أبو الفضل المصري يفنّد تبديع أبي حنيفة بسبب إرجاء الفقهاء
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يناقش الشيخ أبو الفضل المصري ردَّ محمد بن شمس الدين على اعتراض عبد الرحمن دمشقية على مباهلته في تبديع الإمام أبي حنيفة. فقد رأى دمشقية أن نقل محمد رواية توبة أبي حنيفة يمنع إدخاله في المباهلة، فأجاب محمد بأن التوبة التي ذكرها تخص القول بخلق القرآن، وأنه ما زال يبدّعه بسبب الإرجاء. وينقل أبو الفضل النزاع إلى موضعه المحدد: هل إرجاء الفقهاء الذي نُسب إلى أبي حنيفة يخرجه من أهل السنة؟ ثم يستعرض، بحسب ما قرأه في المقطع، تفريق أبي عبيد وابن تيمية بين مرجئة الفقهاء والمرجئة الغلاة، وتسميتهما عددًا من القائلين بالإرجاء من أهل العلم والدين، ويستشهد بقول صالح الفوزان إن مرجئة الفقهاء من أهل السنة. ويخلص إلى أن الجزم بتبديع أبي حنيفة والمباهلة عليه يصطدم بهذه النصوص، ويلزم صاحبه بموقف مماثل من جماعة من أكابر العلماء الذين قيل عنهم بالإرجاء.
اعتراض دمشقية وجواب محمد بن شمس الدين
بدأ أبو الفضل بعرض كلام عبد الرحمن دمشقية، وفيه أنه لا يقبل مباهلة محمد بن شمس الدين على أن أبا حنيفة مبتدع؛ لأن محمدًا نفسه ذكر رواية صحيحة الإسناد، بحسب نقل دمشقية، في رجوع الإمام عما كان عليه. ويسأل أبو الفضل أتباع الرجلين: أيهما أصاب في هذه القضية التي جعلها محمد موضع يقين ودعاء على نفسه باللعنة إن كان كاذبًا؟
ثم عرض جواب محمد، وفيه أنه حين ذكر توبة أبي حنيفة قصد توبته من القول بخلق القرآن وحده، أما الإرجاء فلم يتب منه في رأيه، ولذلك بقي وصف الابتداع. ويضيف أبو الفضل سؤالًا آخر: لماذا اقتصر الرد على هذه الجزئية ولم يجب محمد عن اعتراضات دمشقية الأخرى على مباهلاته وإشهاده الله على أحكامه في أشخاص آخرين؟ لكنه يركز بقية الحلقة على حجة الإرجاء التي صرّح بها محمد.
تحرير محل النزاع في إرجاء الفقهاء
يقرر أبو الفضل أن ما نُسب إلى أبي حنيفة هو إرجاء الفقهاء، لا الإرجاء الغالي الذي يجعل الإيمان مجرد معرفة القلب. وحتى على فرض أنه مات على قوله ولم تثبت توبته منه، فالسؤال عنده ليس صحة هذا القول؛ بل هل يوجب إخراج قائله من أهل السنة وتبديعه على نحو يقطع به الإنسان ويباهل عليه؟
ويشير إلى مادة سابقة مطولة خصصها لهذه المسألة، ثم يلخص حجتها هنا. فإرجاء الفقهاء عنده خطأ لا يُقبل، لكنه لا يساوي مقالة المرجئة الخالصة، ولا يلزم منه إسقاط كل من قال به من أئمة العلم والعبادة.
تقسيم أبي عبيد للمتكلمين في الإيمان
قرأ أبو الفضل من كتاب «الإيمان» لأبي عبيد القاسم بن سلام تقسيمًا للمتكلمين في حقيقة الإيمان. فالطائفة الأولى تقول إنه إخلاص القلب وشهادة اللسان وعمل الجوارح، وهو القول الذي يرجحه أبو عبيد. والطائفة الثانية تجعل الإيمان في القلب واللسان، وتصف الأعمال بأنها تقوى وبر لا تدخل في مسماه.
وموضع الاستدلال عند أبي الفضل أن أبا عبيد أدخل الطائفتين معًا في أهل العلم والعناية بالدين، مع رده على قول الطائفة الثانية. ثم ذكر فرقة ثالثة شذت عنهما، فجعلت الإيمان معرفة القلب بالله ولو خلا من القول والعمل، ووصفها بأنها ليست من أهل العلم ولا الدين وأن قولها منسلخ من ملة الحنيفية. ومن ثم يرى أبو الفضل أن هذا التقسيم يمنع التسوية بين إرجاء الفقهاء والإرجاء الغالي، ويثبت إمكان تخطئة القول مع بقاء صاحبه في أهل العلم والسنة.
نصوص ابن تيمية في مرجئة الفقهاء
ينقل أبو الفضل عن ابن تيمية أن كثيرًا من النزاع في هذا الباب بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء نزاع لفظي، وأن فقهاء الكوفة الذين قالوا إن الإيمان قول ـ ومنهم حماد بن أبي سليمان وأتباعه ـ وافقوا علماء السنة على دخول أصحاب الذنوب تحت الذم والوعيد.
ويعرض كذلك قوله إن طوائف من أهل الفقه والعبادة دخلت في هذا القول، وإنهم كانوا يُعدّون من أهل السنة قبل ظهور الأقوال المغلظة عند المتأخرين من المرجئة. كما ينقل أن جماعة من المشاهير المتبوعين نُسبوا إلى الإرجاء، فتكلم أئمة السنة في ذم المقالة تنفيرًا منها، لا ليجعلوا جميع أعيان القائلين بها خارج أهل السنة.
هل يمتد التبديع إلى جميع من نُسب إليهم الإرجاء؟
يسمي أبو الفضل عددًا ممن ذكرهم في هذا السياق، منهم حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وعبد العزيز بن أبي رواد، ومسعر بن كدام، وذر بن عبد الله الهمداني، وطلق بن حبيب، وإبراهيم التيمي. ثم يسأل محمدًا: إذا كان إرجاء الفقهاء وحده موجبًا للقطع بالابتداع والمباهلة عليه، فهل يلتزم الحكم نفسه على هؤلاء المشاهير؟
ويقرأ من ترجمة الذهبي لحماد بن أبي سليمان وصفه بالعلامة والإمام وفقيه العراق، مع ذكر قوله بإرجاء الفقهاء، ثم نقل الذهبي أن النزاع في ذلك لفظي، وأن غلو الإرجاء إنما يظهر في القول بعدم ضرر ترك الفرائض مع التوحيد. ويجعل أبو الفضل هذه الترجمة مثالًا عمليًا على الجمع بين بيان الخطأ وحفظ منزلة العالم.
موقف عدد من العلماء المتقدمين والمعاصرين
يفرق أبو الفضل بين تقدير العلماء لمقدار الخلاف وبين حكمهم على أصحابه. فيذكر أن ابن تيمية والذهبي وابن أبي العز الحنفي وصفوا كثيرًا من النزاع بأنه لفظي، بينما رجح الألباني وابن باز أن فيه خلافًا حقيقيًا، لكنهم ـ كما يقول ـ لم يخرجوا أبا حنيفة ومرجئة الفقهاء من أهل السنة ولم يقطعوا بتبديع الإمام.
ويستشهد بصوتية لصالح الفوزان يجيب فيها عن سؤال: هل مرجئة الفقهاء من أهل السنة؟ فيقول: «مرجئة الفقهاء من أهل السنة». وبذلك يرى أن محل الاعتراض ليس الدفاع عن القول المرجوح، بل تحويله إلى حكم قاطع على الإمام يخالف ما قرره هؤلاء العلماء.
الخلاصة
يخلص أبو الفضل إلى أن جواب محمد عن اعتراض دمشقية لم يرفع الإشكال، بل نقله من دعوى القول بخلق القرآن إلى باب إرجاء الفقهاء، وهو باب تتعدد فيه أسماء أكابر العلماء الذين نُسب إليهم القول نفسه مع بقائهم عند الأئمة من أهل العلم والدين والسنة.
ولهذا يلزم أبو الفضل محمد بن شمس الدين بأحد طريقين: إما أن يطعن في تقريرات ابن تيمية والذهبي وابن أبي العز، وفي جواب صالح الفوزان، وأن يمد حكمه إلى طائفة من مشاهير العلماء؛ وإما أن يتراجع عن الجزم بتبديع أبي حنيفة والمباهلة عليه. فالنزاع في دخول العمل في مسمى الإيمان لا يبيح عنده القفز من تخطئة المقالة إلى إسقاط الإمام، ولا تحويل التحذير من قول مرجوح إلى لعنة معلقة على تبديع واحد من أئمة المسلمين.
فيديوهات أُخرى
