نسف الحلقة الرابعة عن أبي حنيفة - الجزء الثاني: مسألة الرأي وعقيدة حرب الكرماني

الشيخ أبو الفضل المصري 26 يوليو 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يستكمل الشيخ أبو الفضل المصري الرد على الحلقة الرابعة لمحمد شمس الدين في الإمام أبي حنيفة. وبعد معالجة ما نقله من الفسوي والدارمي والترمذي والبلاذري، يركز هذا الجزء على «السنة» لحرب الكرماني: ثبوت نسخته، وعموم مقدمته، ونصوصه في مسائل أخرى، ثم يحرر معنى الرأي المذموم والمحمود وموقع أبي حنيفة من كليهما.

شواهد أغفلتها القراءة الانتقائية

نقل الترمذي في «العلل الصغير» قول أبي حنيفة في الجرح والتعديل، مما يدل على أنه عنده إمام ينقل حكمه. كما أن البلاذري، الذي نقل محمد منه نقدًا لأبي حنيفة، يورد آراءه في «فتوح البلدان» مع آراء العلماء، فيعامله فقيهًا معتبرًا لا ساقطًا لا يقبل قوله.

نسخة «السنة» لحرب الكرماني

اعتمد الكتاب المطبوع على نسخة خطية واحدة مصورة عن جامعة أم القرى، وفقد أوله، ولم يقف المحقق على سند مستقل للكتاب. ويرويه «أبو القاسم» عن حرب، وذكر المحقق ثلاثة احتمالات في تعيينه من غير ترجيح. وهذه الحال توجب فحص الألفاظ والنسخ، لا التعامل مع كل حرف بوصفه يقينًا.

عموم مقدمة حرب

قدم حرب مذهبه بأن من خالف شيئًا منه أو طعن فيه فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة وزائل عن سبيل الحق، ونقل المحقق من ختام العقيدة وعيدًا مماثلًا. فإذا أُخذ العموم حرفيًا، صار كل خلاف في أي فقرة تبديعًا، بما في ذلك مسائل تختلف فيها نسخ الكتاب أو توقف فيها أئمة من أهل السنة.

اختبار العموم بمسألة زيادة الإيمان

ورد أن من قال إن الإيمان يزيد ولا ينقص فقد قال بقول المرجئة. وعلّق عادل آل حمدان بأن بعض أئمة السنة توقفوا عن لفظ النقص لعدم ورود النص عندهم، مع إقرارهم بالمعنى. فهل يخرج هؤلاء من السنة بعموم المقدمة، أم يفسر النص في ضوء اختلاف العلماء؟ والجواب نفسه يحتاجه باب أبي حنيفة.

المتشابه في آيات المعية

عد النص آيات ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ و﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ وآيات النجوى من متشابه القرآن. وسألت الحلقة من يلزم بكل فقرات الكتاب: هل يصف آيات الصفات والمعية بهذا الوصف مطلقًا، أم يحرر معنى المحكم والمتشابه قبل الحكم؟

اضطراب النسخ في لفظ الحد

في نسخة: «وله حد، الله أعلم بحده»، وفي أخرى: «والله على عرشه وليس له حد»، وفي ثالثة جُمعت العبارتان. اختار المحقق قراءة، لكن وجود القراءات المتقابلة يثبت أن النسخة الواحدة لا تكفي لإلزام الناس بعقيدة في لفظ مجمل اختلف أئمة السنة في إثباته ونفيه ومراد كل فريق.

لفظ الحركة وغيره

ورد في تعداد الصفات: «يقظان لا يسهو» و«يتكلم ويتحرك»، مع غياب «يتحرك» من نسخة حامد الفقي ومن نسخة أشار إليها عادل آل حمدان. كما نقل أثر أن العرش مطوق بحية. طرحت الحلقة هذه الأمثلة لتسأل: هل تقبل بلا بحث لأنها في الكتاب، أم تفحص سندًا ولفظًا ومعنى؟

نص اللفظية يعود على الملزِم

قال حرب إن من زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي خبيث مبتدع، وإن من لم يكفر الجهمية فهو مثلهم. ومحمد صرح بخلق قراءته وصوته في سياق التلاوة؛ فإذا كان عموم حرب حاكمًا على الأعيان، عاد الحكم عليه وعلى من لم يكفره.

إسحاق لم يكفر اللفظية

نقل الكتاب نفسه عن إسحاق بن راهويه وصف اللفظية بالمبتدعة، لا الحكم على كل أعيانهم بالكفر. ويكشف ذلك أن إطلاقات الأئمة تحتاج جمعًا وتفسيرًا، وأن الجهمية درجات، فلا يثبت حكم المعين بجملة واحدة ولا يستقيم تكفير كل من لم يكفره.

كلام حرب في أصحاب الرأي

ذم حرب أصحاب الرأي والقياس في الدين ووصفهم بالبدعة والجهل والضلال، وجعل دعوى ترك التقليد طريقًا لإبطال الأثر والتفرد بالرأي، وخص أبا حنيفة وبشرًا المريسي بعبارات شديدة. وهنا أعادت الحلقة إلى محمد إنكاره القديم على زين قوله إنه يقلد العلماء، ثم رجوعه إلى تقسيم التقليد إلى محمود ومذموم.

علامة أصحاب الرأي المذمومين

ذكر حرب أن أصحاب الرأي يسمون أهل السنة «نابتة» و«حشوية»، ويردون الحديث ويتركون الآثار. فسألت الحلقة: هل ثبت أن أبا حنيفة وأصحابه بعد رجوعه عن الأقوال المنسوبة إليه كانوا يسمون أهل السنة بهذه الأسماء؟ أم أن كتب العقيدة المسندة نقلت عقيدته وعقيدة محمد بن الحسن في أبواب السنة؟

حرب نفسه ينقل آراء أبي حنيفة

تضم مسائل حرب في الطهارة والصلاة والنكاح وغيرها آراء فقهية لأبي حنيفة، وأحيانًا يذكر أصلها ومن أخذها عنه. فليس كل رأي عند أبي حنيفة مذمومًا حتى عند حرب، ولا يساوي مصطلح «أصحاب الرأي» كل استعمال للقياس والاجتهاد.

أصل فقه أبي حنيفة

نقل الدارمي أن معظم ما أفتى به أبو حنيفة أخذه عن حماد عن إبراهيم النخعي. فهو في أصل عظيم من فقهه متبع لمدرسة ابن مسعود وتابعيها، لا مبتدئًا لدين بالرأي المجرد. والتقليد المحمود عند العجز عن النص هو اتباع من تقدم من علماء السلف لا اختراع قول بلا أصل.

إنصاف العظيم آبادي

قرر العظيم آبادي، مع دفاعه عن أهل الحديث وردوده على متعصبة الحنفية، أن أبا حنيفة يتمسك بالأحاديث والآثار وله تمسك مشهور بالكتاب والسنة. والخطأ هو إصرار المقلد على قول الإمام بعد ثبوت النص، لا اتهام أبي حنيفة نفسه بتعمد مخالفة الرسول.

لماذا وقع الخطأ؟

إذا وُجد نص خالفه قياس أبي حنيفة، يحمل الأمر على أن الحديث لم يبلغه، أو لم يصح عنده، أو لم يستحضره عند القياس، أو فهمه على وجه آخر. ويقرر «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» أن أئمة المسلمين لم يتعمدوا مخالفة كتاب ولا سنة.

ابن القيم يجعل الفقهاء مبلغين للدين

قسم ابن القيم حملة الشريعة إلى حفاظ الحديث ونقاده، وفقهاء الإسلام الذين دارت الفتيا على أقوالهم. ثم عد في طبقات المفتين أبا حنيفة وأصحابه إلى جوار سفيان الثوري ووكيع وغيرهما؛ فجعله من مبلغي معاني الوحي وفقهاء الأمة.

الرأي الباطل والرأي الحق

جمع ابن القيم بين آثار ذم الرأي وآثار استعماله، وقرر أن الرأي الباطل ليس من الدين، أما الرأي الحق فلا مندوحة للمجتهد عنه. ومن الرأي المحمود تفسير النصوص، وما أجمعت عليه الأمة، والاجتهاد بعد طلب حكم الواقعة في الكتاب والسنة وآثار الصحابة.

تقديم الحديث الضعيف على القياس

نقل ابن القيم إجماع أصحاب أبي حنيفة على أن الحديث الضعيف عنده أولى من القياس والرأي، وضرب أمثلة فقهية. والضعيف في اصطلاح المتقدمين قد يشمل ما يسميه المتأخرون حسنًا. والمقصود أن أصله تقديم النص والأثر، لا جعل القياس حاكمًا عليهما.

تحرير شاه ولي الله الدهلوي

قرر الدهلوي أن التخريج على كلام الفقهاء وتتبع ألفاظ الحديث أصلان في الإسلام أخذ بهما المحققون، مع تفاوتهم في الإكثار من أحدهما. وأبو حنيفة لزم مذهب إبراهيم، واحتاج إلى القياس أكثر بسبب قلة الحديث الثابت وانتشار الوضع في الكوفة، لا لأنه استغنى عن السنة.

تعريف أهل الرأي

ليس أهل الرأي كل من يفهم أو يستنبط أو يقيس؛ فذلك يفعله الشافعي وأحمد وإسحاق. إنما الاسم لطائفة خرّجت النوازل على أصول إمام متقدم وأكثرت من حمل النظير على النظير دون تتبع واسع للأحاديث. وهذا وصف منهجي نسبي، لا حكم برد السنة.

الخلاصة

عبارات حرب الشديدة لا تنزل على أبي حنيفة آليًا؛ فالكتاب له نسخة منفردة وألفاظ مختلفة، ونصوصه نفسها تحتاج تفسيرًا وجمعًا. وقد أثبت أئمة الحديث أن معظم فقه أبي حنيفة من مدرسة إبراهيم، وأن أصله تقديم النص، وأن الرأي المحمود من صميم الاجتهاد. لذلك يرد ما أخطأ فيه ويحفظ له مقامه بين فقهاء الإسلام.