لماذا لا نبدّع الإمام النووي؟ الفرق بين زلّة العالم وبدعة المبتدع

الشيخ أبو الفضل المصري 2 يناير 2026

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يجيب الشيخ أبو الفضل المصري عن سؤالين مترابطين: لماذا يوصف تأويل الصفات بالبدعة ولا يبدّع النووي والسيوطي وأمثالهما؟ وما حكم العامي الذي يقلدهم؟ ثم يشرح بتفصيل الفرق بين زلة العالم وبدعة صاحب الهوى، ومن يملك تنزيل الحكم على الأعيان.

هل أول النووي «كثيرًا»؟

ينبه أولًا إلى أن وصف التأويل بالكثرة يحتاج استقراء: كم صفة أثبتها النووي وكم صفة أولها؟ وأكثر من يردد العبارة مقلد لم يتتبع كتبه، فلا يصح أن يبني عليها حكمًا على الإمام.

الفعل غير الفاعل

قد يكون الفعل بدعة ولا يسمى كل من وقع فيه مبتدعًا، كما يكون القول كفرًا ولا يكفر كل قائله. واستدل بعموم الوعيد في اقتتال المسلمين، مع عدم تنزيله على كل فرد بلا نظر في حاله.

شروط تبديع المعيّن

لا يكفي إثبات أن المسألة بدعة، بل ينظر: هل وقعت من الشخص بلا عذر أو شبهة؟ وهل اتبع الهوى أم قصد متابعة الرسول ﷺ وطلب الحق؟ وهذه دقائق لا يتولاها إلا الأئمة.

حكم المقلد

من لم يعلم مأمور بسؤال أهل الذكر. فإذا سأل عالمًا معتبرًا فأفتاه خطأ ولم يبلغه دليل يخالفه، كان وزر الفتوى على المفتي. أما إذا بلغه الحق وزالت عنه الشبهة فلا يتعصب للعالم، بل يعذره ويلزم الدليل.

إذا اختلف العلماء

العامي الذي لا يقدر على النظر يسأل أهل العلم، فإن اختلفوا اتبع أوثقهم وأقربهم إلى السنة. ومن بذل وسعه واتقى الله في طلب الحق يرجى له العذر والنجاة، ولا يضره حكم أفراد لا يملكون تنزيل الأحكام.

لماذا لا يقاس الأشاعرة بالخوارج؟

نقل ابن باز وابن عثيمين والألباني والفوزان أن الأشاعرة من أهل السنة فيما وافقوا فيه السنة، ولم يقولوا ذلك في الخوارج والمعتزلة. والسبب أن العلماء عدوا الأشاعرة أقرب الفرق إلى أهل السنة، فيقف المتعلم عند تفريقهم.

شهادة ابن تيمية للأشاعرة

ذكر ابن تيمية أنهم يكونون أهل السنة في بلاد أو أزمنة لا يوجد فيها غيرهم، ووصف المماليك الذين قاتلوا التتار معه بالفرقة الناجية والطائفة المنصورة؛ ولم يطلق مثل ذلك على الخوارج أو المعتزلة.

أثر معاذ في زلة الحكيم

حذر معاذ من فتن يقرأ فيها القرآن المؤمن والمنافق، فيبتدع طالب الشهرة للناس غير القرآن ليتبعوه. وحذر في الوقت نفسه من زلة الحكيم، وأمر باجتناب كلمته المشتبهة دون إسقاطه؛ فلعل العالم يراجع.

الحكيم يبقى حكيمًا

قد يلقي الشيطان كلمة ضلالة على فم عالم، وقد يقول المنافق كلمة حق. الميزان هو عرض الكلام على الحق، لا جعل زلة العالم سببًا للطعن فيه ولا جعل كلمة حق عارضة تزكية للمنافق.

الدنيا وزلة العالم وجدال المنافق

في رواية أخرى ذكر معاذ ثلاث فتن: دنيا تقطع الرقاب، وزلة عالم، وجدال منافق بالقرآن. وعلاج الأولى غنى القلب، والثانية ترك الخطأ مع بقاء الصلة بالعالم، والثالثة التمسك بمنار القرآن ورد المشتبه إلى أهله.

العالم قد يفتن ثم يتوب

لا يقلد العالم في دينه تقليدًا أعمى، فإن زل لم يتبع في زلته، لكن لا تقطع الأناة منه؛ فالمؤمن يفتن ثم يتوب، وتبقى له مكانته وأعماله السابقة.

نص ابن تيمية في صاحب القدم الصالح

الرجل الجليل ذو الآثار الحسنة والمكانة العليا في الإسلام قد تصدر منه هفوة يكون فيها معذورًا أو مأجورًا؛ فلا يجوز اتباعه فيها، ولا يجوز كذلك إسقاط منزلته من قلوب المؤمنين.

من يثبت أن الشخص عالم؟

يعرف العالم بشهادة العلماء وترجمتهم له، وتقديمهم وثنائهم عليه، وبعلمه وعمله وسمته. فقد يشتبه العابد بالعالم، وقد يتزيّا الجاهل بزي العلماء؛ والتمييز لا يترك لعامة الناس.

العالِم وصاحب الهوى

العالم المشهود له سليم المنهج متبع للكتاب والسنة، وغالب أمره طلب الحق؛ فتحمل هفوته على الاجتهاد حتى يثبت العكس. أما صاحب الهوى فتظهر مخالفته في أقواله وأعماله وأحواله، ولا يزكيه أهل العلم.

جدال المنافق بالقرآن

يفرق ابن تيمية بين عالم صحيح الاعتقاد يزل، وبين متفلسف أو متكلم يحتج بالقرآن لدفع الخصم لا للاهتداء به. ويمثل المتحدث بمن يبدأ من أصل خارجي ثم يبحث في النصوص عما يزينه، كمن ينكر حد الردة باسم الحرية أو ينفي الرؤية بشبهة عقلية ثم يتستر بآيات.

قصد الحق والرجوع إليه

يقرر الشاطبي أن ابتداع العالم يقع فلتة وبالعرض، لا بتعمد تتبع المتشابه وترك كتب السنة. وعلامة صدقه أنه إذا ظهر له الحق أذعن ورجع، بخلاف المبتدع الذي يتعلم ليقوي هواه ويحرف النصوص له.

الخلاصة

لا يتابع النووي أو غيره في الخطأ، لكن لا يبدع لمجرد وقوعه فيه؛ فالواجب التفريق بين الحكم على المقالة والحكم على القائل، وحفظ منزلة الأئمة، وإحالة أحكام الأعيان إلى أهل العلم والبصيرة.