هل انتهى علماء الأمة بعد الإمام أحمد؟ تفكيك إسقاط الثناء على النووي

الباحث طارق السيد أبو عمر - قناة مكافح الشبهات 14 فبراير 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يناقش الباحث طارق السيد أبو عمر جواب محمد شمس الدين عن سؤال: ما رأي علماء الأمة في الإمام النووي؟ فقد صرف ابن شمس السؤال إلى أن أحمد بن حنبل لم يدرك النووي، ثم صنّف المادحين بعده بين أشاعرة، ومن لم يعرف عقيدة النووي، ومن غلبته شهرته. وتكشف الحلقة أن هذا الجواب لا يطعن في النووي وحده، بل يجهّل أجيال العلماء الذين قرؤوا كتبه وأثنوا عليه طوال ثمانية قرون، ومنهم أئمة على عقيدة السلف؛ ثم يجعل وصف «علماء الأمة الحقيقيين» حكرًا على عصر لم يدرك النووي أصلًا.

لماذا عاد أبو عمر إلى الرد؟

صوّر أبو عمر الحلقة قبل أشهر ثم أخر نشرها مع أحداث غزة ومرضه ومرض زوجته، مفضلًا الاشتغال بما أصاب المسلمين. لكنه عاد إليها بعد استمرار الطعن في علماء الإسلام وامتداده إلى دعاة أحياء وأصحاب مشروعات نافعة، فرأى أن السكوت لم يوقف هذا المسار.

السؤال عن علماء عرفوا النووي

حين يسأل أحد عن رأي العلماء في شخص متأخر، ينصرف السؤال بداهة إلى معاصريه وتلاميذه ومن جاء بعده وقرأ كتبه واطلع على حاله، لا إلى إمام مات قبل مولده بقرون. كما أن السؤال عن رأي العلماء في ابن عثيمين لا يجاب عنه بأن أحمد بن حنبل لم يدركه.

لهذا لا يجيب استحضار الإمام أحمد عن السؤال، بل يتجاوز طبقات العلماء الأقرب معرفةً بالنووي: أقرانه، وتلاميذه، وأصحاب التراجم، وشراح كتبه، ومن ناقش تأويلاته تفصيلًا.

ثلاثة مقاعد لكل من مدح النووي

قسم جواب ابن شمس المادحين إلى فئات: الأشاعرة يمدحونه لموافقته مذهبهم، وغير الأشاعرة لم يعرفوا عقيدته، وآخرون غلبتهم شهرته. وبذلك لا يبقى عالم يمكن قبول شهادته؛ فكل من أثنى على النووي يوضع مسبقًا في تصنيف يرد ثناءه.

هذا التصنيف يشمل الذهبي وابن كثير وابن رجب وغيرهم ممن عرفوا كتب النووي وردوا عليه في مواضع ولم تمنعهم المخالفة من الشهادة بإمامته. كما يشمل المتأخرين الذين قرؤوا تراثه وميّزوا بين فضله وأخطائه.

دعوى الفهم المنفرد

يلزم من هذا الجواب أن آلاف العلماء خلال ثمانية قرون لم يفهموا حقيقة كلام النووي، وأن شخصًا متأخرًا انفرد بقراءته الصحيحة ولم يتأثر بشهرته. وهذا لا يهدم شهادتهم في النووي فقط، بل يضعف الثقة في أحكامهم على الرجال عمومًا؛ إذ يجوز وفق هذه الدعوى أن تتفق طبقاتهم على الجهل بحال رجل مشهور واسع التصنيف.

لماذا لم تُذكر أقوال العلماء؟

الجواب المباشر كان يقتضي عرض أقوال العلماء في النووي أولًا، ثم مناقشة ما يراه المجيب خطأً فيها بالدليل. لكن الحلقة ترى أن تجنب ذكرها سببه وضوح اتفاقهم على الثناء عليه مع تحفظهم على زلاته، وأن عرض هذا الاتفاق سيكشف عزلة حكم ابن شمس عنه.

«العلماء الحقيقيون» ومشكلة إغلاق التاريخ

بلغ الجواب ذروته بتقرير أن علماء الأمة الحقيقيين هم علماء السلف الذين لم يدركوا النووي. وإذا أريد بهذه العبارة إسقاط أهلية من جاء بعد القرن الثالث، لزم أن تنتهي مرجعية الجرح والتعديل والحكم على الرجال بانتهاء ذلك العصر، وألا تثبت إمامة ابن تيمية والذهبي وابن كثير وابن القيم وابن رجب وابن عثيمين؛ لأن أحمد لم يدرك واحدًا منهم.

وينقض حديث بعث المجددين على رأس كل مئة سنة هذا الإغلاق؛ فالخير والعلم باقيان في الأمة. وينقل الفيديو تفسير ابن كثير للتجديد بأنه يعم حملة العلم العاملين به من المفسرين والمحدثين والقراء والفقهاء وأصحاب العلوم النافعة، لا شخصًا واحدًا ولا عصرًا منقطعًا.

المجددون والثناء المستمر على النووي

أيًّا كانت الأسماء التي يختارها المرء للمجددين والعلماء بعد عصر النووي، يظل الثناء على إمامته ظاهرًا في كلامهم. فلم تمنعهم معرفتهم بأخطائه العقدية من الانتفاع بكتبه، ولا حملهم الرد على التأويل إلى إسقاط علمه ودينه.

تشابه طريق إسقاط العلماء

تقارن الحلقة هذا المسلك بخطاب أصحاب الشبهات الذين يبدأون بإهدار مرجعية العلماء حتى ينفردوا بتوجيه الجمهور. والمشكلة هنا أوسع من رأي في النووي؛ لأنها تجعل كل شاهد من العلماء غير صالح متى خالف الحكم المطلوب، ثم تبقي صاحب الحكم وحده مرجعًا على الجميع.

النتيجة

لم تؤد حملات الطعن إلى أن يترك علماء المسلمين كتب النووي أو يمنعوا الناس من علمه. بقيت أخطاؤه معروفة ومردودة، وبقيت إمامته ونفعه محفوظين. وتخلص الحلقة إلى أن الدفاع عن هذا الميزان دفاع عن أمانة العلماء جميعًا: يُرد الخطأ، لكن لا يجهّل تاريخ علمي كامل لإسقاط إمام واحد.