محمد بن شمس يصف تأصيل ابن تيمية في تكفير المعيّن بأنه «كلام فارغ»

عابر السبيل 3 سبتمبر 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يعرض الشيخ أبو الفضل المصري جواب محمد بن شمس الدين عن موقف أحمد بن حنبل من أعيان المعتزلة، وفيه يصف نقل ابن تيمية بأن الإمام صلى خلف الجهمية ولم يكفر أعيانهم بأنه «كلام فارغ»، ويزعم أن رواية ابن أحمد أصدق من «مجموع الفتاوى» المتأخر. فيرد أبو الفضل بنقول واسعة من ابن تيمية وابن القيم ومناقب أحمد وطبقات الحنابلة وكتب الدمشقية نفسها، ليثبت أن الإمام فرّق بين القول الكفري وتكفير المعيّن، وكفّر من قامت عليه الحجة دون كل من انتسب إلى المقالة.

الاعتراض على نقل ابن تيمية

سئل محمد: هل صحيح أن أحمد لم يكفر أعيان المعتزلة إلا بعد إقامة الحجة؟ فأجاب بالنفي، واستدل بأن الإمام لعن رجلًا نُسب إليه القول بخلق اللفظ وإن كان ميتًا ولم يجالسه. ولما ذُكر له نقل ابن تيمية أن أحمد صلى خلفهم وعدهم أئمة ومؤمنين، وصف الكلام بأنه فارغ، وفضل عليه ما في «السنة» لعبد الله بن أحمد.

يرى أبو الفضل أن السؤال كان عن المعتزلة، بينما نقل محمد مثالًا من الجهمية، مع وجود فروق بين الطائفتين، ثم اتهم واحدًا من أعلم الناس بمذهب أحمد بسوء النقل من غير جمع الروايات.

ابن تيمية يجمع نصوص أحمد ولا يلغيها

ينقل أبو الفضل من «مجموع الفتاوى» قاعدة ابن تيمية: لا يكفر مسلم أخطأ حتى تقام عليه الحجة وتزال شبهته، ومن ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه بالشك. ثم يذكر تفصيله في أقوال أحمد في الجهمية.

قرر أحمد أن القول بخلق القرآن ونفي الرؤية كفر، ورويت عنه أحكام على أعيان، لكنه دعا للخلفاء والقضاة الذين امتحنوه وضربوه واستغفر لهم، وصلى خلفهم ورأى إمامتهم. لذلك قال ابن تيمية إن دعوى وجود روايتين متناقضتين فيها نظر، والصواب التفصيل: من كفّره بعينه ثبت عنده قيام الشروط وانتفاء الموانع، ومن لم يكفّره لم يثبت ذلك في حقه.

عفو أحمد عمن عذبه

يعرض من «مناقب الإمام أحمد» روايات صالح وعبد الله ابني أحمد وغيرهما، وفيها أن الإمام جعل المعتصم ومن ضربه في حل، واستدل بقوله تعالى: «فمن عفا وأصلح فأجره على الله»، وقال إنه أهون على الله من أن يعذب أحدًا بسببه.

ويستثني في بعض الروايات ابن أبي دؤاد ومن طلب دمه، لكن النصوص تثبت أصل العفو والدعاء لمن تولى المحنة، وهو ما استدل به ابن تيمية على أنهم لم يكونوا عند أحمد مرتدين؛ لأن الاستغفار للكافر لا يجوز.

ابن القيم والتفريق بين طوائف البدع

ينقل أبو الفضل من «الطرق الحكمية» قبول شهادة بعض أهل البدع الموافقين على أصل الإسلام، كطوائف من الرافضة والمعتزلة، وأن منع رواية الداعية أو الصلاة خلفه قد يكون هجرًا وزجرًا لا حكمًا بالكفر.

كما ينقل عن أحمد قوله في الروافض والجهمية: «من أخاف عليه الكفر»، لا أنه كفّر كل فرد منهم. فالعالم قد يحكم على مقالة بالكفر ويخاف على صاحبها، ثم ينتظر تحقق الحجة في المعيّن.

جواب الاستدلال بلعن رجل لم يجالسه أحمد

يبين أبو الفضل أن إقامة الحجة لا تشترط أن يجالس الإمام صاحب المقالة بنفسه، بل يكفي أن يعلم أنها بلغته وزالت شبهته بوسيلة معتبرة. فمجالسة العالم إحدى وسائل البيان وليست الوسيلة الوحيدة.

ويضيف أن أحمد قال في الرجل: «لعنه الله إن كان ذلك صحيحًا»، فعلق الحكم على صحة النقل. ولا يلزم من هذه الواقعة أن كل من قال بلفظ الجهمية كُفّر بلا نظر.

إلزام محمد بقوله في اللفظ

يعرض أبو الفضل مقطعًا لمحمد يقول فيه إن صوته وقراءته وترتيله للقرآن مخلوقة. ثم ينقل عن كتب الحنابلة وصف اللفظية الذين يقولون إن ألفاظهم وتلاوتهم مخلوقة بأنهم من الجهمية، وعبارات لأحمد شديدة فيهم.

ولا يقصد أبو الفضل تكفير محمد، بل إلزامه بمنهجه: إذا حمل كل قول عام عن أحمد على كل معيّن بلا حجة ولا مانع، لزمه أن ينزل الحكم على نفسه. أما منهج ابن تيمية فيحفظ الفرق بين المقالة وقائلها ويمنع هذا التهافت.

العلماء الذين أجابوا في المحنة

يذكر أن علماء كبارًا، منهم يحيى بن معين وعلي بن المديني، أجابوا إلى القول بخلق القرآن تحت التهديد. هجرهم أحمد ورأى أن مجرد التهديد لا يبلغ إكراه عمار رضي الله عنه، لكنه لم يخرجهم من الإسلام.

ويعرض من كتب ابن تيمية أن طوائف من الجهمية قد تكون مؤمنة باطنًا وظاهرًا إذا التبست عليها الشبهات، وأن الائتمار ببدعة لا يجعل جميع المنتمين إليها كفارًا، بل في كل فرقة من فرق الأمة خلق كثير لا يخرجون من الإسلام.

الدمشقية ينقل التأصيل نفسه

ينقل أبو الفضل من كتاب للدمشقية أن الإمام أحمد لم يكفر المأمون رغم قوله بخلق القرآن وتعذيبه العلماء؛ لأنه اغتر بكلام المعتزلة ولم يعلم مآل قوله. كما ينقل عبارته في الفرق بين التكفير المطلق وتكفير المعيّن وضرورة انتفاء الموانع وقيام الحجة.

ويعرض تأصيلات حديثة من كتب في أحكام التكفير تؤكد المعنى نفسه، ونقل الشافعي في عذر من لم تبلغه الحجة في مسائل الأسماء والصفات.

الخلاصة

يثبت أبو الفضل المصري أن ابن تيمية لم يخترع موقفًا لأحمد، بل جمع روايات ظاهرها الشدة مع سيرته العملية في الصلاة خلف الجهمية والعفو عن معذبيه وعدم تكفير علماء أجابوا في المحنة. والنتيجة هي التفصيل: المقالة قد تكون كفرًا، لكن المعيّن لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة وتنتفي موانعه. لذلك يعد وصف هذا التأصيل بأنه «كلام فارغ» إسقاطًا لابن تيمية ومدرسته، بل مصادمةً لما قرره الدمشقية وكتب علماء التكفير أنفسهم.