تألّي محمد شمس الدين على الله وتكفير السيوطي بكتاب لا تثبت نسبته
أهمُّ ما جاء في الفيديو
لم يكتف محمد شمس الدين بالطعن في الإمام جلال الدين السيوطي، بل تجاوز ذلك إلى التألي على الله والجزم بأنه لن يغفر له. فقد سماه «إمام الضلالة»، وقاسه على الروافض والنصارى، ثم قال إن غفر الله للسيوطي فمن ذا الذي لا يغفر له. وفي هذا المقطع يرد حامد الطاهر على هذا الغلو من أصلين: أصل شرعي يبين خطر القسم على الله ومنع رحمته عن عباده، وأصل تحقيقي يهدم نسبة كتاب «رشف الزلال في السحر الحلال» إلى السيوطي، وهو الكتاب الذي جعله شمس ذريعة لتكفير الإمام وإخراجه من المغفرة.
حكم بالشرك والخلود ثم أقسم على الله
عرض حامد شمس الدين متكئًا على أريكته، يحتسي شرابًا أصفر، ويقول: «رحم الله الإمام السيوطي إمام الضلالة»، ثم يقرر أن الله إن رحمه لزم أن يرحم كثيرًا من الروافض الذين دعوا غير الله كما دعا السيوطي غير الله واستغاث بالنبي ﷺ، بل وأن يرحم نصارى استهزؤوا بالقرآن. ثم يلحق ذلك بقوله: «إن غفر الله للحجاج فلا يضرك أن تزني بأهلك»، وينتهي إلى الجملة الفاضحة: «إن غفر الله للسيوطي فمن ذا الذي لا يغفر له؟».
يقرر حامد أن هذا الكلام تكفير صريح وتأَلٍّ على رب العالمين؛ لأن شمس حكم على السيوطي بالشرك، وجعل النار مستقره والخلود مصيره. ويواجهه بقول الله الذي تكرر في سورة النساء: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء». فباب المغفرة لله وحده، لا يملكه محمد شمس الدين ولا غيره.
وحتى الحجاج الذي جعله شمس مثالًا، يذكر حامد أن الحسن البصري لم يكفره، وأن خبرًا عرض عليه انتهى إلى أن الله قتله بكل نفس قتلها، ثم بقي ينتظر ما ينتظره الموحدون. فكيف يتحول الجدل في أخطاء الرجال إلى حكم نهائي على سرائرهم وخواتيمهم ومصيرهم عند الله؟
بنى التكفير على التوسل و«رشف الزلال»
يرد حامد أصل تكفير السيوطي إلى أمرين. الأول: ما نسب إليه من الاستغاثة أو التوسل برسول الله ﷺ. ويقرر أن هذه المسألة فيها تفصيل، ويحيل إلى تحقيقه لكتاب ابن تيمية «اقتضاء الصراط المستقيم»، حيث نقل ابن تيمية أقوال الصحابة والفقهاء من جهتي الخلاف، ولم يجعل مجرد القول بالتوسل حكمًا آليًا بالكفر.
والثاني: كتاب صغير يسمى «رشف الزلال في السحر الحلال»، ويعرف كذلك بـ«مقامة النساء». والكتاب في صورته المتداولة مقامة عن 21 عالمًا في الفقه والقراءات والحديث والتفسير واللغة والتاريخ، يصف كل واحد منهم ليلة دخوله بزوجته مستعملًا مصطلحات فنه. وفيه عبارات محرجة وإقحام لألفاظ دينية وقرآنية في وصف الفعل الجنسي.
شرح حامد أن المقامة فن قصصي نشأ قديمًا، يقوم على راو وشخصية يصنعهما الكاتب ويسرد على لسانيهما أحداثًا متخيلة. وقد اعتذر بعض من نسب الكتاب إلى السيوطي بأنه استعمل المواربة وأنه أراد الترغيب في النكاح، لكن حامد رد بالقاعدة الحاكمة: ثبت العرش ثم انقش. فلا بحث في مقصد السيوطي قبل إثبات أن الكتاب له أصلًا.
دعوى الاكتشاف الجديد تسقط أمام بحوث سبقت شمسًا
قدّم شمس القضية كأنه أول من كشفها، مع أن السؤال عن الكتاب منشور في موقع «الإسلام سؤال وجواب» سنة 2012، وسبق إلى مناقشته أبو عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري قبل ذلك أو بعده بسنوات وفق التواريخ التي ذكرها حامد.
ونقل حامد عن ابن عقيل أن إعادة نشر كتب المجون بأسماء علماء الإسلام يراد بها تشكيك المسلم في دينه وتاريخه، حتى يبدو المجون جزءًا من السيرة العلمية للأئمة. وأكد ابن عقيل أن نسبة «رشف الزلال» لا تثبت بمجرد وروده في فهرس، ولا يوثق فيما نسب إلى السيوطي إذا لم يذكره في أسماء مؤلفاته. وضرب بكتاب «الكنز المدفون والفلك المشحون» الذي طبع منسوبًا للسيوطي، مع أنه ليونس المالكي.
ومع أن ابن عقيل قال إن الكتاب-لو ثبت-كان جرحًا في صاحبه، فإنه لم يتجرأ على الحكم بالنار ولا على منع المغفرة؛ بل قال إن خاتمة الإنسان لا يعلمها إلا الله، وإنه قد يكون من الصنف الثالث المذكور في قوله تعالى: «فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله». فالباحث الذي أبغض مضمون الكتاب بقي واقفًا عند حدود العبودية، أما شمس فانتقل من نسخة مضطربة إلى قسم على الله ألا يغفر لعبده.
كيف تثبت نسبة كتاب إلى مؤلفه؟
يبين حامد أن تحقيق النسبة علم له أبوابه، وليس صورة خاتمة مخطوط ولا ذكرًا في فهرس متأخر. يجمع المحقق النسخ الخطية ويقابل بينها، وينظر في شهادات المعاصرين وكتب الطبقات والتراجم، وفي إحالة المؤلف إلى الكتاب داخل كتبه الأخرى، وذكره لشيوخه المعروفين، وتكرار مباحثه وآرائه، واشتهار الكتاب بروايته عنه. كما يسأل: هل المؤلف ممن كثرت الكتب المنحولة عليه؟
وضرب مثالًا بابن القيم الذي أحال في مؤلفاته إلى كتبه الأخرى وذكر شيخه ابن تيمية، وبكتاب «مكاشفة القلوب» المنسوب إلى الغزالي وفيه نقل عن ابن القيم المتأخر عنه بأكثر من قرنين ونصف، وبالشعراني الذي نسبت إليه كتب لم تثبت كما ثبتت له كتب أخرى.
ولا يدعي حامد عصمة السيوطي؛ بل يصرح بأن له أخطاء وتساهلًا في تصحيح بعض الأحاديث، وأنه لم يكن في بعض مسائل الصفات على الجادة المرجوة. لكنه يصفه بالعالم الموسوعي الذي أتعبه في تحقيق «الدر المنثور» و«تاريخ الخلفاء» لكثرة فنونه ودقة عزوه للآثار، ويذكر وجود «الإتقان» عنده. ويرى أن إسقاط عالم بهذا الاتساع يحتاج تحقيقًا يفتقر إليه شمس، الذي لم يحقق ربع مخطوط، وإنما يعتقد أولًا ثم يفتش عن أي شبهة تؤيد اعتقاده.
عجز عن قراءة «الباه» ثم نصب نفسه محققًا
عرض حامد مقطعًا لشمس يقرأ فيه كلامًا عن الكتب المنسوبة إلى السيوطي «سيما ما يتعلق منها بالباه»، فعجز عن قراءة الكلمة وقال: «بالبا، لعلها بالباب». و«الباه» هو الجماع، لكن شمس الذي لم يعرف اللفظة خرج ينسب الكتاب إلى إمام، ويجرحه ويعدل غيره، ويحكم على صاحبه بالكفر والنار. ولذلك وصفه حامد بالأمية في العربية والقرآن والتحقيق، وقال إن الجاهل يجوز له أن يسأل، لا أن ينصب نفسه علامة الأمة وإمام الجرح والتعديل.
خاتمة ناسخ متأخر لا تجعل الكتاب بخط السيوطي
استند شمس إلى خاتمة مخطوط جاء فيها: «تمت المقامة المسماة برشف الزلال من السحر الحلال للجلال السيوطي»، وأن إبراهيم بن المبلط الشافعي كتبها من خط مؤلفها. فسأله حامد: من إبراهيم بن المبلط؟ وما توثيقه؟ وهل هو صاحب ضبط وعدالة؟ لقد كان بعض النساخ يدس أسماء العلماء على الكتب لتروج عند المشترين.
كما أن إثبات المخطوط لا يكون بصورة الخاتمة وحدها؛ بل بالنظر في العنوان والبداية والوسط والنهاية ومقابلة النسخ. والنسخة المعروضة كتبت سنة 976هـ، بينما توفي السيوطي سنة 911هـ، أي بعد وفاته بنحو 65 سنة. فهي ليست بخطه، ولا يكفي قول ناسخ مجهول إنه نقلها من خطه لإغلاق باب التحقيق.
«الشبق المحرم»: استدلال بمادة يستعملها الطاعنون في الإسلام
احتج شمس بكتاب «الشبق المحرم»، وبجدول فيه عبارات دينية وقرآنية قيل إن السيوطي وظفها جنسيًا. فأخذ حامد يكشف خلفية المؤلف إبراهيم محمود وكتبه ودار نشره كما عرضها في المقطع. وصفه بكاتب سوري ذي نزعة كردية ويسارية وماركسية، درس الفلسفة وكتب عشرات الكتب التي تدور على الجنس والقومية والطعن في الإسلام.
وسرد من عناوينه: «الإسلام مدخل جنسي»، و«الجنس في القرآن»، و«المتعة المحظورة: الشذوذ الجنسي في تاريخ العرب»، إلى جانب كتب في الجسد والنسوية ومسلمة الكذاب وعبد الله بن سبأ. كما عرض منشورات دار رياض الريس ودار رؤية، وما فيها من صور عارية وكتب يسارية وعنصرية ومعادية للإسلام، وذكر أن «الحوار المتمدن» و«رصيف 21» ومواقع الإلحاد توظف هذه المادة لإثبات أن الإسلام دين جنسي.
وهنا جاءت المفارقة التي فضح بها حامد استدلال شمس: يلحق بدور اليسار ومواقع التلاحدة ويكرر مادتها من أجل إسقاط السيوطي، ولو كانت النتيجة أن يمنحهم سلاحًا للطعن في الإسلام نفسه. ويسمي هذا تدليسًا وافتراء وكذبًا وإرضاء للتلاحدة، ويقول إن الحقد على السيوطي بلغ به هذا الدرك.
بتر كلام سمير الدروبي وقلب نتيجته
احتج شمس بكلام سمير الدروبي في «شرح مقامات جلال الدين السيوطي»، حيث ذكر كثرة توظيف المصطلحات العلمية وطول النفس في «رشف الزلال». لكن حامد عرض تمام كلام الدروبي كما نقله جواب «الإسلام سؤال وجواب»: بناء على ما عرف من قول السيوطي في «حسن المحاضرة» إنه لا يكتب شيئًا يسأل عنه في الآخرة، مال الدروبي إلى أن غالب ما نسب إليه من كتب الباه غير صحيح، وأنها من عمل النساخ أو مما دسه الخصوم والأعداء.
فإعجاب الدروبي بالبلاغة واللفظ لم يكن إثباتًا للنسبة ولا قبولًا للمضمون. وشبه حامد ذلك بمن يستفيد من لغة «نهج البلاغة» مع عدم ثبوت نسبته إلى علي بن أبي طالب، وإن أعلن اعتراضه هو على هذا المسلك من أصله. والمهم أن شمس اقتطع الثناء الأدبي وأسقط خاتمة الباحث التي تهدم استدلاله.
فهارس متأخرة وأخطاء ثابتة في التصنيف
جمع شمس أسماء كتب ودراسات ذكرت «رشف الزلال»: «كشف الظنون» لحاجي خليفة، و«الإسلام الثقافي»، ومحقق «شرح الشاطبية»، و«المنح الإلهية»، ودراسة طاهر سليمان حمودة عن السيوطي. فرد حامد بأن تتابع النقل المتأخر لا يحول الخبر إلى دليل؛ فقد يكون الباحثون بعضهم ناقلًا عن بعض بلا مخطوط ولا قرينة.
ثم عرض من بحوث الدروبي وأبي معاوية البيروتي نماذج لأخطاء فهارس مؤلفات السيوطي. صنف حاجي خليفة «الصواعق على النواعق» ضمن المقامات خلاف فهرست المؤلف، وأدخل جميل بك العظم «طوق الحمامة» فيها، وألحق الشرقاوي إقبال «منهل اللطائف في الكنافة والقطائف»، وخلط الخازندار موضوعات مؤلفات شتى. كما تعقب إسماعيل البغدادي «كشف الظنون» في «إيضاح المكنون».
وأظهر مثالًا واضحًا: عنون ناسخ إحدى النسخ «هذه مقامة الطيف للإمام جلال الدين السيوطي»، لكن عبد الله الجبوري فحصها فوجدها «رسالة الطيف» لبهاء الدين الإربلي المتوفى سنة 692هـ، وليست للسيوطي. فإذا كان عنوان ناسخ قد نقل رسالة رجل إلى مؤلف آخر، فلا تصبح نسبة «رشف الزلال» صحيحة بمجرد عنوان أو خاتمة.
كما نقل أن السيوطي ضبط مقاماته المجموعة والمفردة بأعداد محددة، بينما ألحق به المتأخرون عناوين لا تستقيم مع فهرسته. ولهذا يقرر حامد أن دعوى ظهور مخطوط لا تستغرب في ذاتها؛ فالمخطوطات موزعة في ليدن والإسكوريال وتركيا وهولندا، وقد تظهر أجزاء مفقودة بعد زمن طويل. لكن الظهور شيء، وصحة النسبة بعد الفحص شيء آخر.
ذكر التلاميذ للعنوان لا يغلق باب التحقيق
استند شمس أخيرًا إلى فهرس لابن الحمصي يذكر «مقامة النساء» في 21 عالمًا، وإلى الداودي شمس الدين محمد بن علي، تلميذ السيوطي، الذي ذكر الكتاب ووصفه. لكن حامد رد بأن هذه وجدات ونقول مفردة، لا مقابلة لنسخ الكتاب نفسه. ولم يحل السيوطي إليه في كتاب آخر، ولم يظهر نقد معاصر أو قريب له بسبب هذه المقامة، كما أن فهارس المؤلفات نفسها دخلها النحل وتدخل النساخ.
فحتى لو كثرت الأسماء الناقلة، يبقى السؤال الأصلي قائمًا: أين النسخ المتقابلة؟ وأين القرائن الداخلية والخارجية المتضافرة؟ أما جمع كل قمامة يجدها الباحث لإثبات رأيه السابق، فليس تحقيقًا، بل حقد يتلمس أي طريق إلى تكفير الإمام.
حديث المتألي على الله يغلق القضية
بعد أن هدم حامد عماد النسبة، عاد إلى الجريمة الأصلية: التألي على الله. فذكر حديث جندب بن عبد الله في الرجل الذي قال: «والله لا يغفر الله لفلان»، فقال الله: «من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك».
ثم ذكر حديث الرجلين من بني إسرائيل: أحدهما مذنب والآخر مجتهد في العبادة، وكان العابد كلما رأى أخاه على ذنب قال له: أقصر. فلما قال المذنب: خلني وربي، أقسم العابد أن الله لا يغفر له ولا يدخله الجنة. فلما اجتمعا عند رب العالمين قال للعابد: أكنت بي عالمًا أو كنت على ما في يدي قادرًا؟ ثم أدخل المذنب الجنة برحمته وأمر بالآخر إلى النار. وقال أبو هريرة إن الرجل تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.
الخلاصة: لم يثبت الكتاب وبقي وزر التألي
لم يقدم شمس تحقيقًا يثبت «رشف الزلال» للسيوطي، وإنما جمع خاتمة ناسخ متأخر، وإحالات فهرسية مضطربة، وكتبًا يستخدمها اليساريون والتلاحدة للطعن في الإسلام، واقتباسًا مبتورًا من كلام الدروبي. ثم بنى على هذا الركام حكمًا بالشرك والخلود، وأقسم على رب العالمين ألا يغفر لعبده.
ولهذا يخاطبه حامد بقوله: «يا سليمان، يا منجي، يا حداد، اتق الله». ويسأله: أنت إله أم رب أم نبي أم رسول حتى توزع المغفرة والنار؟ ويذكره بأن الناس يكبون على وجوههم بحصائد ألسنتهم، وأن الموعد عند الله. ففضيحة الحلقة ليست في جهل التحقيق وحده؛ بل في أن الجهل تحول إلى تكفير، والتكفير تحول إلى تألٍّ على الله.
فيديوهات أُخرى
دمشقية بين تكفير السيوطي وإلزام محمد شمس بكلامه في اللفظية
