ثلاثة أحكام متناقضة على ابن حجر: اختبار عملي لتهافت المنهج الحدّادي

عابر السبيل 1 مايو 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يختبر عابر السبيل في هذا المقطع دعوى انضباط المنهج الحدّادي من خلال الحكم على الحافظ ابن حجر. فيجمع ثلاثة مواقف متناقضة لمن يقدمهم بوصفهم رؤوس الاتجاه نفسه: عبد الرحمن دمشقية يعد ابن حجر مسلمًا سنيًّا غير أشعري، ومحمد بن شمس الدين يصفه بالجهمي المبتدع دون تكفيره، وعبد الله الخليفي يحكم عليه بالكفر. ثم يحاكم موقف محمد بنص ينقله هو عن حرب الكرماني في تكفير الجهمية ومن لم يكفرهم، ويسأل عن القاعدة التي أنتجت هذه الأحكام المتضادة.

دمشقية: ابن حجر مسلم سني

يعرض الفيديو جوابًا لعبد الرحمن دمشقية ينفي فيه أن يكون الحافظ ابن حجر أشعريًّا، ويصفه بأنه من علماء المسلمين. ولا يقف دمشقية عند تثبيت إسلامه وسنيته، بل يعتمد كلام ابن حجر في تبرئة اثنين من كبار من ينسبون إلى الأشعرية: الرازي والجويني.

فحين يسأل هل يترحم على الرازي، يجيب بأنه يترحم عليه إذا صح ما ذكره ابن حجر من أنه كتب قبل موته وصية تدل على حسن اعتقاده. ويقول مثل ذلك في الجويني بمقتضى شهادة ابن حجر. ويسأل صاحب الفيديو: إذا قبل دمشقية كلام ابن حجر في الرجلين، فلماذا لا يقبل شهادات العلماء في النووي وغيره بالميزان نفسه؟

محمد بن شمس الدين: جهمي مبتدع

ينتقل المقطع إلى جواب محمد بن شمس الدين، فيقر بأن ابن حجر أشعري العقيدة، ثم يصفه بأنه جهمي مبتدع. ويؤكد صاحب المادة أن محمدًا لا يستعمل هنا «جهمي» بمعنى الكافر؛ لأنه يصرح بأن الأصل في الأشاعرة البدعة لا الكفر، فيبقون عنده مسلمين مبتدعة.

ويعرض الفيديو لمحمد تقريرًا يزيد الإشكال: يقول إن ابن حجر قرأ كتب أهل السنة وكتب السلف في الرد على الجهمية، بل قرأ في الاعتقاد ما لم يقرأه كثير من علماء السنة المعاصرين، ثم اختار منهج الجهمية عن رأي وقصد. ومع هذا كله ينتهي محمد إلى تبديعه لا تكفيره.

الخليفي: جهمي كافر

أما الموقف الثالث فينسبه عابر إلى عبد الله الخليفي، ويقول إن موقفه معلن معروف: ابن حجر جهمي كافر. وبذلك تصير أمام المتابع ثلاثة أحكام في شخص واحد: سني غير أشعري، وجهمي مبتدع مسلم، وجهمي كافر.

ويقول صاحب المادة إن أصحاب هذه الأحكام يقدمون أنفسهم باعتبارهم يعملون بالقواعد نفسها ويرجعون إلى الآثار نفسها. ولذلك لا يكفي تفسير الاختلاف بأنه تنوع اجتهاد؛ لأن أحد الأحكام يثبت السنة، والثاني يثبت البدعة، والثالث ينقل إلى الكفر.

إشكال من لا يبدع المبتدع

يعرض الفيديو لمحمد قاعدة يخطئ بها العلماء الذين لم يبدعوا النووي وابن حجر، فيقول إن عدم تبديع المبتدع خطأ. ويذكر في هذا السياق أن هؤلاء العلماء أبقوا النووي عالمًا مع إنكاره -بحسب وصف محمد- وجه الله، وأبقوا ابن حجر عالمًا مع مسائل في الاعتقاد والتبرك.

ثم يقلب عابر القاعدة على صاحبها: إذا كان عدم تبديع من ثبتت بدعته خطأ، فما حكم عدم تكفير من سماهم محمد نفسه جهمية، مع النصوص التي يحتج بها الاتجاه في تكفير الجهمية ومن لم يكفرهم؟

نص حرب الكرماني الذي ينقله محمد

يقرأ المقطع من عقيدة حرب الكرماني أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن من زعم خلقه جهمي كافر، وأن من توقف فلم يقل غير مخلوق أشد وأخبث قولًا، وأن من قال إن الألفاظ والتلاوة مخلوقة فهو جهمي خبيث مبتدع.

ثم يأتي موضع الإلزام: «ومن لم يكفر هؤلاء القوم ولا الجهمية كلهم فهو مثلهم». ويقول صاحب الفيديو إن محمدًا ينقل هذا الكلام على أنه إجماع للسلف، بينما يصرح في الوقت نفسه بأن الأصل في الأشاعرة الذين يسميهم جهمية هو البدعة لا الكفر.

لماذا لا ينزل الأثر على محمد؟

يسأل عابر أتباع هذا الاتجاه: إذا كانوا يأخذون هذه الآثار على إطلاقها وينزلونها على الأعيان، فلماذا لا ينزلون قول حرب على محمد بن شمس الدين حين يمتنع من تكفير طائفة كاملة يصفها بالجهمية؟ وما الدليل الذي أخرجه من العموم الذي يستعملونه مع غيره؟

ولا يقصد صاحب المادة تصحيح ذلك التكفير، بل إظهار أن القاعدة التي يرفعونها لا يستطيعون تطبيقها على رأس من رؤوسهم. فإما أن يفسروا النص ويقيدوا تنزيله، وحينئذ يلزمهم قبول التحقيق والتفصيل في سائر الأئمة، وإما أن يطردوا إطلاقهم فيصطدموا بموقف محمد.

قاعدة واحدة ونتائج لا تجتمع

يرى عابر أن المنهج المنضبط ينبغي أن يعطي أحكامًا يمكن جمعها أو تفسير اختلافها بضوابط ظاهرة، لا أن ينتقل الشخص نفسه بين السنة والبدعة والكفر بحسب المتحدث. فإذا كانت الأدلة والقواعد واحدة كما يزعمون، فمن أين جاءت النتائج الثلاث المتناقضة؟

ويجعل موقف محمد أشدها كشفًا للتناقض؛ لأنه يثبت لابن حجر العلم بكتب السلف واختيار ما يسميه الجهمية، ثم لا يكفره، مع نقله الإجماع على تكفير الجهمية ومن لم يكفرهم. فالمشكلة هنا داخل تقريره نفسه قبل مقارنته بدمشقية والخليفي.

دعوة المتابع إلى مراجعة مصدر دينه

يدعو صاحب الفيديو من تأثر بالحدادية إلى أن يسأل نفسه هل يسلم دينه لأقوال متضاربة لا يحكمها معيار ظاهر. ويقابله بمنهج العلماء الراسخين الذين يزنون أخطاء الأئمة بميزان واحد، فيثبتون الخطأ من غير أن يحولوا كل زلة إلى إسقاط شامل.

ويستشهد بقوله تعالى: «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا»، ثم يقول إن سلامة المنهج تظهر في اتساق أصوله، وإن كثرة التناقض تكشف اضطراب المعيار.

الخلاصة

يخلص عابر السبيل إلى أن الحكم الحدّادي على ابن حجر وحده يهدم دعوى وحدة المنهج: دمشقية يجعله سنيًّا ويعتمد شهادته، ومحمد يجعله جهميًّا مبتدعًا مسلمًا، والخليفي يجعله جهميًّا كافرًا. ويزداد موقف محمد اضطرابًا حين يصف ابن حجر بأنه عرف كتب السلف ثم اختار الجهمية، مع أنه ينقل عن حرب الكرماني أن من لم يكفر الجهمية كلهم فهو مثلهم. فإذا لم يستطيعوا بيان ضابط أخرج محمدًا من هذا النص وجمع الأحكام الثلاثة في قاعدة واحدة، بقيت النتيجة التي يقررها الفيديو: ليست هذه قواعد مطردة، بل أحكام تتغير باختلاف الأشخاص والأهواء.