مناظرة محمد شمس وعلاء المهدوي: الحد والتجسيم وما أضاعته فوضى المداخلات
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يستأنف أيمن قرقر في الجزء الثاني نقد مناظرة محمد بن شمس الدين مع علاء المهدوي، مركزًا على سؤال الحد، ودعوى تركيب إله أهل السنة، ونصوص الصفات، والمداخلات التي كان يمكن أن تنقلب إلزامات قوية على المذهب الإمامي لو وجد المناظر المستعد لها. ويقرر أن الرافضي لا يمثل الحق، وأن محمدًا لا يمثل أهل السنة في هذه المواجهة؛ فالمقصود عنده بيان كيف غلب الجدل المرتب علمًا غير مستعد، وكيف ضاعت أبواب كاملة من الرد بسبب غياب الخطة وتدخل المنظم والنزاع المتكرر على الوقت.
يربط أيمن ما جرى بداء تزكية النفس؛ فالمتعلم في أول الطريق قد يظن أنه أحاط بالعلم، بينما يدرك الراسخ اتساع ما يجهله. ويرى أن محمدًا دخل ساحة لم يعرف قوانينها، ثم تعامل مع كل اعتراض كأنه حوار عابر يمكن تحويله متى شاء، مع أن عنوان اللقاء ووعده السابق كانا يتحدثان عن مناظرة كبرى. لذلك يتابع أيمن كلام الطرفين، ويبين الجواب الذي يراه صحيحًا، والمواضع التي كان ينبغي فيها مطالبة علاء بالمصدر أو إلزامه بنصوص مذهبه.
سؤال الحد والجواب الذي دار حوله
كرر علاء طلب نص صريح من القرآن أو النبي أو الصحابة يقول إن لله حدًا، ولم يرض بالمعنى المستنبط ولا بقول عبد الله بن المبارك المتأخر عن زمن الصحابة. فأجابه محمد بمثال من يتحدث بالإنجليزية فيقول: «الله هو إلهي»، وأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ العربية الواردة. يرى أيمن أن المثال لا يمس السؤال العقدي، وأنه منح علاء فرصة تكرار تحديه بدل إغلاقه.
الجواب الأقصر عند أيمن أن يسأل علاء: هل الله حال في خلقه، أو خلقه حالون فيه؟ فإن نفى الأمرين فقد أثبت المباينة التي أرادها من استعمل لفظ الحد. فالمقصود ليس صفة زائدة تسمى بها ذات الله، ولا طولًا وعرضًا يرسمهما البشر، وإنما أن الخالق غير المخلوق، مستو على عرشه، بائن من خلقه. ويضيف أيمن أن لفظ الحد نفسه محل كلام بين أهل السنة؛ فمنهم من أثبته بهذا المعنى ومنهم من امتنع منه، ولذلك لم يكن من الحكمة جعل مسألة خلافية داخلية ميدان المواجهة الرئيس مع الرافضي.
«الله هو إلهي» لا يحرر محل النزاع
ظل محمد يعود إلى مثال العبارة الإنجليزية ليقول إن العقيدة قد تؤدى بألفاظ لم ترد بعينها في القرآن. أما علاء فكان يطالب بتصريح في أصل اعتقادي لا بترجمة لفظ من لغة إلى أخرى. ويقول أيمن إن هذا الدوران كشف ضعف القدرة على تحرير السؤال: كان يمكن إثبات المعنى بآيات العلو والمباينة، ثم بيان أن النزاع في الاصطلاح، من غير أن تتحول المداخلة إلى تكرار لعبارة لا تقنع الخصم ولا تعلم المشاهد.
قول زينب: «زوجني الذي في السماء»
استدل محمد بقول زينب رضي الله عنها إن الذي في السماء زوجها، ووصف الكلام بأنه مفصل. فسأله علاء عن تعريف المفصل، فتدخل المنظم مرارًا، ثم جاء الجواب بأن المفصل ما لا يحتاج إلى نص آخر يفسره. يرى أيمن أن المشهد أعاد المشكلة نفسها: المصطلح لم يكن حاضرًا بوضوح، والمنظم صار يمنح مهلة غير معلنة للبحث عن الجواب، بدل أن يكون الطرفان قد اتفقا قبل البث على زمن مستقل لكل مداخلة.
هل الله مخلوق؟ إلزام فاسد وفرصة صحيحة ضاعت
سأل محمد علاء: هل الله مخلوق؟ فلما أجاب بأنه خالق غير مخلوق طلب منه نصًا قرآنيًا بلفظ «الله غير مخلوق»، كأنه يقابل بذلك طلب النص الصريح في لفظ الحد. يرفض أيمن هذا القياس؛ فالقرآن يقرر أن الله خالق كل شيء، ويقول: «قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد»، ويعرض خلق السماوات والأرض والإنسان، فلا يستقيم أن يكون خالق الموجودات مخلوقًا.
لكن جواب علاء فتح بابًا كان يمكن أن يهدم جانبًا واسعًا من مذهبه؛ إذ استشهد بكلام منسوب إلى الإمام عنده يرد على هشام القائل بالصورة والجسم. وهنا كان ينبغي، بحسب أيمن، أن يسأل محمد عن هشام بن الحكم وهشام بن سالم، ومكانتهما عند الإمامية، وما نُسب إليهما من التجسيم ووصف الذات. لو ضُبط هذا الباب لتحول كلام علاء إلى إقرار بأن رموزًا كبارًا في مذهبه قالوا بما يشنع هو به على أهل السنة، لكن الفرصة مرت بلا استثمار.
مئة وستون اسمًا وغياب اللفظ الصريح
زعم علاء أنه راجع أسماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى نحو سنة 160هـ، فلم يجد قبل عبد الله بن المبارك من صرح بلفظ الحد. يجيب أيمن بأن عدم العثور على اللفظ لا ينقض معنى المباينة المقرر عند أهل السنة، لكنه يعيد التأكيد أن جعل اللفظ نفسه أصل المعركة خدم خصمًا جاء مجهزًا بقائمة أسماء، بينما لم يأت محمد بتحرير تاريخي ولا بإلزام عقدي مباشر.
دعوى أن إله أهل السنة مركب
انتقل علاء إلى وصف إله أهل السنة بأنه مركب ذو أجزاء. ويقول أيمن إن أول واجب كان مطالبته بنص صريح عن عالم من أهل السنة يقول بهذا، ثم قلب الدعوى عليه من مصادر مذهبه. واستحضر كلامًا نسبه إلى محمد الصدر في «مسائل وردود» يقرر أن عالم الخارج عالم الجزئيات، ثم يجعل ذات الله من الجزئيات بمعنى مخصوص، واستحضر كذلك ما نُسب إلى هشام بن سالم وهشام بن الحكم في الجسم والجوف والخاصرة. والمقصود عند أيمن بيان أن من يشنع بالتجسيم يحمل في تراثه نصوصًا أولى بسؤاله عنها.
قبضة الطين وعقيدة الطينة
سخر علاء من إثبات أن الله خلق بيده، وصور الأمر كأن الرب يصنع عجينة من الطين. فرد أيمن بأن القرآن يقول: «إني خالق بشرًا من طين» و«ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»، وأن كتب الإمامية، بحسب ما عرضه، تروي أن الله أجرى الماء المالح والعذب على الأرض، ثم قبض قبضة فعركها فخرج منها أهل الجنة وأهل النار. كما أشار إلى عقيدة الطينة التي تجعل للأئمة وشيعتهم طينة مخصوصة، وتنقل آثار الأعمال بين طينة الشيعي وطينة مخالفيه. وكان يرى أن عرض هذه النصوص في وقتها أبلغ من الصمت أو الاكتفاء باستنكار عام.
كذبة كرة القدم المنسوبة إلى ابن تيمية
نسب علاء إلى ابن تيمية القول إن الله يرمي الكرة الأرضية كما يرمي الغلام كرة القدم. يعلن أيمن تحديه أن يأتي علاء بمصدر هذه العبارة، ويعيب على محمد أنه لم يوقفه عند النسبة ولم يطالبه باسم الكتاب والصفحة. فالمناظرة ليست مكانًا لترك دعوى ثقيلة تمر ثم متابعة الكلام، بل يجب إلزام صاحبها بإثباتها أو إسقاطها من الحجاج.
اليد والطي والخلق من طين
عدد علاء نصوص اليد والقبض وطي السماوات وخلق آدم من طين على أنها تجسيم. ويرى أيمن أن الجواب المباشر كان في القرآن نفسه: «بل يداه مبسوطتان»، و«والسماوات مطويات بيمينه»، و«ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»، مع تقرير «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». إثبات النص عنده لا يعني تشبيه صفات الله بصفات المخلوق، وإنما يثبت المعنى ويمنع التكييف والتمثيل.
هل ضعّف الخوئي رواية اليد؟
عرض محمد رواية من كتب الشيعة في يمين الله، فقال علاء إن الخوئي ضعفها، ثم فسر «يمين الله» بأنها باب الخير والجنة. يقول أيمن إن المناظر المستعد كان سيطالبه فورًا بمصدر تضعيف الخوئي، لكنه ترك الدعوى تمر. ثم أورد أيمن من «الكافي» رواية في إقالة أهل المعروف عثراتهم جاء فيها: «فإن كف الله عليهم هكذا»، مع إشارة باليد كمن يظل شيئًا، ليقرر أن مادة اليد موجودة في كتب الخصم وليست خاصة بكتب أهل السنة.
الصواعق المرسلة وحديث العماء والقدم
استشهد علاء بكلام ابن القيم عن الألفاظ التي يرفعها المعطلة كشعار للتنزيه: نفي الأعراض والأبعاض والحدود والجهات والحوادث. ويقول أيمن إن المقصود عند ابن القيم كشف الألفاظ المجملة التي يسمعها العامي فيظنها تنزيهًا محضًا، لا تقرير أن الله مركب من أجزاء.
ثم أثار علاء حديث السؤال: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ ولفظ العماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء. يذكر أيمن أن الحديث مختلف في صحته، وأن العماء فسره بعض أهل العلم بالسحاب، وفسر بعضهم «ما» بالنفي، ويستحضر قوله تعالى: «هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام». كما تعرض علاء لنص وضع الجبار قدمه في النار، وعدّه قدمًا معروفة، فرأى أيمن أن كل هذه الشبهات يجمعها أصل واحد كان كافيًا في الرد عليها.
اتفاق الاسم لا يوجب اتفاق الحقيقة
يصوغ أيمن أصله الجامع: لا يلزم من اتفاق الاسم اتفاق المسمى، ولا من اتفاق الصفة اتفاق الموصوف. فالله سمى نفسه الملك والعزيز، وسمي مخلوق في القرآن ملكًا وعزيزًا، ولم يلزم تماثلهما. وفي المخلوقات تسمى مقابض الباب والثلاجة والإناء والحقيبة «يدًا» مع اختلاف حقائقها، فكيف يجعل مجرد اشتراك لفظ اليد دليلًا على تماثل الخالق والمخلوق؟
ويضيف أن من نفى صفة اليد فرارًا من تشبيه الله بالإنسان انتهى إلى تشبيهه بمخلوقات لا يد لها كالصخرة والثمرة؛ فلا يخرج من التشبيه المزعوم بمجرد النفي. والمخرج عند أيمن هو إثبات ما أثبته الوحي على وجه يليق بالله، بلا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل.
فوضى الوقت والمنظم
رافق المسائل كلها نزاع لا ينتهي: ثلاث دقائق أم أربع، سؤال واحد أم عدة شبهات، حوار تفاعلي أم مداخلات مستقلة. أغلق المنظم المايك على الطرفين، وضحك في أثناء السجال، ثم خاصمه علاء واتهمه بعدم الإنصاف. ويقول أيمن إن المناظرة الصحيحة تضبط هذه المسائل قبل البث؛ أما التفاوض المستمر على الوقت فقد بدد المادة، وجعل الجمهور يحاكم الأصوات والمقاطعات بدل الأدلة.
الخلاصة
يخلص أيمن قرقر إلى أن الجزء الثاني أكد حكمه على المواجهة: علاء جاء بقائمة شبهات ونقول، وفي كثير منها تدليس أو بتر أو نسبة تحتاج إلى إثبات، لكنه استفاد من خصم لم يكن قد أعد مصادره ولا إلزاماته. ومحمد لم يحسن تحرير الحد، وترك اعترافات تتعلق بهشام والتجسيم وعقيدة الطينة تمر، ولم يطالب بمصدر العبارة المكذوبة على ابن تيمية ولا بتضعيف الخوئي. وفوق ذلك أفسد المنظم ترتيب المداخلات. فالقضية عند أيمن ليست أن الرافضي صار محقًا، بل أن نصرة السنة تحملها معرفة نصوص الخصم، وضبط محل النزاع، وإقامة الدليل في وقته.
فيديوهات أُخرى
دمشقية بين تكفير السيوطي وإلزام محمد شمس بكلامه في اللفظية
