حلقة محمد على حكايات ضعيفة ومنقطعة، وأسقطت ثناء ابن قتيبة وروايات المحدثين عن أبي حنيفة، وحملت خطأ الحفظ والاجتهاد على الرد والاستهزاء والكذب. والإنصاف يثبت ضعف أبي حنيفة في الحديث عند الجمهور، ويحفظ في الوقت نفسه إمامته في الفقه وتوبته مما نسب إليه من التجهم، ولا يجعل خصومة أهل الحديث والرأي بابًا لهدم عرض مسلم بما لم يثبت.