لماذا نفرق بين الأشاعرة والجهمية والخوارج؟ الجواب على شبهة ابن شمس
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يجيب الشيخ أبو الفضل المصري عن أخطر شبهة طرحها محمد شمس الدين في حواره بمعرض الكتاب: لماذا لا يكون ثبوت وصف «أشعري» كافيًا للحكم بالبدعة، كما يكفي وصف «خارجي» أو «جهمي»؟ يجمع المقطع نصوصًا لابن تيمية وابن باز والسفاريني وغيرهم تثبت فرقًا جوهريًا: الأشاعرة من الطوائف المنتسبة إلى السنة والجماعة، وافقوا أهل الحديث في أصول كثيرة وردوا على المعتزلة والجهمية والرافضة، ووصفهم ابن تيمية بأنهم أقرب المتكلمين إلى السنة؛ لذلك فرق الأئمة بين طبقاتهم، وردوا أخطاءهم، ونهوا عن تكفير أبي الحسن الأشعري ولعنه، ولم يجعلوا كل منتسب إليهم مبتدعًا أو كافرًا بعينه.
صياغة الشبهة
تقول الشبهة: إذا ثبت أن رجلًا أشعري، والأشاعرة جهمية أو مبتدعة، ثبت تبديعه بلا حاجة إلى نص من عالم في عينه؛ كما أن الخارجي مبتدع بمجرد صحة نسبته إلى الخوارج. وبعضهم يزيد أن جماعات من العلماء كفرت الأشاعرة، فيسوغ عنده تكفير كل أشعري معين.
الأشاعرة من الطوائف المنتسبة إلى السنة
نقل أبو الفضل من «الانتصار لأهل الأثر» أن ابن تيمية تحدث عن التنازع الواقع في الطوائف المنتسبة إلى السنة والجماعة، ثم قال صراحة إن أبا الحسن الأشعري وأصحابه كانوا منتسبين إلى السنة والجماعة، وإن الأشعري انتحل مذهب أحمد واقتدى به.
كان بين كبار الأشاعرة وكثير من أصحاب أحمد موافقة وائتلاف، حتى عد غلام الخلال الأشعري من متكلمة الحنابلة وذكر حججه مع حجج أصحابه. وهذا الوصف والائتلاف لا يذكرهما ابن تيمية في الخوارج أو الجهمية أو الرافضة.
صلة التميميين بالباقلاني والبيهقي
كان الحنابلة التميميون من أعظم المائلين إلى الأشاعرة، وبين أبي الحسن التميمي والقاضي أبي بكر الباقلاني مودة وصحبة. واعتمد البيهقي في عرض اعتقاد أحمد على ما نقله أبو الفضل التميمي، وإن كان غيره أعرف بألفاظ الإمام ومقاصده. فهذا تاريخ تداخل علمي لا يشبه موقف الحنابلة من فرق الضلال الكبرى.
ابن الجوزي بين الأشعرية والحنبلية
وصف ابن تيمية ابن الجوزي بالتناقض في الصفات: يثبت تارة وينفي أخرى، وجعله في ذلك كابن عقيل والغزالي. وقال الذهبي له: «إنك يومًا أشعري ويومًا حنبلي». ومع هذا لم يكفروه ولم يسوغوا تكفيره، بل حفظوا إمامته وردوا اضطرابه.
لماذا قُبل الأشاعرة في الأمة؟
قرر ابن تيمية أن متكلمة الإثبات من الكلابية والكرامية والأشعرية قُبلوا واستُحمدوا عند عموم الأمة لأمرين: إثباتهم أصول الإيمان والنبوة وردهم على الكفار والمشركين وأهل الكتاب، وردهم على الجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية.
وكل من أحب الأشعري أو دافع عنه من علماء المسلمين إنما فعل ذلك لموافقته السنة والحديث في مواضع ودفاعه عنهما في مواضع أخرى. ولولا قربه من السنة لأُلحق بشيوخه المعتزلة كأبي علي الجبائي وأبي هاشم.
القدر الذي امتاز به أبو الحسن
وافق الأشعري السنة في الصفات والقدر والإمامة والفضائل والشفاعة والحوض والصراط والميزان، ورد تناقضات المعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية. وبهذه الموافقات عُرف حقه وقدره ونال القبول. فليس وصفه بالجهمية في بعض المسائل مساواة له بالجهمية المحضة.
منهج أهل السنة في المدح والذم
نقل المقطع من «الفتاوى الكبرى» أن المقصود ليس إطلاق مدح شخص أو طائفة ولا إطلاق ذمها؛ فقد يجتمع في الواحد حسنات وسيئات، ومباحات وأخطاء معفو عنها، فيثاب على حسناته ويذم على سيئاته، ولا يحمد ولا يذم في غير ذلك. وهذا يخالف طريقة الوعيدية التي تجعل الإنسان كله مدحًا أو ذمًا.
الأئمة ينهون عن لعن الأشعري وتكفيره
قال ابن تيمية إن للأشعري كلامًا حسنًا في الرد على أهل البدع يُقبل ويُحمد، وكلامًا خالف فيه بعض السنة يُرد ويُذم إن أصر عليه بعد الحجة. والأئمة المرجوع إليهم خالفوه في مسألة الكلام، ومع ذلك عظموه في أمور أخرى، ونهوا عن لعنه وتكفيره، ومدحوه بما له من المحاسن.
ابن باز: ليس الأشاعرة كالخوارج والجهمية
نقل أبو الفضل نص ابن باز الصريح: الفرق المخالفة لأهل السنة متفاوتة في أخطائها، وليس الأشاعرة كالخوارج والمعتزلة والجهمية بلا شك. وهذا لا يمنع بيان أخطائهم في الصفات، لكنه يمنع التسوية التي تقوم عليها الشبهة.
لا عالم سلفي يكفر النووي وابن حجر
رد ابن باز على من خشي تكفير أئمة الفقه والحديث والتفسير المنتسبين إلى الأشعرية، فقال: ليس من أهل العلم السلفيين من يكفر ابن حجر وأمثاله، وإنما يوضحون أخطاءهم في التأويل وأنها خلاف مذهب السلف. البيان نصح للأمة، لا تمزيق لصفها ولا إخراج لأئمتها من الإسلام.
الأشاعرة من أهل السنة في أبواب
قرر ابن باز أن التأويل في بعض الصفات لا يخرج المسلم عن جماعة المسلمين ولا عن أهل السنة في غير باب الصفات. ويصح أن يقال: الأشاعرة ليسوا من أهل السنة في الأسماء والصفات، وهم منهم في أبواب أخرى. لم يقل هذا التفصيل في الخوارج والجهمية والرافضة.
درجات الإثبات والتجهم
عرض ابن تيمية مراتب الطوائف بين نفي الجهمية وغلو المشبهة. جعل الإثبات في الجملة مذهب الكلابية والأشعرية والكرامية وأهل الحديث وجمهور الصوفية والحنابلة وأكثر المالكية والشافعية وكثير من الحنفية، مع تفاوت في الصفات الخبرية والفعلية والقرآنية.
وشرح أن الأشعري والباقلاني أقرب إلى الإثبات، ثم مال ابن فورك والجويني والقشيري إلى المعتزلة فتغلظ مذهب المتأخرين ووقع التنافر مع الحنابلة بعد زمن من التوالي أو التسالم. فالأشعرية طبقات لا كتلة واحدة.
فضلاء الأشعرية وأصحاب أحمد
سمى ابن تيمية الباقلاني والبيهقي «فضلاء الأشعرية»، وقرر أن التميميين الحنابلة أقرب إليهم في بعض المواضع مع مشيهم على السنة. كما قال إن الأشعري أحسن قولًا وأقرب إلى السنة من ابن عقيل في بعض انحرافاته، وإن الأشعري لم يكن ينتسب إلا إلى أهل الحديث وإمامهم أحمد.
أقرب المتكلمين إلى السنة
قال ابن تيمية إن الأشاعرة لا يرون السيف موافقة لأهل الحديث، وإنهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى مذهب السنة والحديث، وكذلك في الكلابية والكرامية قرب مع وجود مخالفات. فإذا كانوا أقرب فرق الكلام، امتنع جعلهم والجهمية الغلاة درجة واحدة.
التسمية بالأشعرية والاجتهاد
ذكر أن بعض الحنابلة يبدع الانتساب في الأصول إلى الأشعرية والحنبلية معًا، ولا يرى اسمًا إلا الكتاب والسنة. وصف ابن تيمية هذه الطريقة بالجيدة، لكنه جعل المسألة مما يسوغ فيه الاجتهاد، وقرر أن من انتسب إلى الأشعري وقال بمضمون «الإبانة» فهو من أهل السنة وإن كان الانتساب نفسه محدثًا.
العمل قد يكون أهم من النزاع القولي
بيّن ابن تيمية أن جمهور الفقهاء المحققين والصوفية يرون الأعمال أوكد من كثير من مسائل الأقوال المتنازع فيها، وأن مسائل الأصول تشمل العلميات الكبرى والعمليات الكبرى. وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من تفصيل القضايا القولية، لأن العمل لا يتحقق بغير معرفة تفصيله.
ليس كل خطأ عقدي مكفرًا
الكلام في الاعتقاد إذا كان بعلم وبلا مفسدة لا يوجب تكفير كل مخطئ، بل لا بد من شروط التكفير. وقد تكون بعض المسائل واجبة على قوم دون قوم، أو مستحبة، أو مضرة لبعض الناس فلا يجوز إلقاؤها إليهم؛ عملًا بوصية علي وابن مسعود أن يحدث الناس بما تبلغه عقولهم.
تغليظ الإمام ليس حكمًا عامًا
إذا غلظ إمام على قائل مقالة أو كفره، لا يجعل كلامه حكمًا عامًا في كل من قالها حتى تتحقق الشروط. فحديث العهد بالإسلام أو الناشئ في بلد جهل لا يكفر بجحد ظاهر حتى تبلغه الحجة، كما أن الإمام القديم قد يعذر لعدم بلوغ الدليل ولا يعذر المتأخر بعد بلوغه.
النظر في المقالة ثم القائل
وضع ابن تيمية أصلًا ذا مرحلتين: ينظر أولًا في المقالة، أحق هي أم باطل أم تقبل التفصيل؛ ثم ينظر في القائل وأحواله وقيام الحجة والشروط والموانع. والحكم في الأعيان لأهل العلم، لا لكل من جمع عبارة من كتاب.
أئمة وصفهم العلماء بالإمامة
استشهد بكتاب لابن عيسى النجدي يصف الخطابي والخطيب وأبا الحسن الأشعري وابن عبد البر والإسماعيلي بالإمامة، مع أن الخطاب الحدادي يلحق بعضهم بالجهمية. هذه الألقاب العملية تؤكد أن الأئمة لم يسووا بينهم وبين رؤوس الجهمية.
من قال إن أهل السنة ثلاث طوائف؟
ذكر السفاريني أن أهل السنة ثلاث فرق: الأثرية وإمامهم أحمد، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن، والماتريدية وإمامهم أبو منصور. وكرر تقسيمًا قريبًا عبد الباقي الحنبلي وعبد القادر بن يحيى الحنبلي. المقطع لا يحسم صحة الإطلاق المطلق، لكنه يحتج بوجوده: لم يقل عالم معتبر إن الجهمية أو الروافض أو الخوارج من طوائف أهل السنة.
الأشعرية الأثرية
نقل أبو الفضل استعمال بعض العلماء عبارة «الأشعرية الأثرية»، وذكر ورودها عند المقريزي ونقلها عبد الله شاكر وعبد الرحمن دمشقية. لم توجد في كلام العلماء عبارة «الجهمية الأثرية» أو «الروافض الأثرية»، مما يثبت أن النسبة الأشعرية نفسها تحتاج إلى معرفة الطبقة والمضمون.
إلزام الخليفي بقاعدته في أبي ثور وابن خزيمة
سُئل الخليفي لماذا بدع أبو ثور ولم يبدع ابن خزيمة، فأجاب بأن العلماء فرقوا بينهما، وإذا لم ندرك الفارق علمنا أن عندهم فارقًا. يلزمه أبو الفضل بالمبدأ نفسه: علماء السنة فرقوا بين الأشاعرة والماتريدية وبين فرق الضلال، فعليهم أن يلزموا الأدب ولا يسووا من فرق الأئمة بينهم.
الخلاصة
قد يسمي ابن تيمية الأشاعرة جهمية باعتبار ما وافقوا فيه التجهم، لكن الجهمية درجات: الغلاة الذين كفرهم السلف، ثم المعتزلة، ثم الأشاعرة الأقرب إلى أهل السنة. لذلك لا يساوي وصف «أشعري» حكم «جهمي محض» أو «خارجي»، ولا ينتقل حكم المقالة إلى كل معين بلا تفصيل وحجة وعلم.
فيديوهات أُخرى
تفنيد مباهلة ابن شمس في السيوطي وأبي حنيفة والنووي
