عشر مسائل عقدية خالف فيها النووي أصول الأشاعرة

عابر السبيل 26 أبريل 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يواصل محمد عبد الجواد بحث نسبة الإمام النووي إلى الأشاعرة، فيفصل بين وقوع العالم في تأويل بعض الصفات وبين التزام المنظومة الكلامية الكاملة. ويضع عشرة محاور يرى أن الأشاعرة فارقوا فيها منهج السلف، ثم يجمع من «شرح صحيح مسلم» و«المجموع» و«روضة الطالبين» و«تهذيب الأسماء واللغات» نصوصًا للنووي في مصدر التلقي، وأول واجب، والإيمان، والتوحيد، والقرآن، والقدر، والسببية، والحكمة، والتحسين والتقبيح، والتأويل. وخلاصته أن الإمام وافق السلف في أصول هذه الأبواب، ووقع في التأويل لأنه ظن التفويض أو التأويل طريقة السلف، لا لأنه قدم العقل على النقل وفق أصل الأشاعرة.

كيف تنسب شخصية إلى مدرسة؟

يعيد الباحث ثلاثة معايير للنسبة: أن ينتسب الشخص بنفسه أو يقر من نسبه، أو يلتزم أصول المدرسة المنهجية، أو تتفق كلمة علماء أهل السنة على نسبته. ويحذر من اختيار النتيجة قبل البحث، ومن جعل خطأ واحد بطاقة عضوية في طائفة واسعة الأصول.

السياق العلمي الذي نشأ فيه النووي

يذكر أن النووي توفي سنة 676هـ، في بيئة شاع فيها الانتساب إلى الأشاعرة وكان كثير من شيوخه على غير منهج السلف في الاعتقاد. ومع ذلك ينقل من «المجموع» قوله إن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف على المذهب الصحيح، ويرى في ذلك أصلًا يباعده عن جعلهم مرجعية مستقلة.

مصدر التلقي وتقديم الخبر على الكلام

يشرح أن الأشاعرة يجعلون العقل أصلًا في الإلهيات والنبوات، فإذا تعارض عندهم ظاهر النقل مع حكم العقل أولوه أو ردوه. ثم يستدل بحديث ضمام في شرح النووي على صحة إيمان العامي بمجرد التصديق الجازم، وصحة العمل بخبر الواحد في الاعتقاد، وعدم اشتراط دليل حدوث الأعراض.

أول واجب هو الشهادتان

ينقل من شرح حديث «أمرت أن أقاتل الناس» أن الإنسان إذا اعتقد الإسلام جزمًا كفاه ذلك، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين خلافًا لمن جعله شرطًا في أهل القبلة. ويعضده بكلام النووي في حديث الجارية ومقدمة «المجموع» أن السلف اكتفوا بالتصديق بما جاء به الرسول، ولم يكلفوا الناس بالنظر الكلامي.

الإيمان قول واعتقاد وعمل

يعرض نص النووي في شرح البخاري أن تبويب الصلاة والزكاة والجهاد من الإيمان رد على قول المرجئة الفاسد إن الإيمان قول بلا عمل. وينقل من «شرح مسلم» أن المدح والولاية يستحقان بالتصديق في القلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح، وأن الإيمان نفسه يزيد بالأدلة والأعمال، مخالفًا أكثر المتكلمين.

التوحيد بين الخالق والإله

يقابل تعريف الأشاعرة للتوحيد بنفي التعدد والتركيب بنصوص النووي التي تجمع تنزيه الخالق عن النقائص والشريك، وإثبات صفات الكمال، وإفراده بالطاعة والعبادة. كما ينقل من «روضة الطالبين» أن من يعظم الوثن ليقربه إلى الله لا يكون مؤمنًا حتى يتبرأ من عبادته.

القرآن كلام الله حقيقة

ينقل من شرح حديث الشفاعة قول النووي إن الله كلم موسى حقيقة كلامًا سمعه بلا واسطة، وإن الكلام صفة ثابتة له لا تشبه كلام المخلوقين. ثم يناقش قوله إن قراءة العبد مخلوقة لكن لا يقال «القرآن مخلوق»، ويستعين بتفريق ابن تيمية والخلال بين القائل بخلق القرآن وبين «اللفظية» لئلا يسوى بين الحكمين.

القدر وفعل العبد

يعرض قول أهل السنة إن الله خالق أفعال العباد وهم فاعلون لها حقيقة بقدرة وإرادة، ثم ينقل عن النووي أن الخير والشر لا يكونان إلا بمشيئة الله، وأن الأفعال تضاف إليه خلقًا وإيجادًا وإلى العباد فعلًا واكتسابًا. كما يرد على التواكل بأن الأعمال واجبة وكل ميسر لما خلق له.

السببية وطبائع المخلوقات

يناقش نفي الأشاعرة تأثير الأسباب، ويقابل ذلك بتفسير النووي لحديث «لا عدوى» بأن الأمراض لا تعدي استقلالًا بطبعها، لكن الله جعل المخالطة سببًا للإعداء. ومن «روضة الطالبين» ينقل تفريقه في القصاص بين فعل العاقل المستقل وبين الحيوان أو النصل الذي يفعل عند التمكن بطبعه.

الحكمة والتعليل في أفعال الله

يستدل بحديث الغيرة على أن الله حرم الفواحش من أجل غيرته، وينقل تعليق النووي أن هذا تعليل لمعنى الصفة من غير تشبيه بتغير حال البشر. ويرى في إثبات علة التحريم مخالفة لمن ينفي الحكمة والغاية عن أفعال الله وأحكامه.

التحسين والتقبيح وورود الشرع

يفرق الباحث بين معرفة قبح بعض الأفعال فطرة وعقلًا وبين استحقاق العقاب الشرعي. وينقل عن النووي أن «الطيبات» ليست مرادفة للحلال بل لما تستطيبه العرب، وأن من مات على الشرك بعد بلوغ دعوة إبراهيم يعذب، بينما الصحيح عند المحققين أنه لا حكم تكليفي ولا ثواب ولا عقاب قبل ورود الشرع.

لماذا وقع النووي في التأويل؟

يقول الباحث إن النووي لم يؤسس التأويل على تقديم العقل ورد النقل، بل نقل إليه أن مذهب السلف أحد طريقين: الإمساك مع التفويض والتنزيه، أو التأويل عند الحاجة لرد مبتدع. ويعرض من «المجموع» تفضيله طريق الإمساك بوصفه طريقة جماهير السلف، مع إباحة التأويل عند الضرورة، ثم يقرر أن هذا الفهم نفسه خطأ تاريخي في نسبة التفويض إلى السلف.

صفات أثبتها الإمام على الحقيقة

يذكر إثبات النووي الكلام الحقيقي المسموع، ونقله إقرار الفوقية في تفسير «من في السماء» بمعنى «على السماء»، وتفسيره القيوم بأنه القائم على كل شيء ومدبر الخلق. ويستنتج أن منهجه في الصفات لم يكن تأويلًا شاملًا، بل تفاوت بحسب ما بلغه من تفسير السلف.

نسخة النووي من «الإبانة»

ينقل عن ابن تيمية أنه رأى بخط النووي نصوصًا من «الإبانة» لأبي الحسن الأشعري تعلن التمسك بالكتاب والسنة وطريقة أحمد، وتثبت الاستواء والعلو. ويعد الباحث هذا دليلًا على اطلاع النووي في آخر أمره على رجوع الأشعري، ويرجح أنه عاد إلى إثبات الصفات الخبرية، مع بقاء الحاجة إلى بحث مستقل في دلالة النسخة وتاريخها.

الخلاصة

يخلص محمد عبد الجواد إلى أن اختزال عقيدة النووي في خطئه في تأويل بعض الصفات يسقط تسعة أبواب كبرى خالف فيها المنظومة الأشعرية ووافق نصوص السلف. فهو عنده يرفض مرجعية المتكلمين، ويثبت خبر الآحاد، وأول واجب، وعمل الجوارح، والكلام الحقيقي، والقدر والسببية والحكمة. وخطؤه في التأويل يرد ولا يتبع، لكنه لا يكفي لنسبته إلى مدرسة لم يلتزم أصلها الاستدلالي، فضلًا عن إسقاط إمامته أو تبديعه.