نقض «استقراء» ابن شمس: ابن الجوزي وصلاح الدين يهدمان القاعدة

الشيخ أبو الفضل المصري 21 أغسطس 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يرد الشيخ أبو الفضل المصري على قاعدة أعلنها محمد شمس الدين في حواره بمعرض الكتاب: المنتسب إلى فرقة مبتدعة مبتدع بمجرد النسبة، أما من وقع في أخطاء بلا انتساب فتراعى فيه الشروط والموانع. ويثبت أن ابن شمس نقض القاعدة في الحوار نفسه؛ فبدّع ابن الجوزي مع أنه حنبلي غير منتسب إلى فرقة بدعية، بينما لم يطرد قاعدته في صلاح الدين الأيوبي الأشعري الذي وصفه ابن تيمية من ملوك السنة، ولا في الخطيب البغدادي المنسوب إلى الأشعرية. ثم يبين أن دعوى استقراء أقوال السلف ليست صنعة متصدر على يوتيوب، بل عمل أئمة يحيطون بالنصوص والتطبيقات وقواعد الجرح والتعديل.

ما معنى الاستقراء ومن يقدر عليه؟

الاستقراء ليس جمع نصوص متفرقة ثم استخراج قاعدة سريعة، بل الاطلاع على كل أقوال الباب أو جلها، مع تقعيدات أهل السنة المؤثرة وتطبيقات الأئمة على الأعيان. وباب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد من أعقد أبواب الأمة، تتصل به أحكام الإيمان والكفر والبدعة والزندقة.

حتى استقراء جميع روايات الإمام أحمد يعسر على طلاب العلم؛ فالمطبوع لا يساوي كل المنقول، وكثير من الروايات مفقود. لهذا يكون نفي العالم علمًا إذا أحاط، أما نفي الجاهل فنتاج جهله بما لم يطلع عليه.

القاعدة التي أعلنها ابن شمس

قرر ابن شمس أن من نُسب إلى طائفة مبتدعة يحكم عليه بالبدعة، وشبّه ذلك بوصف الخارجي: متى ثبتت النسبة ثبت التبديع. أما غير المنتسب الذي وقع في مسألة أو مسائل فيحتاج الحكم عليه إلى استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.

ويبين أبو الفضل أن ضم مقدمات الخطاب الحدادي بعضها إلى بعض ينتهي إلى سلسلة خطرة: الأشعري مبتدع، والأشعري جهمي، والجهمي كافر؛ ومن هنا جاء تكفير بعض رموزهم للنووي أو تسويغ تكفير ابن حجر مع غياب أي إمام معتبر حكم بذلك.

ابن الجوزي ينقض النصف الأول من القاعدة

سُئل ابن شمس في الحوار نفسه عن ابن الجوزي فقال: مبتدع. لكن ابن الجوزي حنبلي لم ينتسب إلى المعتزلة أو الأشعرية أو الصوفية أو فرقة كلامية، وإنما وقع في أخطاء واضطراب في الصفات. ووفق قاعدة ابن شمس نفسه كان الواجب بحث الشروط والموانع قبل إطلاق الحكم.

دراسة أكاديمية لعقيدة ابن الجوزي

قرأ أبو الفضل من دراسة محققي «تلبيس إبليس»، وهي في أصلها رسالتا دكتوراه في العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود. بعد فحص المطبوع والمتاح من مخطوطات ابن الجوزي خلصت إلى موافقته أهل السنة عمومًا، مع خطئه في الصفات وبعض مسائل التبرك بالقبور.

كان مضطربًا في الصفات: يثبت تارة، ويفوض تارة، ويؤول أخرى. ولم تصدر أخطاؤه عن انتساب إلى مذهب بدعي، بل عن تقليد بعض العلماء وعن رد فعل على غلو بعض الحنابلة في الإثبات.

مواقفه من الكلام والفرق

حث ابن الجوزي على السنة وذم علم الكلام وأهله وعظّم النقل وكلام السلف. وحذر من تعظيم القبور والصلاة عندها، وإن ذكر في مواضع تبركًا غير مشروع. وانتقد الخوارج والرافضة والمعتزلة والأشاعرة والصوفية، وعيب على الخطيب البغدادي تعصبه للمتكلمين والأشاعرة مع كونه صاحب حديث.

ميزان ابن القيم والذهبي في ابن الجوزي

قرر ابن القيم أن الرجل الجليل صاحب القدم الصالحة والآثار الحسنة قد تقع منه هفوة يكون فيها معذورًا بل مأجورًا لاجتهاده، فلا يتبع في زلته ولا تهدر مكانته وإمامته. وقرر الذهبي أن الإمام كثير الصواب المعروف بتحري الحق وسعة العلم والصلاح والورع يغفر له زلله؛ فلا يقلد في بدعته ولا تطرح محاسنه.

وهذا هو حكم الأئمة في ابن الجوزي: ردوا أخطاءه ولم يخرجوه من أهل السنة. لذلك يسأل المقطع: من سبق ابن شمس إلى إطلاق التبديع عليه على هذا الوجه؟

الخطيب البغدادي واختبار ثبات القاعدة

نسب ابن عساكر الخطيب إلى الأشعرية، ووافقه ابن المبرد الحنبلي، واتهمه ابن الجوزي بالتعصب للأشاعرة وعلى الحنابلة. فإذا كانت النسبة وحدها كافية للتبديع، فلماذا لم يبدعه ابن شمس؟ السؤال لا يقرر أشعرية الخطيب حكمًا نهائيًا، بل يكشف اضطراب تطبيق القاعدة بالمصادر التي يعتمدها ابن شمس نفسه.

صلاح الدين يهدم النصف الآخر

صلاح الدين الأيوبي منتسب إلى الأشعرية ونشر مذهبها، ومع ذلك لم يسمه علماء السنة مبتدعًا أو جهميًا، ولم يسوغوا تكفيره. وحين سئل عنه ابن شمس لم يطبق قاعدته، بل اكتفى بعبارة أن الله ينصر الدين بالرجل الفاجر، فغمزه من غير مواجهة ثناء الأئمة عليه.

ابن تيمية: صلاح الدين من ملوك السنة

نقل أبو الفضل من عدة كتب لابن تيمية أن مصر فتحها ملوك السنة مثل صلاح الدين، وأن كلمة السنة المخالفة للرافضة ظهرت فيها بعده، وكثر العلم والسنة. ووصف قوات نور الدين وصلاح الدين بالغزاة المجاهدين، وقرر أن الإسلام والسنة والجماعة ظهرت بمصر حين انتزعها صلاح الدين من العبيديين وخطب للعباسيين.

ثناء ابن كثير وابن المبرد

ترجم ابن كثير لصلاح الدين في «البداية والنهاية» وذكر زهده وورعه وصلاحه، ووصفه ابن المبرد في أحكام الإمامة بأنه السلطان الكبير المجاهد الملك الناصر صاحب الفتوحات. لم تمنعهم معرفتهم بمذهبه من حفظ جهاده ونصرته للسنة.

ثلاثة نقوض لقاعدة واحدة

انتهى المقطع إلى ثلاثة أمثلة: ابن الجوزي غير منتسب إلى فرقة فبدعه ابن شمس بلا إقامة شروط وموانع؛ صلاح الدين منتسب إلى الأشعرية فلم يبدعه أئمة السنة بل عظموه؛ والخطيب منسوب إلى الأشعرية في المصادر التي يعتمدها ابن شمس لكنه لم يجر عليه الحكم. فالقاعدة غير منضبطة، وأول من خرقها صاحبها.

لماذا لا يجوز للمقلد فتح باب التجريح؟

قال ابن شمس: لو قلدت إمامًا كابن يحيى الذهلي في تبديع شخص فهل أُعذر؟ يجيب أبو الفضل بأن فتح هذا الباب يتيح لكل مقلد أن يختار جرح إمام لإمام: يقلد مالكًا في ابن إسحاق، أو ابن إسحاق في مالك، أو ابن معين في الشافعي، أو أبا حاتم وأبا زرعة ومحمد بن يحيى في البخاري ومسلم؛ فلا يسلم أحد.

الخيارات الثلاثة في قبول الجرح

إما قبول كل طعن، فيسقط الجميع؛ أو رد كل طعن، فيختلط أهل السنة بأهل البدع ويلغى علم الجرح والتعديل؛ أو قبول بعض الجرح ورد بعضه بميزان أهل الحديث. الثالث وحده صحيح، وله شروط في الجارح والمعدل والمحكوم عليه، وقواعد في تفسير الجرح والتعارض والشروط والموانع.

الخلاصة

أعراض المسلمين حفر من النار وقف على شفيرها المحدثون والقضاة، ومن ليس محدثًا ولا قاضيًا يسعه السكوت والتعلم. والاستقراء والحكم على الأعيان صنعة الجهابذة، لا بابًا يفتحه المقلد لنفسه ثم يغيّر تطبيق القاعدة من اسم إلى آخر.