لماذا أعذر محمد بن شمس النووي ولم يعذر السيوطي؟ رد أبي الفضل المصري

عابر السبيل 11 أكتوبر 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يعرض عابر السبيل ردًا للشيخ أبي الفضل المصري على محمد بن شمس الدين، ينطلق من إقرار محمد بعدم تكفير الإمام النووي مع وقوعه، بحسب تقديره، في أقوال قال السلف إن فاعلها يكفر. ويقبل أبو الفضل أصل التفريق بين القول المكفر وتكفير المعين، ثم يسأل: لماذا لم تطبق الأعذار نفسها على الإمام السيوطي؟ كما يرد وصف النووي بالجهل والاقتصار في شرح صحيح مسلم على نسخ كتابين، مستعرضًا شهادة الذهبي وثناء العلماء على شخصه وشرحه.

محمد لا يكفر النووي لأن السلف لم يكفروه

يفتتح أبو الفضل بإبراز جواب محمد عمن اتهمه بمخالفة السلف لعدم تكفير النووي. يقول محمد إنه لم يخالفهم؛ لأن السلف لم يكفروا النووي، مع أنه يرى أن النووي وقع في أشياء قرر السلف أن من وقع فيها يكفر.

ويعد أبو الفضل هذا التفصيل مهمًا؛ لأنه يثبت أن الحكم على القول أو الفعل لا ينتقل تلقائيًا إلى الشخص المعين. ثم ينقل القاعدة نفسها إلى السيوطي، فيقول إن السلف لم يكفروه بعينه أيضًا، وإن التسليم جدلًا بوقوعه في قول مكفر لا يحسم حكم الشخص.

التنزل بوقوع القول المكفر لا يساوي تكفير المعين

يتنزل أبو الفضل مع محمد فيفترض أن النووي وقع في أقوال قال السلف إن قائلها يكفر، ويفترض كذلك أن السيوطي وقع في أقوال أو أفعال من هذا النوع. ثم يحرر السؤال: هل انطبق حكم التكفير على واحد منهما بعينه؟

ويؤكد أن النزاع ليس في حكم النوع الذي قرره السلف، بل في تنزيله على شخص محدد له علمه وقصده وتأويله وأعذاره. ولذلك لا يكفي جمع عبارات عامة ثم إلحاق الاسم بها من غير المرور بباب المعين.

محمد يذكر احتمالات الفهم والعذر والإكراه

يعرض المقطع محمدًا وهو يناقش الاستدلال بقوله تعالى: «ومن يتولهم منكم فإنه منهم». ويسأل: إذا وجدنا شخصًا وقع فيما قد يدخل تحت الآية، فهل نكفره مباشرة؟ ثم يجيب بأننا قد نكون فهمنا كلامه خطأ، أو يكون له عذر، أو إكراه، أو لا يكون فعله داخلًا أصلًا في التولي المنهي عنه.

ويعمم المثال على من وقع في قول أو فعل كفري، كموالاته المشركين أو استغاثته بغير الله، فيقرر أنه لا يكفر فورًا بسبب الاحتمالات المتعلقة بالمعين. ومن ثم يقول إن عدم تكفير هذا الشخص بعينه لا يعني مخالفة كلام الله ولا مخالفة السلف.

عدم معرفة القرون الأولى بالنووي لا يلغي حكم علماء الأمة

يقول محمد إن السلف لم يعرفوا النووي أصلًا لأنه لم يدرك زمانهم. فيرد أبو الفضل بأن لفظ السلف لا يقتصر في الاستعمال العلمي على القرون الثلاثة بوصفها مرحلة زمنية، بل يدخل في علماء السلف من سار على طريقتهم بعدهم، ويضرب مثالًا بابن تيمية.

ثم يسأل عن علماء عصر النووي ومن جاء بعده من أهل السنة: ألم يعرفوه وتنتشر كتبه وأقواله بينهم؟ ويقرر أنهم أثنوا عليه، وأن الأمة تلقت إسلامه وإمامته، فلا يستقيم افتراض أن علماء كل هذه العصور جهلوا حقيقة أظهرها متأخر وحده.

اتهام النووي بأنه أجهل من أن يكفر

يعرض أبو الفضل قول محمد إنه يرى النووي أجهل من أن يكفر، وإنه لما قرأ كتبه وجده رجلًا جاء بكتابين ونسخ منهما، وهذا عنده كل ما فعله في شرح صحيح مسلم.

ويرى أبو الفضل أن هذه العبارة لا تخالف عالمًا واحدًا فقط، بل تخالف ثناء العلماء على علم النووي وعلى شرحه منذ عصره إلى العصر الحاضر. لذلك ينتقل من مجرد الاعتراض إلى عرض تراجم محددة وشهادات تفصيلية.

شهادة الذهبي: مفتي الأمة وشيخ الإسلام

ينقل أبو الفضل من كتاب «القول القوي في الدفاع عن الإمام النووي» وصف الذهبي للنووي بأنه مفتي الأمة، وشيخ الإسلام، ومحيي الدين أبو زكريا، والحافظ الفقيه الشافعي الزاهد، وأحد الأعلام.

ثم ينقل عن ابن العطار أن النووي حفظ «التنبيه» في نحو أربعة أشهر ونصف، وحفظ ربع «المهذب» في بقية السنة. ويعرض هذا التدرج المبكر جوابًا مباشرًا عن تصويره قارئًا عابرًا لكتابين.

برنامج يومي كثيف على المشايخ

يذكر أبو الفضل أن النووي كان يقرأ كل يوم دروسًا كثيرة على المشايخ شرحًا وتصحيحًا: في «الوسيط» و«المهذب»، والجمع بين الصحيحين، وصحيح مسلم، وكتب اللغة والتصريف، وأصول الفقه، وأسماء الرجال.

وينقل عنه أنه كان يكتب ما يتعلق بهذه الدروس من شرح المشكل ووضوح العبارة وضبط اللغة، وأن الله بارك له في وقته. ويعلق أبو الفضل بأن العلم يومئذ كان يؤخذ من الشيوخ، وأن الكتاب لا يحصل لطالب العلم إلا بالنسخ والمقابلة والتصحيح على نسخة الشيخ.

سماعه دواوين الحديث وتعدد شيوخه

يسرد المقطع ما سمعه النووي من كتب الحديث: صحيح مسلم، وصحيح البخاري، ومسند أحمد، وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، وجامع الترمذي، ومسند الشافعي، وسنن الدارقطني، وشرح السنة للبغوي، وغيرها.

كما يشير إلى تعدد شيوخه في الحديث وأصول الفقه والفقه. ويجعل أبو الفضل هذه المسيرة العلمية المنظمة نقضًا لتفسير علم النووي بأنه مجرد نقل آلي بين كتابين.

الذهبي يصف التحقيق والحفظ واتباع طريق السلف

ينقل أبو الفضل خلاصة الذهبي في النووي: كان محققًا في علمه وفنونه، مدققًا في عمله وشؤونه، حافظًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عارفًا بأنواعه من الصحيح والسقيم وغريب الألفاظ واستنباط الفقه.

ويضيف أنه كان حافظًا للمذهب الشافعي وقواعده وأصوله، ولأقوال الصحابة والتابعين، واختلاف العلماء ووفاقهم، سالكًا في ذلك طريق السلف، صارفًا أوقاته كلها في العلم والعمل به. ثم يسأل أبو الفضل كيف توزن هذه الشهادة أمام عبارة «جاء بكتابين ونسخ منهما».

ألقاب العلماء على نسخ شرح صحيح مسلم

ينتقل أبو الفضل إلى الثناء المكتوب على طرر نسخ شرح النووي لصحيح مسلم. فيذكر صيغًا متتابعة تصفه بالشيخ والإمام والعلامة ومفتي المسلمين، والمحدث المتقن والفقيه الحافظ، والعالم العامل الورع الزاهد، والحافظ الحجة المحقق المدقق، ومفتي الشام.

ويقول إن هذا الوصف لم يصدر عن مدرسة عقدية واحدة، بل جاء من علماء متعددين؛ وإن ابن تيمية وابن الوزير ومدرسة ابن تيمية ومدرسة ابن عبد الوهاب وابن ناصر الدين والمقريزي وغيرهم وصفوه بالإمامة مع مخالفتهم بعض أقواله.

شرح عظيم البركة تتبعه العلماء

ينقل أبو الفضل عن السخاوي وصف شرح صحيح مسلم بأنه عظيم البركة، وعن بشار عواد وصف النووي بالإمام الجهبذ، العالم الزاهد الورع المتقن المتنوع الثقافة. وينقل عن إبراهيم اللاحم أن النووي رزق حسن التأليف وسهولة العبارة والقدرة على تلخيص كلام من سبقه.

كما يذكر قول عبد الله السعد إن أبا زكريا النووي علم في رأسه نار، وإن شرحه نفيس من محاسن الشروح. وينقل عن مشهور حسن تأكيده أنه عظيم البركة، وأنه درسه أكثر من عشر سنين وله عليه إملاءات يرجو نشرها.

اعتماد المتأخرين على الشرح

يقول أبو الفضل إن كثرة من قرأ الشرح وأقرأه ونقل منه واختصره وعلق عليه تكشف قدره، ويذكر قولًا بأن ابن باز قرأه ستين مرة. كما يقول إن شراح الحديث والأئمة، وفي مقدمتهم ابن تيمية، نقلوا منه واستفادوا منه.

ويضيف أن محمد علي آدم الإثيوبي اعتمد عليه اعتمادًا كبيرًا في شرحه لصحيح مسلم، مع إضافات واستدراكات. فبقاء الكتاب في حلقات العلماء ومصنفاتهم عنده شاهد عملي يناقض وصفه بأنه نسخ ساذج لكتابين.

المعنى المحتمل للجهل وحدود حمل العبارة عليه

يقول أبو الفضل إنه لو أراد محمد بجهل النووي أنه أخطأ في بعض المسائل بسبب التأويل، وإن التأويل نوع جهل بالصواب في تلك المسألة، لأمكن قبول هذا المعنى المحدود.

لكنه يرى أن سياق الكلام يوحي بغير ذلك؛ لأنه أتبع الوصف بتقليل شأن علمه وشرحه، فجاءت كلمة الجهل عامة وقبيحة لم يقلها عالم في النووي، بحسب تقريره، مع اتفاق العلماء على علمه وإمامته وإن خالفوه في مسائل.

الخلاصة

يخرج أبو الفضل من كلام محمد بإقرار واضح: توجد أعذار واحتمالات تمنع تكفير المعين، ولو وقع في قول أو فعل حكم السلف على نوعه بالكفر. فالخطأ في الفهم والعذر والإكراه وعدم تحقق وصف الفعل كلها حواجز ذكرها محمد بنفسه في قضية النووي.

ثم يعيد السؤال الذي بنى عليه الحلقة: لماذا لم يستعمل محمد هذه الأعذار مع الإمام السيوطي كما استعملها مع النووي؟ ويضيف أن دفاعه عن عدم تكفير النووي لا ينسجم مع وصفه بالجهل وتهوين شرحه، بعدما شهد الذهبي وسائر العلماء بتحقيقه وحفظه وإمامته وبركة كتابه.