ثلاث دعاوى لدمشقية: تقسيم البدعة وفلسفة أرسطو والاستغاثة بالنبي
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يتعقب الشيخ أبو الفضل المصري في هذا الفيديو ردًّا لعبد الرحمن دمشقية وجّهه إلى عبد الله العبيد، وناقش فيه أبا عمر الباحث وأبا الفضل. ويركز على ثلاث دعاوى: أنهما يجيزان تقسيم البدعة، ويبيحان الفلسفة، ويجوزان الاستغاثة بالنبي ﷺ. ويقول إن الثلاثة بُنيت على الخلط بين حكاية قول العلماء وبين اختياره، وبين إعذار القائل وبين تصحيح قوله.
هل دافعا عن تقسيم البدعة؟
يبدأ المقطع بإنكار قول دمشقية إن أبا عمر يبرر تقسيم البدع إلى حسنة وسيئة. ويقرر أبو الفضل أن اختياره المعلن في كتابه وردوده هو أن البدعة الشرعية لا تنقسم وأن كل بدعة ضلالة، لكنه يثبت في الوقت نفسه أن طائفة من علماء أهل السنة قالت بالتقسيم، فلا يطعن فيهم ولا يتهمهم بمعارضة الحديث.
ويعرض أثر الشافعي: «المحدثات من الأمور ضربان»، ويقول إنه صح عنه من طرق، وإن ابن تيمية صحح نسبته إليه. وبما أن النووي شافعي المذهب، فقد جرى في تقسيمه على تأصيل إمامه. فإذا كان مجرد هذا التقسيم معارضةً لحديث «كل بدعة ضلالة»، لزم توجيه الاتهام نفسه إلى الشافعي، وهو ما يرفضه المتحدث.
ويشرح وجه الجمع الذي ذكره ابن رجب وغيره: يحمل لفظ البدعة الحسنة على البدعة اللغوية أو على أمر قام الدليل الشرعي على أصله، كجمع الناس على التراويح في قول عمر: «نعمت البدعة هذه»، وتبقى البدعة التي تضاهي الشرع بلا أصل داخلةً في الذم. ويذكر استعمال بعض السلف لفظ البدعة حتى في محدثات دنيوية كالمنخل، مما يؤكد اتساع الاستعمال اللغوي.
ولا يجعل المتحدث هذا الجمع لازمًا لكل أحد؛ فالراجح عنده وعند من يذكرهم من ابن تيمية والشاطبي وابن رجب عدم تقسيم البدعة الشرعية. لكنه يرى أن الخلاف ثابت بين علماء معتبرين، وأن الموقف العلمي هو بيان الراجح مع التماس وجهٍ صحيح لكلام المخالف، لا وصفه بأنه عارض الرسول ﷺ.
هل قال النووي إن التوحيد فلسفة أرسطو؟
يرد الفيديو على قول دمشقية إن النووي جعل فلسفة أرسطو هي علم التوحيد. ويؤكد المتحدث أن النووي لم يقل هذه العبارة، بل نص صراحةً على تحريم الفلسفة، ونقل ذم الشافعي الشديد لعلم الكلام وأقره. كما يذكر قصة إخراجه كتاب «القانون» لابن سينا من بيته حين شعر بظلمة في قلبه.
ويفكك الاستنتاج هكذا: القول بجواز أو وجوب دليل كلامي في حالة خاصة لا يعني أن كل علم الكلام فلسفة، ولا أن الفلسفة علم التوحيد. فهذه لوازم رتبها الناقد ثم نسب نتيجتها إلى النووي، مع أن «لازم المذهب ليس بمذهب» ما لم يلتزمه صاحبه، وهنا صرح النووي بنقيض اللازم بتحريم الفلسفة.
أما استثناء النووي فهو ضرورة نادرة: شخص عرضت له شبهة في أصل الاعتقاد ولم يجد طريقًا لإزالتها إلا بدليل من هذا الباب، أو عالم يحتاج إلى معرفة حجة أهل الكلام ليرد عليهم. ويقول أبو الفضل إن هذا التفصيل نفسه قرره ابن عثيمين وابن حمدان، وشرحه الألباني، وله نظائر عند ابن تيمية، فلا يصح تحويله إلى دعوة عامة للفلسفة.
ويضيف أن وصف النووي بعض أهل العلم بـ«أصحابنا المتكلمين» لا يجعله من الفلاسفة؛ فقد استعمل الذهبي تعبيرًا قريبًا، وتحدث ابن تيمية عن «متكلمة أهل الحديث». ولو سلمت نسبته إلى الأشعرية لكان ـ بحسب تصنيف يعرضه الفيديو ـ من الأشعرية الأثرية المرتبطة بالحديث، لا من متفلسفة الأشاعرة.
العذر بالجهل والعذر بالتأويل
يسخر دمشقية في المقطع المعروض من «بدعة جديدة» يسميها العذر بالجهل. فيجيب أبو الفضل بأن الإعذار ليس مطلقًا: ليس كل جهل معتبرًا ولا كل تأويل سائغًا، لكن العالم قد يصله النص ويفهمه ثم تعارضه شبهة يظنها حجة، فيخطئ متأولًا وهو يقصد الهدى.
ويشير إلى أن بعض العلماء يجعل التأويل قسمًا مستقلًا، وبعضهم يدخله في الجهل؛ لأنه جهل مركب. وينسب إلى ابن عثيمين في شرح «القواعد المثلى» و«لمعة الاعتقاد» تفصيل أنواع التأويل ومواضع العذر. كما يذكّر بأن كتاب دمشقية القديم «موسوعة أهل السنة» نفسه قرر صورًا من الإعذار.
هل أجازا الاستغاثة بالنبي ﷺ؟
ينفي المتحدث ذلك صراحةً، ويقرر أن الاستغاثة الشركية بالنبي ﷺ محرمة، وأن محل دفاعه وأبي عمر ليس الفعل بل الشخص المعيّن الذي قد يفهم لفظ «الاستغاثة» بمعنى التوسل. وينقل أن بعض المتأخرين كالسبكي وابن حجر الهيتمي والسيوطي سوّوا في اصطلاحهم بين الاستغاثة والتوسل والتوجه، وقد يكون تقدير كلامهم: استغثت بالله متوسلًا بالنبي.
لا يصحح أبو الفضل هذا الاصطلاح، لكنه يجعله شبهة تمنع التكفير؛ مثل الدفاع عن مرتكب الكبيرة من حكم الخوارج: فمن نفى كفر الزاني لا يكون قد دافع عن الزنا. وبالمثل، من منع تكفير عالم أخطأ في لفظ الاستغاثة لا يكون قد أجاز الاستغاثة.
ويقول إن دمشقية نفسه شرح هذا الوجه قديمًا في «موسوعة أهل السنة» عند كلامه على السبكي وغيره، فلو صار هذا الشرح تجويزًا للشرك للزم اتهام صاحب الموسوعة والعلماء الذين أثنوا عليها. ويطالب بتطبيق معيار واحد على الصرصري الذي نُقلت عنه عبارات «بك أستغيث وأستعين وأستنجد»، وعلى من ذكرهم ابن تيمية وعبد اللطيف آل الشيخ من أهل الدين والصلاح الذين وقعوا في ألفاظ استغاثة من غير أن يُسقطهم العلماء.
الرد على عبارة «لا قيمة لردودكم»
يعرض الفيديو إقرار دمشقية بأنه لم يطّلع على أكثر الردود، ثم قوله إن الردود لا قيمة لها إذا آلت إلى معارضة «كل بدعة ضلالة». فيعترض أبو الفضل بأن من لم يسمع الجواب لا يصح أن يكرر الدعوى ثم يحكم ببطلان ما لم يقرأه، خصوصًا أن الردود بُنيت ـ كما يقول ـ على كتب دمشقية نفسه ثم على مصادر يقرها.
كما يستحضر رسالة ابن تيمية «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» في تقرير أن أئمة الأمة لا يتعمدون مخالفة الرسول ﷺ، وإنما قد يتركون ظاهر نص لاعتقادهم نصًّا آخر أو قاعدةً أخرى. فمجرد خطأ العالم لا يحوله إلى معارض للوحي.
لماذا يتكرر سؤال: ما الذي تغيّر؟
ينكر المتحدث أن الرجوع عن الخطأ عيب، لكنه يفرق بين رجوعٍ إلى الحق ورجوعٍ عن قواعد أهل السنة التي دوّنها العالم من قبل إلى الغلو. ولذلك يبرر سؤال أبي عمر لدمشقية: هل ما كتبه عقودًا باسم «موسوعة أهل السنة» كان موافقًا لأهل السنة أم مخالفًا لها، وإذا كان موافقًا فما سبب التخلي عن ضوابطه في التكفير والتبديع؟
خلاصة الحلقة
ينتهي الشيخ أبو الفضل إلى رد الدعاوى الثلاث: لم يختارا تقسيم البدعة، بل حكيا خلاف العلماء ورجحا عدم التقسيم؛ ولم يبيحا الفلسفة، بل نقلا تحريمها وشرحا استثناءً محدودًا للرد أو دفع الشبهة؛ ولم يجيزا الاستغاثة، بل منعاها ورفضا تكفير كل عالم استعمل لفظها متأولًا.
ويرى أن الفرق الحاسم هو بين تقرير الخطأ والعدل مع المخطئ: يمكن رد قول النووي أو الشافعي أو الهيتمي من غير وصفهم بمعارضة النبي أو إسقاط إسلامهم. وهذا ـ في عرض الفيديو ـ هو موضع النزاع مع دمشقية والتيار الذي يؤيده.
فيديوهات أُخرى
الصندوق الأسود للحدادية: شاهد عيان يروي نشأة الفرقة ومسار الغلو
