هل في الأشاعرة أولياء لله؟ وهل الإمام النووي ولي؟

الشيخ أبو الفضل المصري 29 يونيو 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يرد الشيخ أبو الفضل المصري على مقطع استند إلى كلام منقول عن عبد القادر الجيلاني لينفي الولاية عن الأشاعرة، ثم سأل: هل يكون الإمام النووي وليًا لله وإمامًا للمسلمين؟ ويعيد الشيخ النص إلى سياقه في كلام ابن تيمية، ويفرق بين أصل الولاية وكمالها، ثم يعرض ثناء الأئمة على النووي وما شهدوا له به من العلم والزهد والورع.

موضع الاحتجاج في «الاستقامة»

نقل ابن تيمية أن اعتقاد القشيري المأخوذ عن متكلمي الأشعرية غالبه موافق لأصول السلف وأهل السنة، لكنه قاصر عنها، وفيه ترك لبعض ما كانوا عليه وزيادة تخالفهم. وقرر أن الثابت عن أكابر المشايخ موافق للسلف، وأن القشيري لم ينقل عقيدتهم كاملة.

قصة عبد القادر الجيلاني

جاء عن الجيلاني أنه سئل: هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ فقال: «ما كان ولا يكون». وبنى المقطع المنتقد على العبارة نفي كل ولاية عمن أخطأ في الاعتقاد، مع أن ابن تيمية نفسه فسر مرادها بدرجة أولياء الله الكاملين، لا بإخراج كل مجتهد مخطئ من أصل الولاية.

إلزامات من كلام الجيلاني نفسه

ذكر الجيلاني عند زيارة قبر النبي ألفاظًا في التوجه به وسؤال الله بحقه، ونفى أن يكون الاستواء بمعنى القعود والمماسة، وعد هذا قول المجسمة والكرامية. فإذا جعل كل مخالفة لما يراه المحتج اعتقاد أحمد نافية لأصل الولاية، ارتد الإلزام إلى الجيلاني نفسه.

وماذا عن ابن قدامة ومفوضة الحنابلة؟

ذكر ابن تيمية رواية بخط موفق الدين ابن قدامة، وعرض الشيخ ما نُقل عن جماعة من الحنابلة في التفويض. فالفهم الحدادي للقاعدة يلزم منه إخراج ابن قدامة وغيره من أئمة الحنابلة من الإمامة والولاية، تمامًا كما يراد إخراج النووي.

العبارة المنقولة عن بلدة الأشاعرة

ورد أن رجلًا قال: إذا بلغك أن في البلدة مؤمنًا أو صالحًا فصدق، وإذا بلغك أن فيها وليًا فلا تصدق؛ لأنهم أشعرية. فالعبارة نفسها تثبت فيهم المؤمن والصالح. وانتزاع نفي لفظ «الولي» منها، ثم تجاوزها إلى القول إنه لا يوجد في الأشاعرة مؤمن ولا صالح، انتقاء يناقض النص المحتج به.

الأشعرية ليست درجة واحدة

فرّق ابن تيمية بين منتسبين متعددين إلى الأشعرية: فمنهم من وافق المعتزلة في نفي الصفات الخبرية، ومنهم من وافق الفلاسفة في نفي الصفات مطلقًا، ومنهم المحدثون والأثريون. لذلك لا يصح تنزيل حكم طائفة أو بلدة مجهولة الحال على الخطابي والبيهقي والخطيب البغدادي وابن عساكر والحاكم والنووي جميعًا.

نص ابن تيمية يحسم المراد

قال ابن تيمية في الموضع نفسه إن من ذهب إلى شيء من مذاهب أهل الكلام متأولًا ففيه «نقص وانحطاط عن درجة أولياء الله الكاملين»، وإن رسالة القشيري فيها خير وحق ودين كثير، لكنها ناقصة عن طريقة أكثر الأولياء الكاملين. فالنفي متعلق بكمال الدرجة، لا بأصل الإيمان والتقوى والولاية.

الولي ليس معصومًا

قرر ابن تيمية أن ولي الله يجوز أن يخطئ ويخفى عليه بعض علم الشريعة، بل قد يظن بعض الخوارق كرامة وهي من الشيطان بسبب نقص درجته، ولا يخرج بذلك عن ولاية الله. والمجتهد المصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد.

ثلاثة مسالك في أخطاء الأولياء

قسم ابن تيمية الناس إلى من يجعل الولي معصومًا فيتبعه في كل شيء، ومن يخرجه من الولاية كلها إذا أخطأ ولو كان مجتهدًا، ومن يسلك الوسط فلا يعصمه ولا يؤثمه مع الاجتهاد، ولا يتبعه في الخطأ ولا يحكم عليه بالكفر والفسق. ووضع الغلاة يطابق القسم الثاني الذي ذمه.

الولاية تتفاضل كالإيمان والتقوى

أولياء الله هم المؤمنون المتقون، وهم يتفاضلون في الولاية بحسب تفاوت إيمانهم وتقواهم. ومن آمن بما بلغه من الرسالة وعمل بما علم فهو ولي لله بقدر إيمانه وتقواه، ويفوته من كمال الولاية بقدر ما فاته من العلم والعمل؛ وكلا العالم بالتفصيل ومن لم يبلغه بعضه قد يكون وليًا.

إنصاف ابن تيمية لنصر المنبجي

مع بلوغ ابن تيمية أن نصر المنبجي اتحادي ينصر ابن عربي وابن سبعين، خاطبه بقوله: «الشيخ العارف القدوة السالك الناسك»، ودعا أن يفتح الله على قلبه وينصره على شياطين الإنس والجن. ولم يكن وصفه بالقدوة إقرارًا بكل قوله، بل خطابًا يجمع الإنصاف والدعوة والإنكار.

موقف ابن باز وبكر أبي زيد

قرر ابن باز أن علماء السلفيين لا يكفرون النووي وابن حجر، وإنما يبينون أخطاءهما في التأويل، ووصف عددًا من المخالفين بألفاظ الأخوة والفضيلة. ورفض بكر أبو زيد افتراء أن السلف يكفرون الأشاعرة، ووصف تكفير النووي وابن دقيق العيد وابن حجر أو الحط من أقدارهم وتضليلهم بأنه باب ضلالة وإفساد.

لو طردت القاعدة لما بقي إمام

عرض الشيخ أخطاء نسبها مؤلف دراسة عقدية إلى ابن عبد البر: تأويل بعض الصفات، وجواز التبرك بآثار الصالحين، وتقسيم البدعة، ومع ذلك أبقاه من أهل السنة لأن العصمة ليست شرطًا فيهم. كما أورد نصًا حنبليًا يجعل تفضيل بني آدم على الملائكة علامة السني، مع أن محمد شمس الدين يفضل الملائكة؛ فهل يخرج هو أيضًا من الولاية؟

النووي في تراجم الأئمة

وصف الذهبي النووي بالحافظ الفقيه الشافعي الزاهد وأحد الأعلام، ونقل انشغاله الدائم بالعلم، ومجاهدته لنفسه، ودقته في العمل، وحفظه للحديث والمذهب، وسلوكه طريقة السلف، ونفع الأمة بتصانيفه. وشهد له ابن العطار وقطب الدين وشمس الدين بن الفخر بالإمامة والعلم والزهد والورع والأمر بالمعروف.

«علم الأولياء» و«القدوة»

سمى ابن رجب النووي الفقيه الإمام الزاهد القدوة. ونقل أهل التراجم عن الذهبي وصفه بشيخ الإسلام وعلم الأولياء، وعن ابن حجر أنه لا يعلم نظيره في قبول مقالته عند أرباب الطوائف، وعن ابن كثير أنه شيخ المذهب وكبير فقهاء زمانه. كما اعتمد كتبه وأثنى عليه علماء الدعوة السلفية واللجنة الدائمة وابن باز وابن عثيمين.

الخلاصة

الخطأ الاجتهادي لا يسلب المسلم أصل الإيمان والتقوى والولاية، وإنما ينقص درجته، ولا يكون الولي معصومًا. وقد أطبقت كلمات الأئمة المعروضة على إمامة النووي وعلمه وزهده وورعه، فلا يملك متصدر متأخر أن يخرجه من ولاية الله أو يسقط إمامته بانتزاع عبارة من سياقها. والجرح في العلماء لا يحل إلا لعالم بأسبابه مقبول القول فيه.