قصة الفرق الإسلامية: كيف نحمي أبناءنا من فتنة التكفير؟

الأستاذ خالد النجار 1 يوليو 2026

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يحاور الأستاذ خالد النجار الشيخ أبا الفضل المصري في هذه الحلقة عن جذور الافتراق العقدي، وتطور الجهمية والأشعرية، ومعنى السلفية، ثم انتقال الانحراف في باب الجرح والتعديل إلى المدخلية والحدادية والغلو في التكفير. وتنتهي الحلقة بخطة عملية لحماية الأبناء من المحتوى الإقصائي، ومعيار معرفة العالم الرباني، ورسالة مباشرة للشباب المتأثرين بالخليفي ومحمد بن شمس الدين.

كيف اختطفت الشاشات عقول الشباب؟

يفتتح خالد النجار بوصف مشكلة أسرية معاصرة: يدخل الشاب إلى غرفته طالبًا للهداية، ثم تختطفه مقاطع تصنع منه قاضيًا يوزع أحكام التبديع والتضليل ويتطاول على أئمة الأمة باسم حراسة العقيدة. ويقدم الحلقة بوصفها بحثًا في ظاهرة الحدادية: كيف نشأت، وكيف تطورت، ومن يتصدر لها اليوم، وكيف تدخل البيوت عبر الهاتف.

من الجماعة الأولى إلى فرق الأسماء والأحكام

يبدأ أبو الفضل بأن الله أرسل محمدًا ﷺ رحمةً للعالمين، فاجتمعت الأمة على رب واحد ونبي واحد وقبلة واحدة. ثم أخبر النبي ﷺ بافتراق الأمم ونجاة جماعة واحدة هي ما كان عليه هو وأصحابه.

ويرى أن أول افتراق ظهر في أواخر عصر الصحابة كان في «الأسماء والأحكام»: من المسلم والكافر والمبتدع والمنافق؟ وما مصير العاصي في الآخرة؟ ومن هنا ظهرت الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، والمرجئة الذين أخرج بعضهم العمل من الإيمان.

فالخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة أو تارك الفريضة، والمعتزلة يسمونه فاسقًا في الدنيا ويخلدونه في النار، بينما يقول أهل السنة إن الإيمان قول وعمل، ويثبتون الوعيد من غير إخراج كل عاصٍ من الملة.

الجهمية والمجسمة وميزان الصفات

مع ترجمة كتب الفلسفة ودخول المصطلحات الكلامية ظهر التعطيل في صفات الله على نحو أوسع. وفي طرف وقفت الجهمية والمعتزلة الذين نفوا الأسماء أو الصفات، وفي الطرف الآخر مجسمة شبّهوا صفات الله بصفات المخلوق.

ويضع أبو الفضل ميزان أهل السنة في قوله تعالى: «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». فالجهمية أخذوا النفي وتركوا الإثبات، والمجسمة أخذوا ألفاظ الإثبات وتركوا تنزيه الله عن المثل. أما أهل السنة فأثبتوا ما أثبته الله لنفسه، ونفوا عنه المماثلة.

ويجعل النجاة في الاعتصام بالقرآن وبيان النبي ﷺ وتطبيق الصحابة؛ فالرسول بيّن الوحي قولًا وعملًا، والصحابة أعلم الناس بهذا البيان. ومن خصائص هذا الطريق أن أهله أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق.

رحلة أبي الحسن الأشعري

ينتقل الحوار إلى أبي الحسن الأشعري، فيشرح المتحدث أنه نشأ معتزليًّا عند الجبائي، وبقي على الاعتزال نحو أربعين سنة، ثم تاب وانتقل إلى مرحلة أقرب للسنة متأثرًا بطريقة ابن كلاب: يرد على المعتزلة والمجسمة بأصول عقلية كان بعضها مأخوذًا من المعتزلة.

ومع اطلاعه على الحديث وكلام أحمد بن حنبل، واقترابه من علماء الحديث كالسجزي كما جاء في التفريغ، انتقل إلى مرحلة «أشعرية أثرية» أثبت فيها الأسماء وكثيرًا من الصفات، وإن بقيت عليه آثار من المراحل السابقة. ويجعل كتاب «الإبانة» من آخر كتبه، وينقل عن ابن تيمية أن من قال بما فيه فهو من أهل السنة.

لكن المنتسبين إليه انقسموا: فريق تمسك بمرحلته الوسطى وتوسع في الكلام، وفريق أخذ بما مات عليه واقترب من المحدثين. ومع الزمن عاد بعض الأشاعرة إلى أصول المعتزلة، فصار الاسم الواحد يشمل طبقات مختلفة.

لماذا لا يُسوّى البيهقي بالرازي؟

يؤكد أبو الفضل أن الخلط المعاصر جاء من مساواة محدثي الأشاعرة بمتكلميهم. فالبيهقي عنده محدث من فضلاء الأشاعرة، بينما الرازي متكلم؛ والخطابي محدث وفقيه، والغزالي قبل توبته متكلم. فلا يسوي العاقل بين المناهج لمجرد الاسم.

ومن يكفر البيهقي والخطابي والنووي وابن حجر بسبب الانتساب إلى الأشعرية فهو عند المتحدث وارث للخوارج. ويذكر أن ابن تيمية وصف البيهقي بالحافظ، ونقل عن النووي ووصفه بالشيخ، وأن ابن المبرد الحنبلي عد النووي ثاني أفضل رجال عصره بعد ابن أبي عمر.

لذلك يقرر أن الأشعرية الأثرية من أهل السنة في الجملة، مع إثبات أخطاء في بعض الأبواب. أما الأشعرية المتكلمة فخالفوا أهل السنة في مسائل الصفات بحسب مقدار موافقتهم للمعتزلة.

كيف يتعامل الأب مع ابن يقول: أنا أشعري؟

يفرق المتحدث بين الوقاية والعلاج. في الوقاية يُربط الطفل بالكتاب والسنة وفهم الصحابة، ولا يحتاج إلى الانتساب العقدي إلى «أشعري» أو «حنبلي»، لأن العقيدة للنبي ﷺ وأصحابه.

أما من وقع فعلًا في الاسم فلا يصادم قبل فهم مراده. يُسأل: ما معنى أشعري عندك؟ إن قال إنه يعتقد ما وافق فيه الأشعري أحمد والشافعي ومالك من الكتاب والسنة، فهو من أهل السنة ويُنصح بترك الاسم. وإن أراد نفي العلو وتأويل الصفات على طريقة المتكلمين، بُيّن له أن هذا ليس ما انتهى إليه أبو الحسن نفسه.

ويضرب مثالًا بالشاب الذي طلب من النبي ﷺ الإذن في الزنا؛ فلم يُطرد، بل حاوره في الفطرة وسأله أيرضاه لأمه وأخته وعمته، ثم دعا له. فالدواء يكون بالحوار والعقل والرحمة، لا بالشتيمة التي تزيد المريض تمسكًا.

ما السلفية؟

يعرّف أبو الفضل السلف بأنهم من تقدم من المؤمنين، وعلى رأسهم النبي ﷺ ثم الصحابة والتابعون بإحسان. فالسلفية هي فهم القرآن والسنة وعملهما كما فعل الرسول وأصحابه والقرون المفضلة، وليست حزبًا أو جماعة منظمة.

ويستشهد بإنكار النبي ﷺ على المهاجرين والأنصار حين تحزب كل فريق لاسمه الشريف، فقال: «دعوها فإنها منتنة». فاسم السلف يصبح دعوى باطلة إذا تحول إلى راية انقسام أو تكفير أو طعن في ورثة النبوة.

والسلفية ليست عقيدة في القلب فقط، بل عقيدة صحيحة وعبادة قوية وأخلاق مستقيمة. فمن يقول أنا سلفي ثم يفرق الأمة، أو يشق عن القلوب، أو ينزل آيات الكفار على المسلمين، أو يعطل الصفات أو يجسمها، لم يحقق الاسم في عمله.

القول الفصل في الصفات

يلخص المتحدث قاعدة أهل السنة في إثبات ما أثبته الله ورسوله من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تحريف. فيثبتون أن الله سميع له سمع، لكن سمعه ليس كسمع المخلوق ولا يعرفون كيفيته.

كما ينفون ما نفاه الله ورسوله، ويقفون حيث وقف السلف: يمرون النص كما جاء، ولا يخوضون في تفسير لم يثبت أو كيفية لم يعلموها. وبذلك لا يكونون معطلة ولا مجسمة.

كيف انحرف الجرح والتعديل إلى الحدادية؟

يشبه أبو الفضل منهج السلف بسكة مستقيمة؛ يبدأ الانحراف عنها بملليمتر ثم تتسع المسافة. وعلم الجرح والتعديل في أصله باب دقيق لا يتكلم فيه إلا الجهابذة؛ فقد حضر آلاف الطلاب عند أحمد ولم يتصدر منهم إلا أفراد.

وبدأ الخلل حين تكلم فيه من لم يرسخ في العلم، ثم أخذ النصوص العامة من كلام السلف وأسقطها على الأعيان بلا شروط، كما أخذ الخوارج نصوص الوعيد وأسقطوها على المسلمين. الفرق أن البداية هنا كانت بالتبديع، ثم تطورت عند الغلاة إلى التكفير.

ويذكر محمود الحداد بوصفه من بدأ الطعن في النووي وابن حجر وأبي حنيفة والدعوة إلى حرق كتب مثل «فتح الباري» وشرح النووي على مسلم. وقد رد عليه ابن عثيمين والفوزان وغيرهما، ووصف بكر أبو زيد اتجاهه بأنه «بادرة ملعونة».

ويرى أن غياب العلماء قد يكون حقيقيًّا بموتهم، أو معنويًّا بإعراض الناس عنهم وحجر المتصدرين عليهم. وحين يغيب صوت العالم يتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فيفتون بلا علم فيضلون ويضلون.

لماذا ينتهي الغلو إلى التكفير؟

يصف المتحدث التكفير بأنه نتيجة حتمية للتدرج في الغلو. فالخوارج كانوا أصحاب عبادة وقراءة، ومع ذلك كفروا عليًّا ومن معه. والإنسان المتحمس قد يظن أنه يحرس الدين بينما يعيث فيه فسادًا.

ويروي حديثًا عن رجل يقرأ القرآن حتى تظهر عليه بهجته، ثم يخرج على جاره بالسيف ويرميه بالشرك، فسُئل النبي ﷺ أيهما أولى بالشرك فقال: «الرامي». ويجعل هذا تحذيرًا من تكفير مسلم بلا حق؛ لأن الكلمة قد تعود على قائلها.

ومع ذلك يدعو إلى الرفق بالأتباع الصغار؛ فكثير منهم جاهل صادق النية تحركه الغيرة والحماسة، ويحتاج إلى يد حانية ونص واضح يعيده إلى الميزان. أما الرؤوس فقد يعرف بعضهم ما يفعل أو يصر عليه طلبًا للتصدر.

تضخيم زلة الإمام والتماس العذر للحليف

يسأل خالد عن ظاهرة تضخيم كلمة للنووي حتى التكفير، في مقابل اختراع الأعذار لحليف يقع في طوام. فيجيب أبو الفضل بأن السبب اتباع الهوى؛ وحين يترك المرء حقيقة الدين يتمسك بقشور منه لتسكين ضميره.

وعلامة أهل السنة الثبات، بينما صاحب الهوى يتقلب: يثبت صفة اليوم وينكرها غدًا، ويكفر رجلًا ثم يثني عليه، ويعتقد الحكم أولًا ثم يبحث عن دليل لاحقًا. وينصح من ابتلي بمسألة كبيرة أن يعرضها على عالم راسخ كما يعرض مرض القلب على طبيب متخصص، لا أن يعالج نفسه وهو جاهل.

من رؤوس الحدادية المعاصرة بحسب المتحدث؟

حين طُلب منه تسمية الرؤوس، ذكر أبو جعفر عبد الله الخليفي أولًا، وقال إنه بدأ الكلام في الأئمة منذ سن مبكرة بلا جلوس معروف عند عالم. ثم ذكر محمد بن شمس الدين بوصفه الوجه الإعلامي الأوسع الذي دعمه الخليفي بالمواد والكتب، وانتقل في سنوات قليلة من حياة سابقة مختلفة إلى ادعاء العلم والحكم على الأعيان.

وذكر ثالثًا عبد الرحمن دمشقية، مع تأكيد أنه أقربهم إلى قلبه، وأن له كتبًا قديمة جليلة كانت تجري على ضوابط أهل السنة، لكنه نقض كثيرًا منها في السنوات الأخيرة. ودعا الله أن يرده إلى طريقه السابق.

خطة حماية الأبناء

يجعل أبو الفضل التحصين بالعلم هو العلاج الوحيد الشامل لأمراض الإلحاد والبدع والغلو. فالحماسة طبع في الشباب، وإذا اجتمعت بالجهل قادت إلى الضلال. لذلك ينبغي ربط الابن بالقرآن والسنة وعقيدة أهل السنة وعباداتهم وأخلاقهم قبل أن تترسخ الشبهة.

ويحذر من الاكتفاء بمقطع يوتيوب لعلاج إصابة فكرية عميقة؛ كما لا يعالج الأب مرض قلب ابنه من فيديو، بل يذهب به إلى الطبيب. فإذا ابتلي الشاب فعلًا بشبهة، وجب عرضه على عالم متخصص، لا مجرد تحصيل قوائم أسماء يتعصب لها كل فريق.

ويذكر أن العلماء موجودون في بلدان كثيرة، في اللجان العلمية والجامعات وبين المحدثين والفقهاء، وأن السؤال الصحيح ليس: ما جواب المسألة في محرك البحث؟ بل: من أعلم الناس بهذا الباب وكيف أصل إليه؟ والعالم يعرفه العلماء ويشهدون له بالعلم.

رسالة للشباب المتأثرين

يسأل أبو الفضل الشباب: هل تعتقدون أن ابن شمس والخليفي أعلم أهل الأرض؟ إن قالوا نعم فهذه طامة، وإن قالوا لا فعليهم أن يطلبوا من هو أعلم ويعرضوا عليه ما تعلموه. وليكن السؤال بعيدًا عن طرفي الخصومة عند من يثقون بعلمه وورعه.

فإن تعذر الوصول إلى عالم، فليعرض الشاب عن مسائل التكفير المتنازع فيها، ويبدأ بالأصول: تفسير السعدي أو مختصر ابن كثير، وحديث النبي ﷺ بشرح موجز، والقواعد العامة للإسلام. وما لا يحتاجه في عبادته وحياته يترك الجدل فيه حتى يتأهل.

ويختم بحديث أن من قال لأخيه «يا كافر» أو «عدو الله» رجعت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك. فالذنوب بين العبد وربه تحت المشيئة، أما حقوق الناس ففيها القصاص. ويدعو أن تُغفر السيئات وألا تتبع أصحابها بعد موتهم، وأن تحفظ الحسنات من الإفلاس يوم القيامة.