هل كفّر النووي الأشعري والمسلمين بلفظ «ساكن السماء»؟ تفكيك دعوى الدمشقية ومحمد بن شمس

عابر السبيل 16 أكتوبر 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يفكك الشيخ أبو الفضل المصري دعوى عبد الرحمن دمشقية ومحمد بن شمس الدين أن الإمام النووي كفّر أبا الحسن الأشعري وكل من قال إن الله «ساكن السماء». يراجع لفظ «الإبانة» بين الطبعات، ويميز بين «ساكن العرش» و«ساكن السماء»، ثم يعيد عبارة النووي إلى سياقها الفقهي: كافر يريد الدخول في الإسلام بلفظ محتمل لا يميّز رب العالمين من مخلوق يعتقده في السماء. وينتهي إلى أن النووي يثبت علو الله، وأن اعتراضه انصب على لفظ السكون والاشتباه، لا على أصل العلو.

اختلاف نسخ «الإبانة» في اللفظ

يعرض الدمشقية من طبعة حققتها فوقية حسين قول أبي الحسن الأشعري إن من دعاء المسلمين: «يا ساكن السماء». لكن أبا الفضل يرجع إلى تحقيق صالح العصيمي وطبعة أخرى، فيجد اللفظ: «يا ساكن العرش»، ويذكر أن ابن تيمية وابن القيم والذهبي نقلوه بهذا اللفظ.

ويلاحظ أن «ساكن العرش» لا يشتبه بعيسى عليه السلام ولا بمخلوق يدعي أحد وجوده على العرش، بخلاف «ساكن السماء» الذي تستعمله طوائف في آلهتها. ولذلك يسأل لماذا اختيرت النسخة القديمة ولم يرجع إلى التحقيق الأكاديمي الأحدث.

آثار «ساكن السماء» وحدود الاحتجاج بها

يناقش مادة محمد بن شمس الدين فيذكر أنه لم يصحح في الباب إلا أثرًا عن ثابت البناني يحكي دعاءً لداود عليه السلام، مع اعترافه بأن رفعه إلى داود لا يثبت إلا بخبر نبوي. كما يذكر قصة رجل قال لأحمد إن الخضر أرسله ليخبره برضا «ساكن السماء» عنه، وهي قصة غريبة أو رؤيا منام.

ويرى أبو الفضل أن رواية السلف لهذه الآثار في أبواب العلو لا تعني إثبات لفظ توقيفي جديد لله؛ فالعلو ثابت بنصوص كثيرة، أما الأسماء والصفات فالأصل فيها الوقوف عند الكتاب والسنة. وينقل عن محمد نفسه أن الخير والسلامة في قول ما قاله الله ورسوله.

النووي يتحدث عن كافر يريد الإسلام

يرجع أبو الفضل إلى «روضة الطالبين» وشرح الرافعي والحليمي، ويبين أن العبارة تتناول كافرًا يريد الدخول في الإسلام. فالنووي يقول إن من قال: «لا إله إلا الملك الذي في السماء» كان مؤمنًا، أما من قال: «لا إله إلا ساكن السماء» فلا يحكم بإسلامه؛ لأن العبارة قد يراد بها ملك أو عيسى أو معبود آخر يعتقد صاحبه أنه في السماء.

ويضيف أن قول الكافر: «لا إله إلا الله ساكن السماء» اشتمل عند النووي على معنى السكون المكاني الذي يراه محالًا على الله. فالمشكلة ليست إثبات فوقية الله، بل لفظ يحتمل حلول الرب في مخلوق يحويه ويحده.

إثبات العلو عند النووي

يعرض أبو الفضل نص النووي نفسه في أن قول الكافر «لا إله إلا الملك الذي في السماء» يصحح إسلامه، مستدلًا بقوله تعالى: «أأمنتم من في السماء». ويذكر شواهد أخرى على إثبات النووي للعلو: اختصاره لطبقات الشافعية وإقراره كلام الخطابي، ورسالة الحرف والصوت، ونقول باحثين ومحققين رأوا رجوعه إلى طريقة السلف.

كما يستشهد بكلام منشور للدمشقية نفسه يشرح أن «في السماء» بمعنى فوق السماء وعلى العرش، وينقل عن النووي والقاضي عياض أن «في» تأتي بمعنى «على». ويسأل: كيف يُجعل النووي مكفرًا لمن يثبت العلو، والدمشقية يحتج بكلامه في إثباته؟

لفظ الجهة بين الإثبات والنفي

يناقش المقطع تشنيع الدمشقية على قول النووي إن المؤمنين يرون الله لا في جهة. ويقرر أبو الفضل أن «الجهة» لفظ مجمل لم يرد إثباته ولا نفيه في النصوص؛ فمن أراد بها فوقية الله وبينه من خلقه أثبت المعنى الصحيح، ومن أراد مكانًا مخلوقًا يحصره رد المعنى الباطل.

وينقل أن أهل السنة لا يقولون إن الله في جوف السماء تحيط به، بل فوق سماواته مستو على عرشه. ويذكر أن الحنابلة أنفسهم نقل عنهم خلاف في التعبير عن الرؤية بالجهة، فلا يتحول الخطأ في هذا اللفظ المجمل إلى نفي للرؤية أو حكم بالكفر.

فرق بين حكم القول وتكفير المعيّن

حتى لو صح فهم الدمشقية لعبارة النووي على أنها حكم بكفر قول ما، يؤكد أبو الفضل أن الحكم على القول لا يستلزم تكفير كل معيّن قاله. أما الواقع، في نظره، فأبعد من ذلك: النووي لم يتكلم عن أبي الحسن الأشعري أصلًا، بل عن صيغة لا تكفي لقبول إسلام كافر.

الخلاصة

يخلص أبو الفضل المصري إلى أن دعوى تكفير النووي للأشعري والمسلمين مبنية على جمع نصين مختلفي السياق ولفظ مختلف فيه بين النسخ. أبو الحسن تحدث عن دعاء أهل الإسلام بلفظ «ساكن العرش» في النسخ المحققة، والنووي تحدث عن كافر لا يكفيه لفظ مشتبه للدخول في الإسلام. والنووي، بحسب النصوص المعروضة، يثبت علو الله ولا يقول إن السماء تحويه؛ لذلك يعد وصفه بتكفير المسلمين تحريفًا لمقصوده لا نتيجةً علمية لكلامه.