الحدادية وتكوين: اختلاف الشعارات واتحاد طريق الهدم والإسقاط

ayman korkor | أيمن قرقر 8 يونيو 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يقيم أيمن قرقر هذه الحلقة على مقارنة محددة: لا يسوي بين الحدادية وأعضاء مؤسسة «تكوين» في حكم الإيمان والكفر، لكنه يرى أن الفريقين يلتقيان في منهج هدم الرموز والطعن في الكتب والعلماء والتاريخ الإسلامي. فـ«تكوين» تسير في الطريق الرئيس بإنكار السنة والطعن في الصحابة، والحدادية تدخل من طرق جانبية بشعار الدفاع عن السلف، ثم ينتهي الفريقان، بحسب تعبيره، إلى إسقاط حملة الدين ومصادره. ومن هذا الأصل ينتقل بين ثلاثة ملفات: أثر خلق الملائكة من نور الذراعين والصدر، وكلام محمد بن شمس الدين في العلماء والأشاعرة، ثم دعاوى يوسف زيدان والطعون في صلاح الدين الأيوبي.

المقارنة في المنهج لا في الحكم العقدي

يستبق أيمن الاعتراض على جمع الحدادية و«تكوين» في عنوان واحد، فيقول إن القرآن قد يذكر أصنافًا مختلفة في آية واحدة ولا يسوي بينها في جميع الأحكام، كما قد يجتمع أمران في آية ويختلف حكم كل واحد منهما. ومثّل بقوله تعالى: «كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده»؛ فالأكل عنده مستحب، وإيتاء الحق واجب، مع اجتماعهما في سياق واحد.

وبالمثل، لا يعني وضع محمد بن شمس الدين والحدادية مع يوسف زيدان و«تكوين» أنه يحكم عليهم حكمًا عقديًا واحدًا. وجه الجمع عنده أن هؤلاء يطعنون في البخاري ومسلم وأصحاب السنن، وأولئك يطعنون في النووي وابن حجر والسيوطي وصلاح الدين وغيرهم، فتختلف الشعارات وتبقى ثمرة الهدم واحدة.

أثر خلق الملائكة من نور الذراعين والصدر

بدأ أيمن بمقطع سُئل فيه محمد بن شمس الدين عن أثر أن الله خلق الملائكة من نور الذراعين والصدر، فأجاب بأنه أثر صحيح. يعترض أيمن بأن الجواب المختصر أغفل معارضة الأثر للحديث المرفوع الصحيح عند مسلم عن عائشة رضي الله عنها: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم». فهذا الحديث لم يحدد ذراعين ولا صدرًا، وهو كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بينما النص الآخر موقوف على عبد الله بن عمرو.

الموقوف الغيبي ورواية عبد الله بن عمرو عن أهل الكتاب

يشرح أيمن أن قول الصحابي في الغيب يأخذ حكم الرفع عادة؛ لأن الصحابي لا يعرف الغيب من نفسه، إلا إذا كان ممن يروي عن أهل الكتاب. وينقل عن الذهبي أن عبد الله بن عمرو روى عن جماعة من الصحابة وعن أهل الكتاب، وأدمن النظر في كتبهم واعتنى بذلك.

كما نقل عن ابن قتيبة أن عبد الله بن عمرو أصاب وسقين من كتب أهل الكتاب يوم اليرموك، وأن الناس كانوا يقولون له: حدثنا بما سمعت من رسول الله، ولا تحدثنا من الوسق الذي وجدته. ومن هنا يرى أيمن احتمالًا قويًا أن يكون الأثر من الإسرائيليات، لا حديثًا أخذه عبد الله بن عمرو عن النبي.

حكم الألباني على الأثر

استحضر أيمن كلام الألباني على أثر عكرمة في خلق الملائكة من نور العزة، وأثر عبد الله بن عمرو في نور الذراعين والصدر، ونقل عنه أن ذلك كله من الإسرائيليات التي لا يجوز الأخذ بها؛ لأنها لم ترد عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. ثم سأل محمدًا والحدادية: هل يُترك الحديث المرفوع الصحيح من أجل أثر يقول فيه محدث كالألباني هذا الحكم؟

أقسام الأخبار الإسرائيلية

قسم أيمن المروي عن أهل الكتاب إلى ثلاثة أقسام: ما صح في القرآن أو السنة فهو مقبول؛ وما لم يصدقه الوحي ولم يكذبه فلا يصدق ولا يكذب، وقد يذكر للاستئناس من غير أن يصير أصلًا عقديًا؛ وما خالف التوحيد وطعن في الله والأنبياء فهو مكذوب مردود. ويرى أن تعامل عبد الله بن عمرو مع كتبهم مفهوم في ضوء هذا التقسيم، لكن تحويل كل ما روي عنه إلى عقيدة ملزمة أمر آخر.

التدليس والاضطراب في السند والمتن

أضاف أيمن اعتراضًا إسناديًا: في طريق الأثر حماد بن أسامة، وهو عنده مدلس لم يصرح بالسماع وإنما رواه بالعنعنة. وحتى أبو خالد الأحمر الذي تابعه نقل أيمن عن يحيى بن معين أنه صدوق وليس بحجة، وعن ابن عدي أنه أوتي من سوء حفظه وكانت له أغلاط.

ثم أشار إلى اضطراب ألفاظ الأثر؛ فتارة يقال «نور الذراعين والصدر»، وتارة «شعر الذراعين والصدر»، ولا تتفق طرقه على لفظ واحد. كما لاحظ أن عروة بن الزبير داخل في سند الحديث الصحيح المرفوع عن عائشة من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عنه، بينما يروى الأثر المختلف فيه عن هشام بن عروة عن أبيه. وسأل: كيف يترك عروة ما سمعه عن عائشة من الحديث المرفوع ليحدث بتحديد لم يرفعه إلى النبي؟

سيد السلف مقدم على الأثر المحتمل

يرى أيمن أن شعار اتباع السلف انقلب هنا على غايته؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم سيد السلف والبشر، وحديثه صريح صحيح، ثم يأتي من يجعل الأثر الموقوف المختلف في أصله معيارًا يمتحن به الناس. وكان يكفي الاقتصار على أن الملائكة خلقت من نور كما جاء في الحديث، من غير إثارة خصومة في وصف زائد لم يثبت عن النبي.

هل السخرية من محمد كالسخرية من الرسول؟

انتقل أيمن إلى مقطع سئل فيه محمد عن سخرية الناس من مزاحه في القهوة، فأجاب: هل سلم منهم رسول الله؟ يرفض أيمن هذه المقارنة؛ فالسخرية من الرسول كفر بنص قوله تعالى: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون»، أما السخرية من محمد فليست كذلك. كما أن محمدًا يسخر من مخالفيه ويسميهم بأسماء تحقيرية، فمن سخر منه عامله بمثل طريقته، ولا يصح أن يضع مقامه إلى جوار مقام الرسول.

قول محمد إن كلام ابن تيمية في الأشاعرة غير منضبط

عرض أيمن جوابًا لمحمد يقول فيه إن كلام ابن تيمية في الأشاعرة «ليس منضبطًا انضباطًا واضحًا»، ثم حاول استنباط أنه يكفر بعض أعيانهم ولا يكفرهم بإطلاق، ويفرق بين من اتبع أبا الحسن الأشعري في «الإبانة» ومن اتبع الرازي.

استنكر أيمن أن يوصف كلام ابن تيمية بعدم الانضباط، ثم يجعل كلام محمد هو المعيار المنضبط. وشرح أن ابن تيمية قد يعد الأشاعرة من أهل السنة عند مقارنتهم بالجهمية والرافضة والمعتزلة، ويقرر أن القول قد يكون كفرًا من غير تكفير القائل المعين حتى تقوم الحجة وتزول الشبهة وتستوفى الشروط وتنتفي الموانع.

القول الكفري لا يجعل كل قائل كافرًا

ضرب أيمن أمثلة على الفرق بين القول والقائل: الرجل الذي قال من شدة الفرح «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» نطق بكلام كفري ولم يكفر لخطئه، والصحابة الذين طلبوا ذات أنواط لم يكفرهم النبي، والرجل الذي يخاطب ربه يوم القيامة بعبارة ظاهرها الاعتراض يعذره الله لما يرى ما لا صبر له عليه. فقول محمد إن أقوال بعض الأشاعرة كفر يحتاج إلى هذا البيان، لا إلى إطلاق يسمعه الجمهور على أنه تكفير للأعيان.

ابن تيمية لم يسمهم كفارًا

استشهد محمد بقول ابن تيمية عندما طلبوا منه كتابة ما ينفي العلو والحرف والصوت: «اللهم إنهم يأمرونني أن أكفر بك وملائكتك وكتبك ورسلك». يرد أيمن بأن ابن تيمية قال إنهم يأمرونه هو بفعل الكفر، ولم يقل: هؤلاء كفار بأعيانهم. فالعبارة لا تسوغ تحميله حكمًا لم ينطق به.

ثم قطع محمد كلامه وانتقل إلى مزاح في الطعام والمايونيز. رأى أيمن أن هذا الانتقال في جواب عقدي عن التكفير يستخف بخطورة السؤال، ويترك السامع بلا تحرير للقول ولا القائل.

الانتقال إلى يوسف زيدان و«تكوين»

بعد عرض النموذج الحدادي انتقل أيمن إلى نموذج «تكوين». زعم يوسف زيدان أن القرآن كانت له ثلاثة أو أربعة آلاف قراءة، ثم تحدث لاحقًا عن أحد عشر ألف قراءة. يرد أيمن بأن القراءات المعروفة تدرس في الأزهر وغيره، وأن كتب التفسير تذكر اختلافها وآثاره، فلا يصح تحويل اختلاف الطرق والروايات إلى آلاف النصوص المتعارضة.

عثمان الخطاط والرسم العثماني

قال زيدان إن العامة توهمت أن الرسم العثماني منسوب إلى عثمان بن عفان، والصحيح عنده أنه من عمل خطاط عثماني. يصف أيمن هذا بأنه قلب للتاريخ، فالرسم العثماني منسوب إلى المصاحف التي كتبت في عهد عثمان بن عفان، ولا وجود للدعوى التي جعلت خطاطًا مجهولًا أصل التسمية.

وأضاف زيدان أن الملك فؤاد صنع مصحفًا برسم آخر لكنه لم ينتشر بسبب نفط السعودية. يقابل أيمن ذلك بالتسلسل الذي ذكره في الحلقة: توفي الملك فؤاد سنة 1936، وبدأ استخراج النفط السعودي سنة 1938 بكميات محدودة، ثم تعثرت الصناعة لاحقًا. ولذلك لا يفهم جعل النفط سببًا في عدم انتشار مشروع سابق عليه.

«إن جاءكم فاسق» لا «إذا جاءكم»

استشهد زيدان بقوله تعالى بصيغة: «يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبإ»، فنبه أيمن إلى أن الآية: «إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا». ثم بنى زيدان كلامًا على قراءتي «فتبينوا» و«فتثبتوا»، وزعم أن الفقهاء بنوا أحكامهم على قراءة واحدة ونسوا الأخرى.

يرد أيمن بأن التبين يتضمن التثبت والتثبت يفضي إلى التبين، وأن المفسرين لم ينسوا القراءات بل يعرضونها ويجمعون معانيها. كما رفض ربط «فتبينوا» بفعل «بان» في قصيدة «بانت سعاد» بمعنى ابتعدت؛ فالكلمة تعرف من سياقها، ولا يحمل كل اشتقاق على معنى واحد.

السياق يحدد معنى الكلمة

مثل أيمن بكلمة البشرى؛ فتأتي في قوله تعالى: «وبشر الذين آمنوا» بالنعيم، وتأتي في «فبشرهم بعذاب أليم» بالتهديد. وكلمة «وراء» تأتي بمعنى الخلف في «فنبذوه وراء ظهورهم»، وبمعنى الأمام في «وكان وراءهم ملك»، وبمعنى غير في «فمن ابتغى وراء ذلك». فالمعنى لا ينتزع من جذر الكلمة وحده، بل من السباق والسياق واللحاق.

رسالة مختلقة بين عمر وعمرو

حكى زيدان أن عمر كتب إلى عمرو بن العاص ساخرًا من اسمه: «إلى العاص بن العاص»، وأن عمرو أجابه بأنه لولا إمرة عمر لرد عليه بما يليق. يطلب أيمن مصدر هذه الحكاية، ويرى أن تصوير الصحابة بهذا الأسلوب يتعارض مع الثناء القرآني عليهم: «رحماء بينهم»، و«رضي الله عنهم ورضوا عنه»، و«لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة».

صلاح الدين شخصية اخترعت بعد سنة 1950

زعم زيدان أن صورة صلاح الدين التي يعرفها الناس مغالطة صنعتها السينما والسياسة، وأن الباحث لن يجد هذه الشخصية قبل خمسينيات القرن العشرين، ثم وصفه بأنه من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني. يرد أيمن بذكر «البداية والنهاية» و«الروضتين» وكتب أبي شامة والمقريزي وغيرها من المصادر القديمة التي ترجمت لصلاح الدين وأحداث دولته.

دعوى فصل رجال الفاطميين عن نسائهم

قال زيدان إن صلاح الدين جمع ذكور الفاطميين من المولود إلى الشيخ في موضع، والنساء في موضع آخر، ومنع التناسل حتى انقطع نسلهم. يصف أيمن هذا بأنه ادعاء بلا مصدر، ويقول إن بقايا الفاطميين تفرقوا في البلاد بعد زوال دولتهم، وإن صلاح الدين ضم بعض جنودهم إلى جيشه ثم أعدم ثمانية منهم بتهمة الخيانة، وهو ما يناقض صورة الإبادة الشاملة التي رسمها زيدان.

هل أحرق صلاح الدين مكتبة القصر؟

نسب زيدان إلى صلاح الدين إحراق مكتبة القصر الفاطمي. يقول أيمن إن صلاح الدين أوكل التصرف في الكتب إلى مسؤول فبيعت بأثمان قليلة، وخرجت أجزاء منها إلى المغرب والإسكندرية وغيرها، ثم أحرق بعض من اشتراها كتبًا تخالف عقيدته واستعمل بعضهم جلودها. وبذلك يفرق بين بيع المكتبة وبين إحراقها بيد صلاح الدين.

الدفاع عن الفاطميين

اعترض أيمن على وصف الفاطميين بأنهم من آل البيت لمجرد الاسم؛ فوصف دولتهم بأنها عبيدية كانت تسب الصحابة وتطعن في أم المؤمنين. كما أعاد ما ينسبه إلى مصادر الشيعة في تحريف القرآن ومصحف فاطمة، ليسأل: لماذا يقدم زيدان هذه الدولة مظلومة ويجعل صلاح الدين مجرمًا لأنه أسقطها؟

الطعن الحدادي في صلاح الدين

بعد نموذج «تكوين» عرض أيمن نموذجًا من الخطاب الحدادي. في مقطع لمحمد بن شمس الدين سُئل عن صلاح الدين الأشعري فوصفه بمقاتل شرس، وشبهه بقائد لتنظيم داعش. ثم عرض أيمن متحدثًا حداديًا آخر ينقل عن السيوطي نشر صلاح الدين العقيدة الأشعرية وتعليمها للصبيان، فيصف السيوطي بالزندقة، ويجعل صلاح الدين رأسًا في البدعة، ثم يقول إن الأشاعرة والصليبيين جميعًا كفار خارجون من ملة الإسلام.

يرى أيمن أن هذا هو موضع التقاء الطريقين: يوسف زيدان يصف صلاح الدين بأنه من أحقر الشخصيات ويحمله جرائم مختلقة، والخطاب الحدادي يبطل فتوحاته ويكفره بسبب الأشعرية. يختلف المدخل؛ هذا يدخل من إنكار التاريخ وذاك من امتحان العقائد، لكنهما ينتهيان إلى إسقاط الرمز نفسه.

كل الطرق تؤدي إلى روما

يشبه أيمن «تكوين» بمن يسير في الطريق الدولي لهدم الإسلام صراحة، ويشبه الحدادية بمن يدخل الحارات الجانبية بشعار السلف، ثم يخرج في النهاية إلى الطريق ذاته: تكفير العلماء، والطعن في الناقلين، وإسقاط الكتب، وتشويه صفحات القوة في تاريخ المسلمين. ويضم إلى هذا المسار صابر مشهور وغيره ممن يتخذون الطعن في الرموز مادة دائمة.

الخلاصة

يخلص أيمن قرقر إلى أن الباطل قد يغير ثيابه ولا يغير غايته. ففي أثر خلق الملائكة ترك الخطاب الحدادي الحديث المرفوع الصحيح وأقام الخصومة على أثر موقوف محتمل الإسرائيلية؛ وفي الأشاعرة حمل كلام ابن تيمية على تكفير لم يصرح به؛ وفي المقابل قلب يوسف زيدان تاريخ المصحف والقراءات والصحابة وصلاح الدين. ثم جاء حداديون إلى صلاح الدين من الباب الآخر فكفروه وساووا بينه وبين أعدائه. لهذا جمع أيمن الفريقين في عنوان واحد: لا ليسوي بين أحكامهم، بل ليحذر من نهج واحد يهدم حملة الدين وثوابته، مرة باسم التنوير ومرة باسم السلف.