نصرة الإمام المظلوم أبي حنيفة - الحلقة الثالثة عشرة: الرأي (2)
أهمُّ ما جاء في الفيديو
الحلقة الثالثة عشرة من نصرة الإمام المظلوم أبي حنيفة يواصل فيها فايز الكندري ملف الرأي، فيحرر المصطلح الذي يشهره الحدادية سيفًا على الإمام، ويثبت بعشرات الشواهد أن الرأي المنضبط عمل به الصحابة أنفسهم، وأن اتهام أبي حنيفة برد السنة بالهوى دعوى تنقضها أقواله الثابتة.
المصطلحات تولد مضطربة ثم تستقر
يقرر الكندري سنة جارية: الأفكار في بداياتها يكتنفها التوتر ثم تستقر، فأبو بكر وزيد ترددا في جمع القرآن وقالا كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم شرح الله صدورهما، وقراءة حمزة الزيات كرهها يزيد بن هارون وابن مهدي ثم حكى الذهبي انعقاد الإجماع أخيرًا على تلقيها بالقبول والإنكار على من تكلم فيها. وكذلك مصطلح الرأي: أطلقه بعض السلف على المذموم قبل تحريره ثم اتضح واستقر قول أصحاب المذاهب جميعًا بالرأي المنضبط، فليس كل خلاف قديم يجوز إحياؤه بعد استقرار الأمة، وإشعال الخلافات الغابرة في آخر الزمان خطره أضعاف خطرها الأول.
الصحابة قالوا بالرأي
ويسوق الأدلة: ابن مسعود قضى في بروع بنت واشق برأيه فوافق قضاء النبي صلى الله عليه وسلم فما فرح بشيء بعد الإسلام فرحه بها، وأبو بكر قال في الكلالة أقول فيها برأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وعمر قال بالعول في المواريث وبالمسألتين العمريتين ولا نص فيهما، ومسائل الحائض تطهر قبل الفجر والحامل والمرضع كلها أحكام قيلت بالاستنباط. فالرأي المحمود ما بني على النصوص وأصول الشريعة، والمذموم رأي الهوى والتخرص الذي لم يقل به أبو حنيفة ولا غيره من الأئمة.
هل مخالفة حديث رد للسنة؟
ثم يضع الميزان الذي يفضح الدعوى: لو كانت مخالفة ظاهر حديث ردًا للسنة لم يسلم أحد، فرجلان بعد العصر أحدهما يحتج بحديث لا صلاة بعد العصر والآخر بحديث تحية المسجد، وكلاهما في الصحيحين، فهل كل منهما راد للسنة؟ والعلماء اختلفوا في نكاح المحرم بين حديث مسلم وخبر ابن عباس في تزوج ميمونة، ورجح جمع رواية ميمونة نفسها أنه تزوجها حلالًا، وحديث خلق التربة يوم السبت في صحيح مسلم أعله أئمة كبار لمخالفته ظاهر القرآن وصححه آخرون، وابن عباس لم يقتنع بحديث الوضوء مما مست النار وعارضه بحديث آخر الأمرين، فهل شكك في صدق أبي هريرة؟ إنما هو اجتهاد في الثبوت والدلالة والنسخ، والعالم يتعامل مع الرواية المنقولة بعللها لا كمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم مشافهة.
أبو حنيفة بلسانه
ثم يقلب الدعوى على أصحابها: أبو حنيفة يقدم الحديث الضعيف على القياس كما قرر ابن تيمية وابن القيم، فكيف يقدم الهوى على الصحيح؟ وثبت عنه بإسناد حسن: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، ونقل ابن عبد البر عنه: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وتلميذه زفر يروي عنه: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه، وأبو يوسف لما سمع من مالك رجع وقال: لو رأى صاحبي مثل ما رأيت لرجع كما رجعت. فهذه مدرسة التجرد لا التعصب، وكل الأئمة رجعوا عن أقوال لهم لما بان الدليل.
الخلاصة
من نظر إلى المشهد من ثقب ضيق رأى ردًا للحديث، ومن تأمل كالفقهاء علم أن العالم إنما رد ما لم يثبت عنده أو قدم ما هو أولى بدليل، ولهذا يوصي الكندري بتدريس فقه التعامل مع الخلاف قبل تدريس الفقه نفسه. أما من لا يفرق بين الضمير واسم الإشارة ثم ينصب نفسه حاكمًا على إمام الأئمة فنصيحة الكندري له: ارحم نفسك وارحمنا معك.
فيديوهات أُخرى
