محمد شمس الدين على خطى الكثيري: وبراءة الألباني من مخالفة السلف

الشيخ أبو الفضل المصري 30 يونيو 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يفند الشيخ أبو الفضل المصري هجوم محمد شمس الدين على الانتساب إلى السلفية، واتهامه علماء الدعوة المعاصرين وأتباعهم بمخالفة كتب السلف. ويبين معنى الاسم وضوابط التلقي، ثم يختبر دعوى محمد بأمثلة أثر مجاهد وخلق الملائكة وتحريك الإصبع في التشهد، ويختم بمقارنة كلامه بخطاب الكثيري في جعل أقوال المتأخرين حجابًا عن السلف.

السؤال الذي وُجه إلى محمد

سئل: لماذا يرفض تسمية «السلفي» مع أن العلماء استعملوا أسماء أهل السنة وأهل الحديث للتمييز عن الفرق؟ فأنكر أن يكون العلماء فعلوا ذلك لهذا الغرض، ثم جعل اختلاف المنتسبين إلى السلفية وتبديع بعضهم بعضًا دليلًا على فساد الاسم.

أصل الانتساب إلى السلف

ورد لفظ السلف في قول النبي لفاطمة: «نعم السلف أنا لك»، وفي خطاب من سبق من المؤمنين. ووصف العلماء رجالًا بأنهم سلفيون وأثريون ومن أهل الحديث، وفسر أحمد والبخاري وابن المديني الطائفة الناجية بأصحاب الحديث. والانتساب هنا إلى الكتاب والسنة وفهم السلف، لا إلى شخص أو حزب محدث.

الاسم الشريف لا يزكي كل منتسب

من سمى نفسه سلفيًا لا يصير موافقًا للسلف بمجرد الاسم؛ وإنما يصدق انتسابه بقدر موافقته لهم في الاعتقاد والعلم والعمل والأخلاق. وانتساب الدواعش أو الحدادية أو غيرهم إلى السلف لا يبطل أصل النسبة، كما لا يبطل اسم الإسلام لأن فرقًا متنازعة كلها تدعيه.

التحزب هو المذموم لا الاسم

لما تداعى بعض الصحابة بالمهاجرين والأنصار قال النبي: «دعوها فإنها منتنة»، مع بقاء الاسمين شريفين. فموضع الذم هو التعصب والتنادي الحزبي، لا النسبة الصحيحة. وكذلك السلفية: دعوة إلى منهج، تفسد حين تتحول إلى عصبية، ولا تفسد بسبب من أساء استعمالها.

لماذا لا يكفي الاسم المجمل؟

من قال «أنا مسلم» يسأل: أرافضي هو أم معتزلي أم خارجي أم علماني؟ فإذا نفى ذلك وقال إنه يتبع الكتاب والسنة على فهم الصحابة والسلف، فقد شرح معنى «مسلم سلفي» وإن لم ينطق باللفظ. والتسمية تختصر هذا البيان وتميز المنهج من الدعاوى المشتركة.

العلم يؤخذ بالتلقي

نصيحة المبتدئ ألا يستقل بكتب السلف ليست ردًا لها؛ فالعلم يؤخذ من العلماء، ومفاتيح ما في الكتب بأيديهم. يتعلم الطالب الأصول والقواعد على عالم، ثم يقرأ التراث بعد أن تتكون لديه أهلية الفهم، كما تلقى التابعون عن الصحابة، وأتباعهم عن التابعين، وتتابع أهل العلم على ملازمة الشيوخ.

وظيفة العلماء المتأخرين

جمع المتأخرون الروايات المتفرقة وضبطوا طرق الجمع والترجيح في أصول الفقه والتفسير والحديث. فقد روي عن أحمد تكفير أعيان من الجهمية وعدم تكفير آخرين، وبيّن ابن تيمية أن الفرق يرجع إلى قيام الحجة واستيفاء الشروط وانتفاء الموانع، لا إلى تناقض الإمام أو ترك بعض آثاره.

إذا اختلف السلف

إجماع السلف حجة لا يجوز مخالفته، وإذا اختلفوا لم يجز إحداث قول خارج عن أقوالهم. واختيار عالم معاصر أحد الأقوال بدليله ليس مخالفة للسلف. كما أن وجود قول شاذ أو مهجور لا يجعل كل من رجح غيره رادًا للسلف.

أثر مجاهد ليس إجماعًا

قرر الشيخ أن أثر إجلاس النبي على العرش لم يثبت عليه إجماع؛ أخذ به جمهور من المتقدمين وتركه آخرون، وتركه جمهور المتأخرين وأخذه بعضهم. فمن قبله فله سلف، ومن لم يقبله فله سلف، ولا يصح تحويل مسألة مختلف فيها إلى امتحان لكل أهل السنة.

أثر خلق الملائكة

اختلف المحدثون في ثبوت الأثر عن عبد الله بن عمرو، ومن صححه عده من مروياته عن أهل الكتاب. ورواية الصحابي للإسرائيليات لا تعني اعتقادها، عملًا بالإذن في التحديث عن بني إسرائيل. ولم يضع أحد من أصحاب متون الاعتقاد القول بخلق الملائكة من نور الصدر والذراعين ضمن عقائد أهل السنة.

إلزام لا جواب عنه

إذا جُعل الأثر عقيدة لازمة لزم إثبات صدر وذراعين وزغب، مع أن ابن المحب الصامت وصف هذه المقالة بأنها باطلة شديدة. كما صح عن بعض الصحابة أخبار أخرى في خلق الهر ونحوها، ولم يجعلها علماء الاعتقاد أصولًا؛ فمجرد وجود الرواية لا يساوي الإجماع ولا الإلزام العقدي.

التكفير المطلق وتكفير الأعيان

جاء عن السلف إطلاق تكفير الجهمية، لكن تطبيقهم لم يكن تكفير كل معين بلا تفصيل. كما لا تنزل آية «ومن لم يحكم بما أنزل الله» على كل فرد دون شروط وموانع، لا تنزل عبارات الأئمة العامة على كل أشعري أو معتزلي بعينه. وقد عد ابن تيمية المعتزلة من أمة محمد مع بقاء بدعتهم ووجود المنافقين والكفار في الفرق.

دعوى أن السلف لم يحركوا الإصبع

قال محمد إن أحدًا من السلف لم يحرك إصبعه في التشهد. ونقل ابن عبد البر أن العلماء اختلفوا في التحريك، وأن التحريك وتركه كلاهما مروي في الآثار الصحيحة ومباح. وروى أحمد وابن المنذر وعبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس أنه وصف تحريك الإصبع بالإخلاص، وعن مجاهد أنه مقمعة للشيطان.

الخلاف الحديثي في التحريك

صحح الألباني رواية وائل بن حجر في تحريك الإصبع، وأعل رواية عدم التحريك بالشذوذ. وخالفه بكر أبو زيد ومقبل الوادعي ومن تبعهما، ودار الخلاف في صحة الروايتين لا في وجود سلف للمسألة. كما ورد عن وائل أنه رأى الصحابة في البرد تحرك أيديهم تحت الثياب، وصحح إسناده الألباني ونقل تصحيح النووي وابن القيم وابن خزيمة وابن حبان.

براءة الألباني من تهمة مخالفة السلف

قول الألباني بالتحريك مبني على تصحيح حديث نبوي، ومعه آثار عن ابن عباس ومجاهد، فلا يصح تقديم المسألة مثالًا على أن المعاصرين يردون السلف. ومن رجح عدم التحريك أيضًا اتبع ما صح عنده؛ فالمسألة اجتهاد حديثي له سلف في الجانبين، لا خصومة بين السنة والسلف.

الفقه والأخلاق من السلفية

السلفية ليست باب الصفات وحده؛ بل موافقة السلف في العقيدة والفقه والعبادة والمعاملة والخلق. ودائرة الخلاف الفقهي أوسع، وقد يختار العالم قول بعض السلف على بعض، أما الطعن واللعن والتجريح فلا يتحول إلى خلق سلفي بمجرد رفع شعار الأثر.

المقطع الملحق للكثيري

عرضت الحلقة كلامًا للكثيري يجعل أصل الإشكال أن المعاصرين لا يقبلون إجماع السلف إلا إذا وجدوه عند ابن تيمية أو ابن باز وابن عثيمين والألباني، ويطالب «منتحل الأثر» بتقديم آثار التكفير والبراءة من أهل البدع على فتاوى المتأخرين. وهو البناء نفسه الذي ظهر في خطاب محمد: تصوير ضبط العلماء للنصوص على أنه تستر من مذهب السلف.

الخلاصة

الانتساب إلى السلفية صحيح إذا كان التزامًا بالكتاب والسنة وفهم السلف، ولا يبطله انحراف بعض المنتسبين. والتلقي عن العلماء طريق فهم كتب الأئمة لا حاجز عنها، والخلاف المعتبر لا يسمى ردًا للسلف. أما إطلاق دعوى الإجماع أو نفي السلف بلا استقراء، فقد نقضته الحلقة بمسألة تحريك الإصبع التي ثبتت فيها آثار صريحة، وبرئت منها فتوى الألباني من تهمة المخالفة.