محمد شمس الدين ومسألة إثبات لفظ الذات لله تعالى

الشيخ أبو الفضل المصري 9 أغسطس 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يناقش الشيخ أبو الفضل المصري رسالة محمد شمس الدين في لفظ «الذات»، ويبيّن أن المسألة ليست خلافًا لفظيًا هينًا؛ لأنها تكشف طريقة الرجوع إلى كتب السلف والتعامل مع آثارهم. ولا يقر الحلقة غلو من كفّر محمدًا بسبب المسألة، بل تصرّح بأنه لم يقع بإنكار استعمال اللفظ في خلل عقدي يخرجه من السنة أو الملة، وإنما وقع الخطأ في دعوى أن السلف لم يستعملوه وأنه جرى على ألسنة العلماء تبعًا للمتكلمين.

ماذا قرر محمد شمس الدين؟

فرّق محمد بين إثبات نفس الله تعالى وبين استعمال لفظ «الذات»، فذكر أنه يثبت النفس وينكر صحة استعمال «الذات» بمعنى النفس من جهة اللغة، وأن المتكلمين أول من استعملها بهذا المعنى، ثم درجت على ألسنة علماء جاءوا بعد طبقات السلف الأولى. وأجاز استعمالها عند الحاجة، مع بقائه على أن اللفظ غير صحيح لغة ولا حاجة إليه في الأصل، وحذّر من تكفيره به.

موضع الاعتراض المنهجي

لا يتجه الرد إلى إثبات أن محمدًا أنكر وجود الله أو صفة ثابتة، بل إلى سؤاله عن سلفه في نفي هذا الاستعمال. فدعوى أن اللفظ لم يقله السلف، وأن من استعمله تبع المتكلمين، تصطدم بآثار مبكرة مسندة وباستعمال أئمة أهل السنة له قبل الطبقات التي حصر محمد ظهوره فيها.

أثر ابن عباس في النهي عن التفكر في ذات الله

بدأت الحلقة بما رواه أبو الشيخ الأصبهاني في «العظمة» عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: «فكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله تعالى». ونقلت تحسين الذهبي لإسناده وتجويد ابن حجر له، وعزو الرواية إلى البيهقي وأبي الشيخ وغيرهما. والسياق لا يحتمل معنى الجهة أو مرضاة الله، بل المراد نفس الرب سبحانه؛ وبذلك يثبت استعمال اللفظ في طبقة الصحابة، لا بعد خمس طبقات كما قيل.

تبويب البخاري واستدلاله

بوّب البخاري في كتاب التوحيد: «باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسماء الله عز وجل»، واستشهد بقول خبيب رضي الله عنه: «وذلك في ذات الإله». وعرضت الحلقة شرح ابن حجر لهذا الباب وما أورده من حديث إبراهيم عليه السلام وأثر ابن عباس وأثر أبي الدرداء، ثم انتقلت إلى تقرير ابن عثيمين أن الترجمة تثبت لله الذات مع النعوت والأسماء، وأن البخاري أخذ من إضافة الذات إلى الله جواز الخبر بها عنه.

شرح ابن عثيمين والرد على الاعتراض اللغوي

عرض ابن عثيمين الاعتراض القائل إن «ذات» في أصل العربية بمعنى صاحبة، كقولهم امرأة ذات جمال ودار ذات اتساع، ولا تأتي بمعنى النفس. ثم رد هذا الاعتراض باستعمال البخاري وقول خبيب، وذكر أن اصطلاح المتأخرين جعلها بمعنى النفس، فيقال ذات الله أي نفس الله، وأن هذا هو الذي ذهب إليه البخاري. وأكد أن الذات لا تثبت مجردة عن الصفات، بل ذات موصوفة بصفات الكمال.

شرح الراجحي: خبر لا اسم

نقلت الحلقة شرح عبد العزيز الراجحي لترجمة البخاري، وفيه أن لله ذاتًا مقدسة لا تشبه ذوات المخلوقين، موصوفة بالصفات العظيمة، وأن إثبات لفظ الذات لله من باب الإخبار لا من باب تسمية الله باسم لم يرد. وهذا يضع اللفظ في موضعه: خبر صحيح المعنى، لا اسمًا جديدًا من الأسماء الحسنى.

ابن منده وقوام السنة الأصبهاني

بوّب ابن منده في «التوحيد» للنهي عن المجادلة في ذات الله، وروى حديث «تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله»، مع الإشارة إلى تحسينه بشواهده. كما عقد قوام السنة الأصبهاني في «الحجة في بيان المحجة» فصلًا في بيان ذكر الذات، ونقل قول أهل العلم إن ذات الله حقيقته، وإن الخلق حُجب عنهم كنه ذاته ودُلوا عليه بآياته، وأورد الآثار في النهي عن التفكر في ذات الله.

لفظ «بذاته» في عقائد أهل السنة

انتقلت الحلقة إلى نصوص إثبات علو الله واستوائه على عرشه «بذاته». ففي «المختار من جامع عقائد أهل السنة والأثر» لعادل آل حمدان ورد اعتقاد المزني: «عال على عرشه في مجده بذاته»، مع تفسير إضافة اللفظ بأنها جاءت ردًا على تأويل الجهمية للاستواء. ونُقل عن السجزي اتفاق أئمة، منهم الثوري ومالك والحمادان وابن عيينة وابن المبارك والفضيل وأحمد وإسحاق، على أن الله فوق العرش بذاته وعلمه بكل مكان.

نقول القيرواني والطلمنكي وعلماء الدعوة

ورد في اعتقاد ابن أبي زيد القيرواني أن الله فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه، ونُقل عن أبي عمر الطلمنكي إجماع أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته. كما نقل عادل آل حمدان عن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن تفسير الاستواء في كلام ابن أبي زيد بأنه بذاته، وردّه على من أنكر العبارة لجهله بمذهب السلف والأئمة المتقدمين.

تحرير بكر أبي زيد

استعرضت الحلقة مادة «الذات» في «معجم المناهي اللفظية». فرّق بكر أبو زيد بين ورود اللفظ في كلام المتقدمين مضافًا إلى الله، كما في قول خبيب، وبين اصطلاح المتأخرين حين يريدون الذات الموصوفة بالصفات. ثم قرر أن جماعة من السلف قالوا في باب الاستواء إن الله مستو بذاته على عرشه، وأن هذا اللفظ شاع عند الرد على أهل الأهواء الذين نفوا العلو أو أولوا الاستواء.

لماذا ظهر التصريح بـ«بذاته»؟

لم يكن التصريح بهذه الصيغة في كل سياق معروفًا في عهد الصحابة، كما لم تكن عبارة «القرآن غير مخلوق» هي اللفظ الجاري بينهم؛ لكن ظهور مقالة الجهمية أوجب مزيد البيان. فكما صرّح الأئمة بأن القرآن غير مخلوق عندما وقعت الفتنة، صرّحوا بأن الله فوق عرشه بذاته وبائن من خلقه عندما قيل إنه في كل مكان أو حُرّف معنى الاستواء، ولم يجعلوا هذا البيان اتباعًا للمتكلمين.

نقل السجزي والهروي عن أئمة السلف

نقلت الحلقة قول السجزي في اتفاق الأئمة على أن الله فوق العرش بذاته، وقول أبي إسماعيل الهروي إن أئمة السلف لم تزل تصرح بذلك. ثم أوردت أسماء أئمة استعملوا اللفظ أو نُقل عنهم، ومنهم ابن أبي شيبة والطبري والأشعري والخطابي وابن أبي زيد والطلمنكي وعبد القادر الجيلاني، للدلالة على أن الاستعمال لم يكن حادثًا في طبقة متأخرة تابعة للمتكلمين.

هل اللفظ مولّد؟

فرقت الحلقة بين الأصل اللغوي القديم وبين ثبوت الاستعمال في عصر الاحتجاج. فحتى لو وصفت «الذات» بمعنى النفس بأنها عربية مولدة، فقد ثبت استعمالها في أثر ابن عباس، ورواها الأئمة وأقروها، فصارت عربية مستعملة في هذا المعنى. والخطأ هو أخذ الشطر المتعلق بأصل الوضع اللغوي وترك الشطر الذي يثبت استعمال السلف والأئمة.

استدلال ابن تيمية وابن القيم

عرضت الحلقة نقل ابن تيمية في «درء تعارض العقل والنقل» رواية أبي الحسن الأشعري عن العلماء لأثر ابن عباس، ثم ساق إسناده من طريق عبد الوهاب الوراق. كما أوردت عزو ابن القيم للأثر إلى كتاب السنة لعبد الله بن أحمد في «تهذيب السنن»، ونقله في «الصواعق المرسلة»، مع تخريجه من كتب ابن أبي شيبة وأبي الشيخ وابن بطة والبيهقي، وتحسين الذهبي وتجويد ابن حجر لإسناده.

الفرق بين الاستعمالين

جاء لفظ «في ذات الله» في بعض النصوص بمعنى في جهته ومرضاته، كما في قول خبيب، وجاء في أثر «لا تفكروا في ذات الله» بمعنى نفس الله تعالى. السياق هو الذي يحدد المراد، فلا يصح رد جميع النصوص إلى معنى واحد، ولا إنكار المعنى الثاني مع صراحة الأثر فيه واستدلال الأئمة به.

رفض التكفير وتصحيح الخطأ

ختمت الحلقة برفض تكفير محمد شمس الدين بسبب إنكاره استعمال اللفظ؛ فالغلو لا يعالج بغلو مقابل. لكن هذا لا يمنع بيان أن قوله: إن السلف لم يقولوه، وإن العلماء أخذوه من المتكلمين، قول باطل تخالفه النصوص المسندة واستعمالات أئمة السنة. والخطأ المنهجي هو إصدار حكم واسع قبل استقراء الآثار والرجوع إلى شروح الأئمة.

الخلاصة

ثبت لفظ «الذات» بمعنى النفس في أثر ابن عباس، وأثبته تبويب البخاري وشروح العلماء، واستعمل أئمة أهل السنة لفظ «بذاته» عند تقرير العلو والرد على الجهمية. لذلك لا يصح نسبته في أصله إلى المتكلمين ولا تأخير ظهوره إلى طبقات بعيدة عن الصحابة. والموقف المنضبط يجمع بين أمرين: منع التكفير بهذه المسألة، ورد الدعوى التاريخية واللغوية التي حجبت استعمال السلف للفظ.