مناظرة محمد شمس وعلاء المهدوي: الحد والصورة وفوضى إدارة الحوار

ayman korkor | أيمن قرقر 19 يونيو 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يبدأ أيمن قرقر تعليقه الأول على مناظرة محمد بن شمس الدين والرافضي علاء المهدوي بإعلان موقف لا مواربة فيه: كان يتمنى أن ينتصر المنتسب إلى السنة على خصمه، لكنه رأى أن محمدًا دخل مناظرة في التوحيد والصفات من غير إعداد ولا خطة ولا إحاطة بأصول المناظرات، فترك لعلاء مساحة الهجوم، ولم يضع في مداخلته الأولى سؤالًا ملزمًا ولا أصلًا يرجع إليه الحوار. ومن هنا لا يكتفي أيمن بوصف الضعف، بل يعيد بناء الأجوبة التي كان ينبغي أن تقال، ويكشف المواضع التي أضاع فيها محمد فرص الرد على عقائد الشيعة، ثم يتابع كيف تحولت المناظرة من محاجّة منضبطة إلى جدال على الوقت والمايك.

يقول أيمن إنه لا يجعل علاء المهدوي ممثلًا للحق، ولا يجعل محمد بن شمس الدين ممثلًا لأهل السنة؛ وإنما يوازن بين حجج قيلت وجواب غاب. وهو يكرر أن الرافضي كان أدرى بمسار المناظرة، فعرّف بمذهبه، ووضع أسئلته، واستثمر ضعف خصمه، بينما اكتفى محمد بمقدمة عامة عن الأسماء والصفات والإيمان بالغيب. وفي أثناء ذلك يعرض أيمن ما يراه الجواب السني في مسألة الحد، ويناقش دعوى توحيد الشيعة، وخطبة الافتخار، وقضية علم الله وكلامه، واستدلال إبراهيم على بطلان عبادة الأصنام.

المناظرة غير الحوار المفتوح

يستهل أيمن بتحرير قواعد المناظرة كما عرفها من حواراته القديمة: يتفق الطرفان قبل البدء على موضوع محدد، وزمن متساو، وعدد مداخلات، ويستعمل كل طرف وقته للرد ثم لإقامة أسئلة وإلزامات على خصمه. ولا يتدخل المنظم إلا لحفظ الشرط المتفق عليه. أما أن يتحدث أحدهما ثم يسلم المايك بلا سؤال، ويعود بعد ذلك ليطالب بأنه صاحب الحق في السؤال، فذلك عنده دليل على غياب الخطة لا على قوة الحجة.

ويذكر أن محمدًا نفسه كان يحذر من مناظرة أهل البدع إذا كان صاحب الباطل أفصح وأقدر على الجدل، لأن ضعف المناظر قد يلبّس على العامة. ثم يطبق أيمن هذا الكلام عليه: من عرف حدود قدرته لم يدخل مواجهة عقدية مع شخص متمرّس في السجال قبل أن يجمع أصول المسائل والنقول التي يحتج بها خصمه.

لماذا وصفها أيمن بالمهزلة؟

كان أيمن يرجو أن يُهزم علاء في هذه المواجهة، ويقول إن انتماء محمد إلى دائرة السنة يجعله أقرب من الرافضي مهما كانت أخطاؤه. لكنه رأى أن التعصب لا يصلح معيارًا للحكم، وأن هزيمة صاحب السنة في مناظرة سيئة الإعداد تضر الناس. ولذلك دعا عبد الرحمن دمشقية، بوصف خبرته الطويلة في مناظرة الشيعة، إلى أن يعلّق على ما جرى، وسخر من الدعايات التي زعمت دخول مشاهدين في السنة بعد المناظرة، لأن المضمون الذي استمع إليه لم يحمل عنده جوابًا يفسر هذا الادعاء.

مقدمة محمد بلا سؤال ولا قيد

عرض محمد في افتتاحه اعتقاد أهل السنة في أسماء الله وصفاته: إثبات الوجه واليدين والمجيء، والإيمان بالقرآن والسنة الصحيحة، مع قوله إنه سيحتج على علاء بالقرآن لأن خصمه لا يقبل السنة. رأى أيمن أن هذه مقدمة عامة يمكن أن تقال في درس، لكنها لا تؤدي وظيفة مداخلة المناظرة ما لم تتبعها أسئلة تضبط طريق الخصم. كما عاب عليه أن صلاته في المقدمة اقتصرت على النبي وآله ولم يصرح بالترضي عن الصحابة وأمهات المؤمنين، مع أن هذا موضع ينبغي فيه إظهار الفارق العقدي أمام خصم يطعن فيهم.

افتتاح علاء وتثبيت مذهبه

افتتح علاء بالحديث عن النبي وآله وما سماه ظلم أهل البيت ولعن أعدائهم وناكري فضائلهم. ويقول أيمن إن هذا الافتتاح، على بطلانه عنده، أدى وظيفة جدلية واضحة: عرّف السامع بهوية المتكلم وموقفه من الصحابة. ثم نقل علاء خطبة منسوبة إلى علي في التوحيد، وقرر أن الشيعة يملكون بيانًا مفصلًا في التنزيه، وقرأ من كتاب «عقائد الإمامية» لمحمد رضا المظفر عبارات نفي الجسم والصورة والجوهر والعرض والمكان والزمان.

كان الواجب عند أيمن أن يناقش محمد هذه الدعاوى من كتب الشيعة نفسها، ويبين ما يراه تعارضًا بينها وبين رواياتهم، لا أن يتركها تمر وكأنها أثبتت أن الشيعة أهل التوحيد وأن السنة لا يملكون خطبًا في هذا الباب. ويستشهد أيمن بسورتي الفاتحة والإخلاص، وبآيات نفي الشريك والولد، وبحديث ابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله»، ليقول إن القرآن والسنة مشحونان بالتوحيد ولا يحتاج أهل السنة إلى ادعاء خطبة مخصوصة لإثباته.

خطبة الافتخار في مواجهة دعوى التوحيد

يقدم أيمن «خطبة الافتخار» المنسوبة إلى علي في مصادر الشيعة بوصفها النص الذي كان ينبغي أن يواجه به محمد استدلال علاء. وينقل منها عبارات تجعل عليًا عالمًا بما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وصاحب علم القدر، والمحاسب للخلق، ومنزلهم منازلهم، وصاحب الصراط والميزان والكوثر، والمنادي للأرواح: «ألست بربكم»، ومنشئ الأنام. ويؤكد أن عليًا رضي الله عنه بريء من هذه النسبة، وأن المقصود كشف ما يراه تأليهًا لعلي والأوصياء في كتب الخصم.

ويشرح أن القضية ليست رد الشتيمة بمثلها، بل إلزام علاء بنتيجة نصوص مذهبه: إذا كان الحساب وعلم الغيب المطلق وأخذ العهد على الأرواح من خصائص الرب، فكيف تجتمع هذه النسب مع دعوى التنزيه التي افتتح بها؟ ويرى أن مداخلة علاء الأولى وحدها كانت تتيح تفكيكًا طويلًا لعقائد الإمامية، لكن محمد لم يلتقط هذه الأبواب.

سؤال الحد الذي ترك بلا جواب

سأل علاء محمدًا أن يأتي من القرآن أو السنة أو الصحابة أو علماء القرن الأول بمن قال: إن لله حدًا، ثم سأله عن صورة الرب: أهي ثابتة أم متغيرة؟ ويقول أيمن إن السؤالين صارا محور المناظرة لأن علاء وضعهما في الوقت الذي فرط فيه محمد بمداخلته، ثم لم يقدم محمد جوابًا مباشرًا يحرر لفظ الحد أو يبين المراد منه.

الحد بمعنى المباينة لا القياس المكاني

يبني أيمن جوابه على أن لفظ الحد استعمل في مواجهة الجهمية والحلولية بمعنى مباينة الخالق للمخلوق: الله ليس حالًا في العالم، والعالم ليس داخلًا في ذات الله. وينقل المعنى الذي قرره أحمد في إلزام من يقول بالحلول: إما أن يقال إن الله خلق العالم ثم دخل فيه، أو خلقه فأدخله في نفسه، وكلاهما باطل، أو يقال إنه خلق العالم وعلا عليه وبان منه، وهو اعتقاد أهل السنة عند أيمن.

ثم يستحضر كلام ابن تيمية في تفسير قول عبد الله بن المبارك إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه. فذكر الحد جاء لأن الجهمية كانوا ينفون تميز الخالق عن الخلق وعلوه عليهم، لا لإضافة صفة لم ينطق بها الكتاب والسنة ولا لتحديد طول وعرض وبداية ونهاية. لذلك كان يمكن لمحمد أن يسأل علاء: هل تقول إن الله يحل في خلقه أو إن خلقه يحلون فيه؟ فإن نفى ذلك فقد وافق على معنى المباينة، وبطل جعل النزاع في مجرد اللفظ.

حد لا يحيط به المخلوق

يشدد أيمن على أن إثبات المباينة لا يعني إحاطة المخلوق بالله ولا رسم حد هندسي له؛ فالقرآن يقول: «ولا يحيطون به علمًا» و«ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء». كما يثبت أهل السنة الوجه واليد والاستواء على وجه يليق بالله، من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، فكذلك يفهمون المباينة من غير تحديد لا دليل عليه. ويعيب على محمد أنه قال إن المسألة سهلة ثم لم يعط هذا البيان المختصر.

من يملك وقت السؤال؟

بعد أن وضع علاء أسئلته، اعترض محمد بأنه صاحب المداخلة الأولى ومن حقه أن يبدأ بالسؤال. يرد أيمن بأن الحق لا ينفع بعد تضييع وقته: لم يمنعه أحد من وضع سؤال في افتتاحه، فلا يصح أن يتخذ ذلك ذريعة لتجاوز ما ألزمه به خصمه. ويرى أن تدخل المنظم المتكرر، وقطع الكلام، ومحاولة تحديد وظيفة كل مداخلة أثناء البث لا قبله، حول المناظرة إلى تفاوض دائم على الوقت بدل مناقشة التوحيد.

العلم: عين الذات أم صفة قائمة بها؟

انتقل محمد إلى سؤال علاء عن علم الله: هل هو عين الذات أم غيرها؟ أجاب علاء من البداية بأن العلم عين الذات، ثم أراد محمد إلزامه بقوله تعالى: «أنزله بعلمه»، فقال: إذا كان العلم عين الذات لزم أن يكون الله أنزله بذاته. يرى أيمن أن لمحمد وجه استدلال أراد الوصول إليه، لكنه لم يصغه صياغة واضحة، وأن علاء لم يتراجع كما ادعى محمد، بل ظل يقول إن العلم عين الذات. وكان ينبغي تحرير محل النزاع بدل تكرار السؤال وإظهار الخصم كأنه لم يجب.

كلام الله واستدلال إبراهيم بالأصنام

قال علاء إن الله يخلق الصوت والنطق ولا ينطق بجوف وآلة، فسأله محمد عن قوله تعالى في قصة إبراهيم: «ما لكم لا تنطقون»، وجعل عدم نطق الأصنام دليلًا على بطلان عبادتها، ثم أراد إلزام الشيعة بأن المعبود الذي لا يتكلم لا يستحق العبادة. يعترض أيمن على وضع الدليل: إبراهيم لم يقل إن مجرد الصوت يجعل صاحبه إلهًا، وإلا كان عجل السامري الذي له خوار مستحقًا للعبادة. إنما أقام الحجة على أصنام لا تنفع ولا تضر ولا تجيب ولا تهدي سبيلًا.

ولهذا يقر أيمن بأن جواب علاء في هذا الموضع أصاب الخلل في الاستدلال، مع بقاء اعتقاد أهل السنة أن الله يتكلم كلامًا يليق بجلاله. والفارق عنده بين حفظ آية وبين وضعها في موضعها: النص الصحيح لا يصير حجة صحيحة إلا إذا دل على النتيجة المرادة.

العجل ذو الخوار لا يثبت الألوهية بالصوت

استحضر الطرفان قوله تعالى في عجل بني إسرائيل: «عجلًا جسدًا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلًا اتخذوه وكانوا ظالمين». تمسك محمد بجملة «لا يكلمهم»، وتمسك علاء بأن العجل كان له صوت ومع ذلك ظل معبودًا باطلًا. ويقول أيمن إن الآية تجمع انعدام الكلام الهادي والنفع والضر، ولا تسوغ اختزال دليل الألوهية في وجود الصوت. ثم ضاع بقية النقاش في تكرار الأسئلة واعتراض المنظم، ولم يعد لكل طرف وقت معلوم يبني فيه جوابًا متكاملًا.

«أنا عالم بالقرآن» وثمرة تزكية النفس

بلغ السجال ذروته حين سأل علاء محمدًا: ممن تفهم القرآن؟ وهل أنت عالم بظاهره وعامه وخاصه؟ فقال محمد إنه يفهم القرآن كما أنزله الله، ولما سخر علاء قائلًا إن المفسرين لا حاجة إليهم ما دام محمد موجودًا عالمًا بالقرآن، أجاب: «إن شاء الله نعم». يرى أيمن أن هذه العبارة كشفت علة المناظرة: تضخم الدعوى وغياب التواضع الذي يحمل صاحبه على التعلم أو قول «لا أعلم». وقد استثمر علاء العبارة للسخرية من كتب التفسير ومن خصمه، فصار المشهد خزيًا على المتصدر لا على أهل السنة.

الخلاصة

يخلص أيمن قرقر في هذا الجزء إلى أن محمد بن شمس الدين دخل مناظرة عقدية بلا إعداد يوازي خطورتها: لم يضع أسئلة في افتتاحه، ولم يواجه دعوى توحيد الشيعة بنصوصهم، ولم يحرر الحد بمعنى المباينة، ولم يحسن بناء إلزام علم الله وكلامه، ثم قبل أن ينحرف الحوار إلى نزاع على الوقت. وفي المقابل لم يتحول علاء إلى صاحب حق؛ بل ظل أيمن يصف مذهبه بالرفض ويعرض ما يراه مناقضات خطيرة في كتبه. غير أن نصرة السنة لا تكون بمجرد الانتساب، وإنما بعلم يضع الدليل في موضعه، وخطة تحاصر الدعوى، وتواضع يمنع صاحبه من أن يجعل نفسه مفسرًا يغني عن المفسرين. وينهي الجزء عند بداية مداخلة جديدة، واعدًا بمتابعة ما بقي من المناظرة.