هل هرب أبو عمر من القرآن؟ رد دعوى دمشقية في إمامة النووي

الشيخ أبو الفضل المصري 23 يوليو 2026

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يرد الشيخ أبو الفضل المصري في هذا الفيديو على عنوانٍ لعبد الرحمن دمشقية وصف فيه أبا عمر الباحث بأنه «الهارب من القرآن»، وذلك في مناقشة قوله تعالى: «وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا». ويبيّن أن أبا عمر لم يهرب من الآية ولا من تفسير ابن باز، بل اعترض على طريقة تنزيلها على الإمام النووي، وعلى الانتقال من وجود أخطاء عند العالم إلى إسقاط إمامته والطعن في دينه.

هل الآية تنفي الإمامة عن النووي؟

يعرض المتحدث استدلال دمشقية بأن أئمة الهدى يهدون بأمر الله، لا بقواعد الفلسفة التي أفضت إلى تعطيل الصفات. ويجيب بأن النووي لم يكن يهدي الناس بالفلسفة؛ فآثاره التي انتفع بها المسلمون ـ كما يسردها الفيديو ـ هي «رياض الصالحين» و«الأربعون» و«الأذكار» و«المجموع» و«روضة الطالبين» و«تهذيب الأسماء واللغات»، وهي كتب في الحديث والذكر والفقه وعلوم الشريعة.

ويفرق كذلك بين الأشاعرة الفلاسفة أو المتكلمين وبين من يسميهم «الأشعرية الأثرية» من علماء الحديث، مثل البيهقي ومن أُلحق به من الخطابي والخطيب البغدادي وابن دقيق العيد وابن الصلاح. فحتى لو سُلّمت نسبة بعضهم إلى الأشعرية، لا يلزم ـ في رأيه ـ أنهم كانوا يهدون الناس بالفلسفة؛ إذ أصل علمهم وتعليمهم قائم على الكتاب والسنة.

رواية عن ابن باز في لفظ «الإمام»

يناقش المقطع روايةً عن أحد تلاميذ ابن باز أن قارئًا قال في مجلسه: «قال الإمام النووي»، فطلب الشيخ أن يقال: «قال الحافظ النووي»؛ لأن النووي ليس إمامًا من كل وجه، وله مسائل في الاعتقاد خالف فيها طريقة أهل السنة والحديث.

لا ينكر المتحدث هذه الرواية، لكنه يضعها بجوار مواضع كثيرة ـ يقول إنها في فتاوى ابن باز وشروحه ـ وصف فيها النووي بالإمامة، وترحم عليه وأثنى على علمه وحفظه. ولذلك يرى أن الواجب إما إثبات المتقدم والمتأخر من القولين، أو الجمع بينهما: فيقال إن النووي ليس مقتدىً به في المسألة التي أخطأ فيها، لكنه يبقى إمامًا في وجوه كثيرة من العلم والدين.

ويشدد على أن كلام ابن باز المذكور لم يصف النووي بأنه جهمي أو زنديق أو كافر، ولم يسوّغ تكفيره؛ بل ينسب إلى ابن باز أن من يكفر النووي وابن حجر وأمثالهما ليس من السلفيين، وينقل عن ابن عثيمين أنه لا يعلم أحدًا كفّرهما. ومن ثم فاستبدال لفظ «الإمام» بـ«الحافظ» ـ إن أُخذ به ـ لا يجيز القفز إلى التبديع أو التكفير.

الإمامة لا تعني العصمة

يركز الفيديو على أن الإمام عند أهل السنة ليس معصومًا من كل خطأ. فقد يكون إمامًا في الفقه أو الحديث من غير أن يكون إمامًا في اللغة أو التفسير، وقد يجتهد في مسألة عقدية أو عملية فيخطئ، فلا يُتّبع في خطئه ولا تُهدر بذلك منزلته كلها.

ويقول إن اشتراط السلامة من كل خطأ لإطلاق الإمامة لن يُبقي إمامًا بعد النبي ﷺ؛ فأفراد الصحابة أنفسهم غير معصومين، وإن كان إجماعهم معصومًا. ثم يختبر هذا المعيار بأسماء يقر دمشقية أو من يستند إليهم بإمامتهم رغم وجود مؤاخذات منقولة عليهم:

  • الهروي، الذي يسميه دمشقية شيخ الإسلام، مع ما ينقله الفيديو عن ابن تيمية وغيره من أخطائه في الجبر والحلول وبعض العبارات.
  • ابن حجر، مع مواضع انتقدها ابن باز في تعليقه على «فتح الباري».
  • الألباني، الذي وصفه دمشقية بشيخ الإسلام، بينما يتهمه بعض الحدادية بالإرجاء والتجهم.
  • ابن خزيمة في حديث الصورة، وشريح القاضي في مسألة عقدية، مع بقاء وصف الإمامة والعلم.
  • ابن قدامة وأبو يعلى وغيرهما ممن نُسب بعضهم إلى التفويض.
  • ابن المبرد الحنبلي، مع ما يذكره الفيديو من روايته وتصحيحه أخبارًا صوفية يحتج بها خصومه على غيره.

والسؤال الذي يبنيه المتحدث على هذه الأمثلة: إذا كان كل خطأ عقدي يسقط وصف الإمامة مطلقًا، فهل سيطبق هذا الحكم على جميع هؤلاء، أم يُخص النووي به؟

ماذا كان سؤال أبي عمر الباحث؟

يعرض المقطع كلام أبي عمر الذي سأل دمشقية: إذا كان يعرف الآية ويحفظها منذ زمن كان فيه يصف النووي بالإمام، فما الذي تغير؟ ويوضح الشيخ أبو الفضل أن الاعتراض لم يكن على القرآن ولا على كلام ابن باز، وإنما على قول دمشقية إن تغيّره حصل «حين سمع الآية». فالسؤال: هل لم يكن قد سمعها من قبل، أم طرأ له فهم جديد لها؟

وصف هذا السؤال بأنه جدل أو التفاف على النص لا يجيب عنه. وإذا كان المقصود أنه فُتح له في فهم الآية، فينبغي بيان كيف ينسجم الفهم الجديد مع بقية كلام ابن باز في النووي، وكيف يطبق المعيار نفسه على بقية الأئمة الذين أخطؤوا.

الاعتراض على الانتقائية في النقل

يتهم الشيخ أبو الفضل دمشقية بأنه أخذ موقفًا واحدًا من ابن باز وافق رأيه، وترك عشرات المواضع التي يصف فيها ابن باز النووي بالإمامة والثناء. ويعرض معيارًا يراه منصفًا: جمع كلام ابن باز كاملًا، وكذلك كلام ابن عثيمين والألباني، وقبول الصورة التي تنتج عن مجموع كلام العالم لا عن جملة منفردة.

كما يعترض على أن دمشقية لم يطّلع على رد أبي عمر إلا متأخرًا مع استمرار تكرار الاتهام. ويقول إن من يوجّه نقدًا إلى شخص ثم لا يسمع جوابه قد يعيد الفرية نفسها، ويقيس ذلك على ما يراه من نسبة أقوال إلى النووي لم يقلها.

تناقضات التحالف التي يذكرها الفيديو

ينتقد المتحدث تقارب دمشقية مع شخصيات يختلف معها في قضايا كبيرة: فيقول إن الخليفي يصف بعض كلام دمشقية بأنه من طريق الخوارج، بينما يرى دمشقية أن موقف الخليفي في القضية نفسها أقرب إلى الإرجاء؛ وإن الخليفي يكفّر ابن حجر وابن شمس يسوّغ تكفيره، مع أن دمشقية يثني على ابن حجر. كما يذكر أن بعض الحدادية يطعنون في الألباني الذي يسميه دمشقية شيخ الإسلام.

ويجعل هذه التناقضات أولى بالجواب من اتهام أبي عمر بالجدل؛ فمن كان صادقًا في توقير ابن حجر والألباني ـ كما يقول ـ فعليه على الأقل أن يبيّن خطأ من وصفهما بالتجهم أو الإرجاء أو سوّغ تكفيرهما، لا أن يتحالف معه في الطعن على غيرهما.

خلاصة الرد

ينتهي الفيديو إلى أن الآية الكريمة أصل في إمامة الهدى، لكنها لا تجعل الإمام معصومًا ولا تمنع اجتماع الإمامة مع خطأ يُردّ على صاحبه. والنووي ـ بحسب حجة المتحدث ـ خدم الوحي والفقه والحديث، وأخطأ في مسائل لا يُتابع عليها، فبقيت إمامته التي قررها علماء القرون ولم تتحول أخطاؤه إلى مسوغ للزندقة أو التكفير.

وعليه فقول أبي عمر إن تفسير التغير غير مقنع لم يكن ردًّا لكلام ابن باز، بل اعتراضًا على انتقاء جزء منه وترك باقيه، وعلى ادعاء أن الآية تقتضي إسقاط النووي. ويختم الشيخ بالدعاء بالثبات على الحق والسلامة من الرجوع بعد الاستقامة.