فهد العجلان يهدم أصول الطعن في أبي حنيفة

الشيخ د. فهد بن صالح العجلان 26 يونيو 2026

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يحلل الدكتور فهد بن صالح العجلان في هذه المحاضرة ظاهرة معاصرة تتقصد الطعن في الإمام أبي حنيفة والتحذير منه ومن مذهبه. ولا يقدم ترجمة للإمام، بل يميز بين النقد العلمي والحط المتعمد، ثم يدرس ستة مطاعن تاريخية: الإرجاء، والقول بالسيف، والضعف في الحديث، وخلق القرآن، ورد بعض السنن، والأخذ بالرأي والحيل.

ثماني صور للطعن المعاصر

يرصد المتحدث صور الظاهرة في: الحكم على أبي حنيفة بالكفر أو الشك في إسلامه أو الإصرار على تبديعه، وتصويره معاندًا للسنة، وإبطال التمذهب بمذهبه، وتعييره بالإرجاء وخلق القرآن، ونسبته إلى قلة الورع والتحايل، وتجهيله بالحديث والفقه، والطعن فيمن يعظمه ويدافع عنه، والسخرية من بعض فتاوى المذهب.

ويفرق بين هذا وبين نقد قول فقهي أو عقدي اقتضاه بحث محدد؛ فالظاهرة عنده تقصد الإمام ابتداء، وتثير موضوعه في الفضاء العام بمناسبة وبغير مناسبة.

سمات الظاهرة

يذكر أنها لا تستجيب لنازلة معاصرة، وإنما تجعل الطعن في أبي حنيفة شعارًا للتمييز بين السلف والخلف. وميدانها الأبرز شبكات التواصل، ولا يشارك فيها عالم معروف، بل عدد قليل من المنتسبين إلى طلب العلم وأسماء مستعارة وشباب غير معروفين.

وعمدتها جمع نقولات علماء الحديث وفقهاء السلف في ذم أبي حنيفة، ثم الزعم أن مواصلة هذا الذم هي مقتضى اتباع السلف، وأن الثناء عليه مسلك متأخر.

اتفاق ممتد على إمامة أبي حنيفة

يقرر العجلان أن علماء المسلمين على اختلاف الأمصار والمذاهب الفقهية والاتجاهات العقدية استقروا قرونًا على الترحم على أبي حنيفة، واعتباره من علماء الأمة، واعتماد مذهبه في القضاء والفتوى والدماء والأموال والأعراض.

ويستدل بكلام ابن تيمية فيمن استفاض بين الناس إيمانه وتقواه واتفق المسلمون على الثناء عليه، فذكر أبا حنيفة ضمنهم، وبكلام العمراني أن الله أكرم من أن يجعل الخلق يتبعون في الدين رجلًا من أهل النار.

الطعن في الإمام قدح في الأمة

ينقل عن ابن تيمية أن نسبة الحيل المحرمة إلى إمام قدح في إمامته، وقدح في الأمة التي ائتمت به. فقبول الأمة لمذهبه لا يعني تصحيح كل قول فيه، لكنه يثبت أنه طريق سائغ في فهم الكتاب والسنة وأن تقليده معتبر.

شهادات الحنابلة والسلفيين

يسرد أسماء من عظموا أبا حنيفة من الحنابلة: عبد القادر الجيلاني، وعبد الغني وابن قدامة، وابن تيمية، وابن عبد الهادي، وابن القيم، وابن مفلح، وابن رجب، وابن المبرد، ثم مدرسة محمد بن عبد الوهاب. ويذكر من غيرهم ابن عبد البر والسمعاني والبغوي والعمراني وقوام السنة والمزي والذهبي وابن كثير.

ويقرأ من ابن المبرد تحريم الكلام في الأئمة الأربعة، ومن ابن رجب أن حفظ الدين اقتضى نصب أئمة مجمع على علمهم، وضبط مذاهبهم حتى ترد إليها أحكام الحلال والحرام.

هل كان الثناء خوفًا من سطوة الحنفية؟

يرفض تفسير الاستقرار التاريخي بأنه سكوت اضطرار؛ لأن الدول والأمصار لم تكن كلها حنفية، ولأن المالكية والشافعية والحنابلة السلفيين أثنوا عليه في أزمنة قوة مذاهبهم. كما أن أهل السنة لم يسكتوا عن أصحاب البدع المغلظة حين كانت لهم سطوة، فكيف ينفرد أبو حنيفة بقرون من الثناء لو كان كما يصوره الطاعنون؟

النقد التاريخي وسياقه

يذكر أن طائفة من معاصري أبي حنيفة من المحدثين انتقدوه، منهم سفيان ومالك وحماد بن سلمة وأيوب والأوزاعي وأبو إسحاق الفزاري وشريك، ثم عبد الرحمن بن مهدي وأحمد وأبو حاتم وأبو زرعة. ثم ضعف حضور هذا النقد، واستقر العمل على اعتبار قوله في كتب الخلاف والفقه والعقيدة.

مسلكان خاطئان في الدفاع

المسلك الأول إنكار جميع المطاعن أو إنكار كتب كاملة كـ«السنة» لعبد الله بن أحمد بسببها. والثاني الطعن في الناقدين واتهامهم بالحسد أو الجهل أو ضيق العقل أو ازدراء فقه المحدثين.

ويرى أن الدفاع عن أبي حنيفة لا يجوز أن يهدم منزلة أئمة الحديث، كما أن نقد روايته لا يسوغ أن يتحول إلى هدم فقهه كله.

مسلكان صحيحان

المسلك الإجمالي هو الكف عن إثارة ما لا يحتاجه الناس، وحفظ مقامات الأئمة، وحمل الثابت على وجه يعذرون به. والمسلك التفصيلي هو دراسة المطاعن في سياقها، وبيان خطأ الإمام إن ثبت مع حفظ فضله، ومنع تحويل البحث إلى فتنة.

المطعن الأول: إرجاء الفقهاء

يقرر أن أبا حنيفة قال إن الإيمان بالقلب واللسان وإن العمل ليس من مسماه، وهو خطأ في اللفظ وفي آثاره المتعلقة بزيادة الإيمان ونقصه وانتفاء العمل الظاهر. لكنه اجتهاد متأول سبقه إليه علماء أجلاء كإبراهيم التيمي وطلق بن حبيب وعمرو بن مرة وحماد بن أبي سليمان وغيرهم.

وينقل عن أبي عبيد أنهم من أهل العلم والعناية بالدين، وإن غلطوا في مسألة يقع الغلط في مثلها، وعن ابن تيمية أن فيهم أهل علم ودين وحسن إسلام وإيمان، وأن بدعتهم من أخف البدع وكثير الخلاف فيها لفظي.

أربع بدع دخلت على طبقات مبكرة

يبين أن علماء كبارًا من التابعين ومن بعدهم وقعوا متأولين في الإرجاء والقدر والتشيع الخفيف والنصب. ولو تُرك حديث كل من وقع في شيء منها لخربت الكتب، كما نقل عن علي بن المديني. وهذا امتحان يثبت أن العالم قد يخطئ وأنه لا يتبع في كل قوله.

لماذا شدد السلف على المرجئة؟

يفسر عبارات النخعي وسعيد بن جبير ومنصور والزهري في ذم المرجئة بأصلين: الحكم على الوصف لا يلزم تحققه في كل عين، والهجر والتغليظ تصرف مصلحي يختلف باختلاف الحال.

فشهرة بعض العلماء الذين وقعوا في الإرجاء كانت سببًا لتشديد العبارة منعًا من انتشار مقالتهم، لا لإلغاء فضلهم. وينقل أن أحمد مع شدته على أهل الرأي أمر أصحابه أن يبدأوا الحنفية بالسلام.

المطعن الثاني: القول بالسيف

يذكر أن أبا حنيفة وافق عددًا من فقهاء الصدر الأول في جواز الخروج على ولاة الجور، وأن الأوزاعي شدد عليه لما رأى أثر الفتوى في الفتن. لكنه خطأ اجتهادي سبقه إليه كبار، فلا يتابعون عليه ولا يستطال عليهم به.

كما يفرق بين فتوى حية يترتب عليها خروج ودماء فتحتاج إلى تشديد، وبين حدث تاريخي مضى لا ثمرة من التنقير فيه. وقد استقر المذهب الحنفي على منع الخروج، ونقل الطحاوي ذلك في عقيدته.

المطعن الثالث: الضعف في الحديث

يذكر اختلاف النقاد؛ فضعفه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم من جهة الرواية، ووثقه يحيى بن معين وآخرون. وهذا حكم على الضبط لا على الديانة ولا الفقه، فكثير من أئمة الفنون ضعفاء في الرواية لانشغالهم بغير ضبط الأسانيد والألفاظ.

ويحذر من ذكر جرح الراوي في كل ترجمة بلا حاجة؛ فموضعه دراسة الإسناد، لا تحويله إلى قدح عام. كما أن ضعف روايته لا يعني جهله بالحديث، فقد يكون عارفًا بالمتون والفقه قليل الضبط للأسانيد.

أبو حنيفة والآثار

يرفض تصويره جاهلًا بالحديث؛ فقد كان إمامًا مفتيًا في طبقة مبكرة، وكان يرد بعض الأخبار لما عنده من معارض أقوى أو من مرويات أهل بلده. وينقل عن أحمد أن أصحاب الرأي كان عندهم حديث كثير لم يكتب عنهم، مما يدل على أن ترك الرواية كان أحيانًا هجرًا مصلحيًا لا حكمًا بزوال عدالتهم.

المطعن الرابع: خلق القرآن

يعرض الروايات التي نسبت إليه القول بخلق القرآن والاستتابة، ويقول إنها مجملة في حقيقة القول والقائم بالاستتابة. وحتى لو أخذت بأشد احتمال، فالرواية نفسها تثبت توبته، والتوبة تجب ما قبلها؛ فلا يجوز أخذ جانب الكفر وطرح جانب التوبة.

ثم يذكر أن أحمد قال: لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول القرآن مخلوق، وأن ابن المبارك لما سئل عن هواه لم يذكر إلا الإرجاء، وأن أبا يوسف والطحاوي وأئمة الحنفية نقلوا عنه أن القرآن كلام الله غير مخلوق.

حسن الظن بأهل العلم

ينقل عن السجزي وجوب حمل أقوال العلماء على أحسن المحامل ما وجد إليها سبيل، وأن من قال بخلق القرآن لم يكن إمامًا معتبرًا في الأحكام. ويرى أن نسبة هذا القول إلى إمام يتبعه مئات الملايين تقويه ولا تحذر منه؛ لأن كل صاحب بدعة يحرص على نسبتها إلى إمام متبوع.

المطعن الخامس: رد بعض السنن

يقر بأن أبا حنيفة رد بعض الأخبار التي صحت عند غيره، كحديث المصراة، لمعارضتها أصولًا عامة أو مرويات أهل بلده. لكنه يقول إن هذا لم ينفرد به؛ فقد انتقد الليث والشافعي مالكًا في مسائل رأياها مخالفة للسنة.

وينقل عن الشافعي وابن عبد البر والبيهقي أن الأئمة لا يتعمدون رد حديث ثابت، وإنما يختلفون في ثبوته أو دلالته أو نسخه أو معارضه. ثم يستحضر «رفع الملام» لابن تيمية في أعذار الأئمة.

أمثلة على تقديمه الحديث

ينقل عن ابن تيمية أن أبا حنيفة عمل بحديث الوضوء بالنبيذ وحديث القهقهة مع مخالفتهما للقياس لاعتقاده صحتهما، وعن ابن القيم أن أصحابه مجمعون على تقديم الحديث الضعيف عنده على القياس.

ويذكر رجوع أبي يوسف إلى قول مالك في مقدار الصاع حين رأى الشواهد الحية، وقوله إن أبا حنيفة لو رأى ما رأى لرجع، ثم وصية أبي حنيفة لأبي يوسف ألا يكتب كل رأي يسمعه منه لأنه قد يراه اليوم ويتركه غدًا.

المطعن السادس: أهل الرأي والحيل

يبين أن مدرسة الكوفة في الرأي سابقة لأبي حنيفة، وسيدها إبراهيم النخعي، وأن الخلاف مع مدرسة الحجاز كان في مقدار استعمال القياس والمرويات البلدية، لا في قبول الحديث أو رفضه.

ويميز بين الاجتهاد المعتبر، والتوسع في القياس حتى يعارض بعض السنن، والبدع المناقضة للأصول، والحيل. وينقل أن كتاب الحيل المنسوب إلى أبي حنيفة منحول، وأن ابن تيمية وابن القيم نفيا نسبة الحيل الكفرية والمحرمة إلى الأئمة.

الإنصاف في مسألة الحيل

يذكر عرض الشاطبي: من الحيل ما هو محرم بالاتفاق، ومنها ما هو مباح، والخلاف في الوسائط المشتبهة. ومع ميله إلى المنع، عرض أدلة المجيزين حتى لا يورث الاعتياد على مذهب واحد نفورًا من الأئمة المجمع على فضلهم.

الخلاصة

يخلص العجلان إلى أن بعض المطاعن إن صح فقد تاب منه الإمام، وبعضها زلة اجتهادية سبقه إليها أئمة متأولون، وبعضها اختلاف في الدليل يحتاج إلى بحث فقهي لا طعن شخصي، وبعضها لا يصح نسبته إليه أصلًا. ويرى أن حفظ حق السنة وحق العلماء معًا هو طريق العلم والعدل، ويجعل استكمال بقية المطاعن المعاصرة لمادة لاحقة.