هل يُعذر بالجهل من نسب الولد إلى الله؟ بين حكم العبارة وحكم قائلها

الشيخ أبو الفضل المصري 23 يوليو 2026

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يرد الشيخ أبو الفضل المصري في هذا الفيديو على مقطع منسوب إلى بعض أتباع عبد الله الخليفي، فهموا منه أنه وأبا عمر الباحث يعذران بالجهل من يقول: «محمد ابن الله». ويوضح أن الكلام اقتُطع من بث أطول، وأن جوابه لم يكن إعذارًا لقائل العبارة، بل شرحًا لقاعدة الاستفصال في الأقوال المحتملة قبل تنزيل حكم الكفر على شخص معين.

سياق العبارة التي بُني عليها الاعتراض

يذكر المتحدث أن أبا عمر الباحث حكى عن شاب مسلم كان يناقش نصرانيًّا، فلما قال النصراني إن عيسى ابن الله، أجابه الشاب خطأً بأن محمدًا هو ابن الله. ولم يكن الحديث الأول ـ بحسب المقطع ـ حكمًا على إعذار الشاب أو عدم إعذاره؛ وإنما ذُكرت الواقعة في سياق الكلام على انتشار صور من الجهل، ثم نصحه أبو عمر حتى رجع إلى الصواب.

وبعد ذلك سأل أحد الحاضرين: هل معنى كلامهما أنهما عذرا الشاب بالجهل؟ فأجاب الشيخ بأن الواقعة تدخل في «قاعدة الاستفصال»: إذا كان قول الشخص أو فعله يحتمل أكثر من معنى، سُئل عن مراده وحاله قبل الحكم عليه.

الحكم على العبارة والحكم على القائل

يصرح المتحدث بأن نسبة الولد الحقيقي إلى الله كفر، وأن هذا من أظهر ما يعلمه المسلم؛ لأن سورة الإخلاص تقرر أن الله لم يلد ولم يولد. ولذلك لا يجعل محل البحث عذرَ من عرف هذا المعنى الكفري وقصده، بل يسأل أولًا: هل قصد المتكلم هذا المعنى أصلًا؟ وهل قال اللفظ واعيًا مختارًا، أم سبقه لسانه أو أخطأ في التعبير؟

ويضرب مثالًا بألفاظ قد تبدو منكرة، كقول شخص إن لله «أهلًا» أو «عيالًا» أو «جدًّا». فقد يريد بالأولى حديث «أهل القرآن أهل الله»، أو يتأول الثانية على أثر «الخلق عيال الله»، أو يفهم الثالثة من قوله تعالى: «وأنه تعالى جد ربنا». فالعبارة المحتملة لا يُنزَّل بها الحكم الأغلظ حتى يُعرف مراد صاحبها.

هل تُستعمل «البنوة» لغير معناها الحقيقي؟

يستشهد الفيديو بقوله تعالى عن اليهود والنصارى: «نحن أبناء الله وأحباؤه»، ثم ينقل عن السعدي أن الابن في لغتهم يُراد به الحبيب، وأنهم لم يقصدوا البنوة الحقيقية إلا في اعتقاد النصارى في المسيح. كما ينقل عن الحسن البصري أنهم أرادوا قربهم من الله وحبه لهم كقرب الولد من والده، لا ما قالته النصارى في عيسى.

ويضيف من كلام مقاتل والآلوسي وابن كثير وابن عاشور أن كتب أهل الكتاب أطلقت «أبناء الله» على المقربين والمؤمنين والأولياء، من غير أن تجعلهم في اعتقادها مثل المسيح. ولا يصح للمسلم استعمال هذا اللفظ، لكن وجوده في بيئة يختلط فيها كلام المسلمين بألفاظ أهل الكتاب يجعل احتمال سوء التعبير قائمًا عند بعض العوام، وهو ما يستدعي السؤال قبل الحكم.

أمثلة الاستفصال في النصوص وكلام العلماء

يستدل المتحدث بسؤال النبي ﷺ لمعاذ عندما سجد له: «ما حملك على هذا؟»، فظهر أن السجود كان تحية وتعظيمًا لا عبادة. كما يذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة؛ إذ احتمل فعله معنى الردة واحتمل غرضًا آخر، فسأله النبي ﷺ فبيّن أنه لم يفعله كفرًا ولا ارتدادًا، وإنما أراد يدًا عند قريش تحمي أهله.

وينقل عن الشافعي أن فعل حاطب احتمل المعنى الأقبح واحتمل غيره، فكان قوله معتبرًا فيما احتمله فعله. وعن ابن رجب أن ألفاظ الكفر المحتملة تصير كفرًا بالنية. ويذكر سؤال ابن تيمية عمن سب شريفًا من أهل البيت ثم قال: «ولعن الله من شرفه»؛ فقرر أن اللفظ لا يوجب القتل بمجرده، بل يُستفسر: فإن ثبت أنه أراد النبي ﷺ عوقب على ذلك، وإن أراد الناس الذين ادعوا للرجل الشرف لم يكن الحكم نفسه.

ومن الأمثلة كذلك ما نُقل عن الإمام أحمد في رجل سمع المؤذن يقول: «أشهد أن محمدًا رسول الله» فقال له: «كذبت». فلم يكفره بمجرد اللفظ؛ لاحتمال أن يكون تكذيبه متعلقًا بدعوى المؤذن أنه يشهد، لا بأصل رسالة النبي ﷺ. ويعرض أيضًا فتوى لمحمد بن إبراهيم فيمن سب «دين» رجل مسلم، فامتنع عن إقامة الحد لعدم تصريحه بسب الإسلام واحتمال إرادته سوء تدين ذلك الشخص.

وينقل عن ابن عثيمين التفريق بين الاستهزاء بالملتزم لأجل اتباعه الشريعة ـ وهو استهزاء بالشريعة ـ وبين السخرية من شخصه أو هيئته من غير قصد السنة. كما يستحضر قصة أبي برزة حين فهم من كلام عبيد الله بن زياد تعييره بصحبة النبي ﷺ، ثم بيّن الحاضرون أن الصحبة زين وأن الذم لم يُرَد بها.

الحالات التي تمنع التسرع في الحكم

يعدد الفيديو أحوالًا قد تغيّر حكم الشخص المعين مع بقاء العبارة في ذاتها كفرًا: أن يكون صغيرًا غير بالغ، أو فاقد العقل، أو سكران من غير تعدٍ، أو في غفلة شديدة، أو يغلبه الغضب والفرح، أو يسبق لسانه إلى لفظ لا يعتقده. ويستدل بحديث الرجل الذي قال من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، فحكم النبي ﷺ بأنه أخطأ من شدة الفرح.

أما إذا ثبت أن القائل بالغ عاقل مختار، وفُهم مراده بلا خفاء، وقصد نسبة الولد الحقيقي إلى الله، فيؤكد المتحدث أن هذا كفر لا يعذر فيه بالجهل في المجتمع المسلم. فالتوقف الأول ليس تمييعًا لحكم العبارة، وإنما تثبت في تحقق معناها وشروط تنزيلها على المعيّن.

خلاصة القاعدة

ينتهي الشيخ أبو الفضل إلى أن من ثبت إسلامه بيقين لا يزول إسلامه بالشك، وأن الألفاظ قوالب للمعاني، فلا يكون التكفير باحتمال. فإذا كان القول يحتمل الكفر من وجوه ويحتمل معنىً غير كفري من وجه معتبر، وجب الاستفصال حتى يظهر «الكفر البواح» الذي لا خفاء فيه ولا تأويل.

وبذلك يقرر أن المقطع المقتطع خلط بين أمرين: الحكم الواضح على قول «الله له ولد» إذا أُريدت به البنوة الحقيقية، والحكم على شخص لم يُعرف مراده وحاله بعد. الأول عنده كفر ظاهر، والثاني لا بد فيه من التثبت قبل إسقاط حكم الردة عليه.