ابن عبد الهادي وابن تيمية: إنصاف ابن حزم مع رد تجهمه

الشيخ أبو الفضل المصري 18 أغسطس 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يرد الشيخ أبو الفضل المصري على طعن الخليفي في إنصاف الذهبي لابن حزم، فيعرض أن محمد بن عبد الهادي نفسه وصف ابن حزم بأنه «جهمي جلد» في باب الأسماء، ثم صدر ترجمته بألقاب الإمام والعلامة والفقيه والحافظ وأحد الأعلام. ويضيف شهادات الحميدي وابن بشكوال وابن تيمية، ثم شهادة تلميذ ابن تيمية بتعظيم شيخه لأبي الحسن الأشعري والباقلاني والجويني وإنصافه الغزالي؛ ليثبت أن الجمع بين رد الخطأ وحفظ فضل العالم هو طريقة الأئمة، لا تمييعًا يستحق إسقاط الذهبي.

هل يقبل الخليفي ميزان ابن عبد الهادي؟

بدأ أبو الفضل بسؤال الخليفي الذي يعتمد على ابن عبد الهادي: هل يقبل كلامه كاملًا في ابن حزم، أم يطرح ما لا يوافق طريقته؟ ففي «طبقات علماء الحديث» سمى ابن عبد الهادي ابن حزم: الإمام العلامة الفقيه الحافظ أحد الأعلام، وذكر انتهاءه في الذكاء والحفظ والاطلاع، واجتهاده وكثرة تصانيفه.

الثناء الواسع ثم وصف التجهم

نقل ابن عبد الهادي ثناء أهل العلم على سعة معرفة ابن حزم بعلوم الإسلام واللسان والبلاغة والسير، وعلى حفظه وفقهه واستنباطه وعمله بعلمه. ثم قال بعد اطلاعه على أكثر «الملل والنحل» إنه وجده قوي الذكاء واسع الاطلاع، لكنه «جهمي جلد» لا يثبت من معاني الأسماء إلا القليل، وينفي دلالة أسماء مثل الرحيم والعليم والقدير على معانٍ قائمة.

وصف الخطأ لم يسقط الإمامة

لم يمنع نقده الحاد في باب الأسماء من وصف ابن حزم بالإمام والعلامة والفقيه والحافظ. فهذا الجمع نفسه الذي يعترض الخليفي على الذهبي لأجله: يحدد العالم موضع التجهم والخلل، ثم لا يمحو ما ثبت من العلم والإمامة والدين.

شهادتا الحميدي وابن بشكوال

وصف الحميدي ابن حزم بأنه حافظ عالم بعلوم الحديث وفقهه، مستنبط للأحكام، متفنن في علوم كثيرة، عامل بعلمه، زاهد بعد الرياسة، وقال إنه لم ير مثله فيما جمع من الذكاء وسرعة الحفظ وكرم النفس والتدين. ونقل ابن بشكوال هذه الشهادات وثناء صاعد بن أحمد عليه بأنه أجمع أهل الأندلس لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة.

ميزان ابن تيمية في ابن حزم

قرر ابن تيمية أن ابن حزم يُحمد حيث وافق السنة والحديث في مسائل القدر والإرجاء، وأنه يثبت الأحاديث الصحيحة ويعظم السلف وأئمة الحديث، لكنه خلط في الصفات أقوال الفلاسفة والمعتزلة، فوافق أهل الحديث في اللفظ وخالفهم في المعنى، ووقع في نفي المعاني والوقيعة في الأكابر.

ومع هذا النقد قال إن لابن حزم من الإيمان والدين والعلوم الواسعة ما لا يدفعه إلا مكابر، وإن في كتبه من كثرة الاطلاع ومعرفة الأحوال وتعظيم دعائم الإسلام وجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره. فالعدل لم يمنع النقد، والنقد لم يمنع الاعتراف بالإيمان والدين والعلم.

لو طُبّق معيار الخليفي على ابن تيمية

يحذر أبو الفضل من أن فحص كلام ابن تيمية وابن القيم بالعدسة التي استُعملت ضد الذهبي سينتهي إلى الطعن فيهما أيضًا؛ لأنهما يكثران من إنصاف المخالف وذكر محاسنه مع رد انحرافه.

شهادة ابن قاضي الجبل

استشهد المقطع برسالة لابن قاضي الجبل، تلميذ ابن تيمية، يرد فيها دعوى تحامل شيخه على الأشاعرة. شهد بأنه كان يعظم أبا الحسن الأشعري، ويذكر سعة علمه وحدّة فهمه وكثرة تصانيفه وفصاحة عبارته، ويسرد من حفظه كلامه في «الإبانة» ومدحه للإمام أحمد.

كما كان يعظم أبا بكر الباقلاني، ويبجل أبا المعالي الجويني ويذكر فضائله وتصانيفه، وتعجب من حسن عبارة أبي حامد الغزالي وجزالة إشارته. ولم يمنعه ذلك من الرد عليهم فيما أحدثوه؛ لأن الرد على الخطأ لا يعني اتهام علماء المسلمين المشهورين بقصد إبطال الحق أو تحقيق الباطل.

الخلاصة

تكشف هذه النقول أن إنصاف الذهبي ليس شذوذًا ولا تساهلًا، بل امتداد لطريقة ابن عبد الهادي وابن تيمية وتلاميذهما: بيان الانحراف بأقوى لفظ يحتاجه العلم، مع عدم جحد الإيمان والدين والإمامة والفضل الثابت. ومن يطعن في الذهبي لهذا السبب سيجد المعيار نفسه يرتد على الأئمة الذين يعتمد عليهم.