تناقض محمد شمس الدين في الحلقة السادسة عن الإمام أبي حنيفة
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يفنّد الشيخ أبو الفضل المصري الحلقة السادسة من سلسلة محمد شمس الدين في الإمام أبي حنيفة، ويختبر مبررات نشر أقوال الطعن، وطريقة انتقاء الآثار، والتعامل مع تحقيق كتاب «السنة» لعبد الله بن أحمد. وتكشف الحلقة أن إعلان «أنا أقرأ فقط» لا يعفي ناشر المادة من واجب التحقيق والعدل، وأن الآثار نفسها تشتمل على ما يثبت علم أبي حنيفة وفقهه ورجوعه إلى الحديث.
«أقرأ فقط» ليس عذرًا
قدّم محمد حلقته بقوله إنه لا يحقق ولا يصحح ولا يضعف ولا يعطي رأيًا، وإنما يقرأ من الكتب. ورد أبو الفضل بأن قراءة أقوال الناس في أئمة الإسلام على الجمهور، مع ما توحي به من الطعن، ليست عملًا محايدًا؛ فإما أن تترك بعثرة هذا الباب، وإما أن تجمع أطرافه وتتحرى الحق.
وصية المعلمي اليماني
نقلت الحلقة من «التنكيل» قول عبد الرحمن المعلمي إن مقتضى الحكمة اتباع ما مضى عليه أهل العلم قرابة سبعمائة سنة من سدل الستار على الخصومات القديمة، وتقارض الثناء، والاكتفاء بالإجمال عند الاعتراض. وإذا أبت النفس إلا بعثرة القبور وجب تحري الحق تدينًا وعلمًا. كما نقلت قوله إن الخير للمسلمين كان في ترك ما في «تاريخ بغداد» مدفونًا فيه.
ليس المعروض رأي السلف كله
قال محمد إن الغرض بيان رأي السلف في أبي حنيفة. والجواب أن السلف اختلفوا فيه، وقد ثبت الثناء عليه والطعن فيه عن رجال من طبقته وما بعدها. فلا يجوز تقديم جانب واحد بوصفه «رأي السلف»، بل معرفة المسألة تقتضي جمع كلام المادحين والقادحين، وتمييز الصحيح من الضعيف، وفهم أسباب الخلاف، ثم النظر في تحقيقات الأئمة الذين جاءوا بعدهم.
الغلو لا يعالج بغلو مقابل
وصف محمد معارضيه بأنهم طائفة مفسدة مضلة ضالة ترد كلام السلف وتتهم ناقله. فرّقت الحلقة بين الدفاع المنضبط عن أبي حنيفة وبين غلو بعض المتعصبين، مثل غلو الكوثري في الطعن بأئمة الحديث. فقبول الغلو المقابل بحجة الرد على الكوثرية لا يطفئ الفتنة، بل يزيدها اشتعالًا؛ ولا يقبل الطعن في أئمة الحديث ولا في أئمة الرأي من أهل السنة.
إلزام طريقة القراءة المجردة بمقاتل بن سليمان
اختبرت الحلقة قاعدة «نقرأ فقط» بآثار السلف وكلام الأئمة في مقاتل بن سليمان، الذي عده محمد من أهل السنة. فنقلت من دراسة «أصول الدين عند أبي حنيفة» اتهام مقاتل بالغلو في الإثبات والتجسيم، وقول الذهبي إنه بالغ حتى جسّم، ونقل ابن حجر تكذيبه وهجره ورميه بالتجسيم، وكلام ابن حبان في أخذه عن اليهود والنصارى وتشبيهه الرب بالمخلوقين وكذبه في الحديث.
موقف أبي حنيفة وأبي يوسف من المقاتلية
نقلت الحلقة من «تاريخ بغداد» وصف أبي حنيفة الجهمية والمشبهة بأنهما رأيان خبيثان، وقوله إن جهمًا أفرط في النفي ومقاتلًا أفرط حتى جعل الله مثل خلقه. كما أوردت عن أبي يوسف أن المقاتلية والجهمية أبغض الطوائف إليه، وعن أحمد بن سيار أن مقاتلًا متهم متروك الحديث مهجور القول، يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه. فإذا لزم قبول كل طعن منقول عن السلف دون تحقيق، لزم تطبيق القاعدة هنا أيضًا.
عمن يؤخذ الدين؟
وافقت الحلقة على ضرورة معرفة مصادر التلقي، ثم قررت أن الدين يؤخذ عن أئمة الحديث والسنة، والفقهاء المعروفين، والأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الذين زكاهم أهل العلم وتلقت الأمة هدايتهم بالقبول. ولا يؤخذ عن الصحفي الذي جمع علمه من بطون الكتب وحدها، ولا عن معلن بالسفه، ولا صاحب هوى أو كذاب.
الطعن في محققي كتاب «السنة»
زعم محمد أن كتاب «السنة» حاولوا إنكاره، وأن طبعته الأولى حذفت فصل أبي حنيفة، ثم وصف محققه محمد بن سعيد القحطاني بأنه عدو للكتاب، وحاول التشكيك فيه وفي آثاره. ردت الحلقة بأن علماء الدعوة هم الذين طبعوا الكتاب ونشروه، وأن حذف الفصل في طبعة قديمة كان من السياسة الشرعية التي أقرها أئمة العصر، ثم نشرته طبعة أكاديمية كاملة.
من هو محمد بن سعيد القحطاني؟
عرّفت الحلقة بالمحقق من خلال رسالته «الولاء والبراء في الإسلام»، وتقريظ عبد الرزاق عفيفي لبحثه وشخصيته العلمية. ووصف التحقيق بأنه عمل علمي يبحث نسبة الكتاب وأسانيده؛ فالحديث عن صحة الأثر وضعفه ليس عداوة للكتاب. كما أن عبارة «رجاله ثقات» لا تساوي دائمًا تصحيح الخبر، ولذلك لم يلتزم محمد فعلًا الاقتصار على ما صححه المحقق.
المسائل التي دارت عليها آثار الحلقة
جُمعت الآثار المقروءة في أربعة أبواب: الإرجاء، والخروج بالسيف، والرأي، وضعف الحديث. وقد سبق تفصيل الإرجاء والرأي وضعف الحديث في حلقات أخرى، ووعدت الحلقة بتفصيل مسألة الخروج. وهذه الأبواب لا يصح دمجها في حكم واحد ولا جعل ضعف الإمام في فن موجبًا لإسقاطه؛ فكم من إمام في علم لم يكن إمامًا في كل العلوم.
أبو عوانة يشهد بعلم أبي حنيفة ورجوعه
في الأثر رقم 380 سمع أبو عوانة أبا حنيفة يفتي في السارق، فلما قال بالقطع في الثمر نبهه إلى حديث «لا قطع في ثمر ولا كثر»، فقال أبو حنيفة للسائل: امح ذلك واكتب لا يقطع. ووصف أبو عوانة خطأه بأنه «زلة العالم»، وفي الأثر شهادتان أغفلتهما القراءة الانتقائية: أن أبا حنيفة كان عالمًا يُستفتى على رؤوس الأشهاد، وأنه رجع إلى الحديث عندما بلغه وثبت عنده.
ثناء ابن المبارك مع مخالفته في الخروج
ذكر عبد الله بن المبارك علم أبي حنيفة وفقهه عند الأوزاعي، فغضب الأوزاعي من إطرائه لرجل يرى السيف على أهل الإسلام. فالنص يجمع إثبات العلم والفقه مع الاعتراض الشديد على مسألة الخروج. وهذه المسألة قال بها قوم في ذلك العصر وخالفهم الجمهور، ثم استقر قول أهل السنة على المنع؛ فلا تتحول المخالفة فيها وحدها إلى محو لعلم الرجل كله.
«أتى حقًا» أم «أي حقًا»؟
ورد في طبعة القحطاني عن عبد الرزاق، عندما قيل له إن أبا حنيفة مرجئ: «أتى حقًا». وبحث المحقق ترجمة عبد الرزاق فلم يجد من رماه بالإرجاء، فذكر احتمال كونها معلومة جديدة أو خطأ وقع بعد تغيره. لجأ محمد إلى طبعة عادل آل حمدان التي جعلتها «أي حقًا» ووصفت قراءة القحطاني بالتصحيف، من غير بيان نسخة خطية تشهد لهذا التغيير.
شاهد طبعة ثانية
راجعت الحلقة طبعة أبي مالك الرياشي، فوجدت فيها القراءة نفسها: «أتى حقًا»، دون ذكر خلاف في النسخ. ولذلك لا يصح تحويلها إلى «أي حقًا» بمجرد الاستحسان، ولا اقتراح «أوتي حقًا» وتغيير بنية النص بحجة أن العبارة الأولى لا تستقيم لغويًا؛ فالمخطوطات لا تعالج بالتخمين.
تبرئة عبد الرزاق من الإرجاء
لم يثبت عن أئمة الجرح والتعديل رمي عبد الرزاق بالإرجاء، مع ثبوت وصفه بتشيع خفيف لا يماثل تشيع الروافض. وذكر المحقق احتمال سماع ابن زنجويه الحكاية بعد تغير عبد الرزاق. وحتى لو صحت العبارة على وجه يوهم الإرجاء، فإن النصوص الكثيرة في عقيدته تُرد إليها الكلمة المحتملة، ولا يُجعل الدفاع عنه ذريعة للطعن في المحقق واتهامه بعداوة كتب السنة.
أربعمائة أثر وأعذار الأئمة
نقل يوسف بن أسباط أن أبا حنيفة رد أربعمائة أثر. وبيّنت الحلقة أن مجرد عدم العمل بحديث بلغ غيره لا يساوي رده عنادًا؛ فقد لا يصح عند الإمام، أو يثبت عنده ما هو أقوى، أو يرى الجمع أو النسخ أو دلالة أخرى. وهذه هي الأعذار التي شرحها ابن تيمية في «رفع الملام عن الأئمة الأعلام».
عبارة «لم يولد على الفطرة»
نقل يوسف بن أسباط أيضًا أن أبا حنيفة لم يولد على الفطرة، فحكم المحقق بأن العبارة لا يوافق عليها مسلم لمخالفتها حديث «كل مولود يولد على الفطرة». حاول محمد إيجاد محمل آخر لها، كأن يراد أنه لم يولد في بيئة مسلمة أو لأبوين مسلمين، مع أن هذه المحامل لا تستقيم في أبي حنيفة. وكان الطريق المنضبط الاعتراف بخطأ العبارة والتماس العذر لقائلها، لا اختراع معنى مجهول لها.
ضبط «السُّفْل» وتحويله إلى شتيمة
جاء في أثر هشيم، عندما عورض الحديث بقول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأصحابهما: «إن العلم لا يؤخذ من السفل». رجح محمد معنى أن العلم يؤخذ من الأعلى، أي من النبي ثم الصحابة، ولم يرتض حمله على شتم الأشخاص ووصفهم بالسفلة. لكن طبعة عادل آل حمدان ضبطتها على وجه يشتمل على الشتيمة، فظهر اختلاف القراءة بين محمد وشيخه في نص يستعمل للطعن.
الخلاصة
لم تقدم الحلقة السادسة تحقيقًا جامعًا لمسألة أبي حنيفة، بل قراءة منتقاة مع إعلان ترك التصحيح والتضعيف. وقد أثبتت الآثار التي مر عليها محمد علم الإمام وفقهه ورجوعه إلى الحديث، كما كشفت الحاجة إلى فحص النسخ والأسانيد والسياقات. والمنهج العادل لا يرد طعنًا بغلو مضاد، ولا يتهم محققي كتب السنة، ولا يحول زلة عالم أو خلافًا قديمًا إلى مشروع لإسقاط إمام تلقته الأمة بالقبول.
فيديوهات أُخرى
الصندوق الأسود للحدادية: شاهد عيان يروي نشأة الفرقة ومسار الغلو
