٢٣/ نصرة للإمام المظلوم أبي حنيفة رحمه الله / فايز الكندري
أهمُّ ما جاء في الفيديو
الحلقة الثالثة والعشرون، ويحاكم فيها فايز الكندري روايات الطعن إلى باب الشهادات لا إلى باب الروايات، ثم يكشف تناقضها ويشير إلى من كان له مصلحة في نسجها.
رواية أم شهادة؟
يفتتح بتفريق أصولي: الرواية إخبار عن حكم عام يشترك فيه الناس، مستنده السماع، ولا يترافع فيه إلى الحكام، كحديث «صلوا كما رأيتموني أصلي». والشهادة خبر جزئي عن معين، مستنده المشاهدة أو السماع، ويترافع فيه إلى الحكام. ولذلك كان باب الرواية أوسع: لا تقدح فيه القرابة ولا تتصور فيه العداوة مع النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف الشهادة التي ترد فيها شهادة ذي الغمر على أخيه. والطعون في أبي حنيفة خبر جزئي عن معين، فهي من باب الشهادة، فيلزمها التشدد. ويرد على من يقول إن أحكام الشهادة تسقط بموت المشهود عليه: بل الواجب أن نزداد تشددًا، فقد كان في حياته قادرًا على تبرئة نفسه، وهو اليوم عاجز.
الدعوى غير المحررة
ثم يضيف شرطًا آخر: أن تكون الدعوى محررة، أي منقاة مبينة يزول عنها اللبس. فلا يكفي أن يقال فلان لعنه الله، أو ما ولد في الإسلام مولود أشأم منه، فهذه لا قيمة لها في ميزان الشرع لأنها غير محررة: لم يبين الشاهد كيف علم، ولا هل شاهد أو سمع، ولا ممن سمع، ولا هل بينهما خصومة. ويجيب عن إلزام الخصوم بأن رد الطعن اتهام للطاعن بالكذب، فيقلبه: قال عمر لأبي هريرة كلمة شديدة، أفنقبلها فيلزم منها ما لا يقال، أم نردها فيلزم اتهام عمر؟ بل هؤلاء غير معصومين، نترحم عليهم ونستغفر لهم ونرد ما لا يثبت. ويستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر حين أغضب سلمان وصهيبًا وبلالًا: «لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك».
الاضطراب الذي يسقط الشهادة
ثم يعرض ما يعده الحجة الحاسمة: تناقض روايات الاستتابة. فمرة يروى عن شريك «استتبت أبا حنيفة مرتين»، ومرة عنه «استتيب مرتين» بالبناء للمجهول، ومرة عن سفيان الثوري الصيغتان نفسهما، ومرة أن أصحابه استتابوه، ومرة أن خالدًا القسري، ومرة أن عيسى بن موسى، ومرة أن ابن أبي ليلى. وكذلك اختلف في سببها: مرة من الزندقة، ومرة من قول جهم، ومرة من الإرجاء، ومرة لأمر مبهم. فصارت الاستتابات في المجموع أضعاف ما يقول به الخصوم أنفسهم من أنها مرتان. ويقرر أن هذا اضطراب جوهري لا يمكن الجمع فيه، وأنه يدل على اختلال الضبط، وقد عد أهل الفن الحديث المضطرب من الضعيف وهو من باب الرواية، فكيف بباب الشهادة وهو أضيق؟ ويرد على قول من يقول إنهم اتفقوا على أصل الاستتابة: هذا لا يقول به أحد من أهل العلم، فالاضطراب يسقط الشهادة برمتها.
القرينة القاطعة
ويستدعي بابًا فقهيًا آخر: القرائن القاطعة، وهي وسيلة إثبات قد تكون أقوى من الشهادة، كما قال ابن القيم في «الطرق الحكمية»: البينة اسم لكل ما يبين الحق، ولم تأت في القرآن مرادًا بها الشاهدان. ويستشهد بقضاء سليمان في المرأتين، وبقوله تعالى ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾، وبمن أوجب الحد برائحة الخمر أو بوجود المسروق مع السارق. ثم يعين القرينة هنا: أن الملازمين لأبي حنيفة وتلاميذه وتلاميذ تلاميذه إلى اليوم ينفون عنه هذه المقالات، ولا نظير في التاريخ لرأس مقالة يقول بها وأتباعه يكفرون من يقول بها.
أيد خفية وراء الأكاذيب
ويوسع النظر: نقل ابن الجوزي عن حماد بن زيد أن الزنادقة وضعوا على النبي صلى الله عليه وسلم ألوفًا من الأحاديث، فلما حمى العلماء السنة انصرفوا إلى الكذب على حملة الدين. فنسب إلى أبي حنيفة «كتاب الحيل» وقد أنكره أهل مذهبه، وثبت عن أبي سليمان الجوزجاني وعن محمد بن الحسن نفسه بإسناد صححه الطحاوي: هذا الكتاب ليس من كتبنا. ونسب إلى مالك «كتاب السر»، وأنكره ابن القاسم وابن فرحون وابن الحاجب والقرافي والقرطبي، وقالوا ورع مالك ينافي ما فيه. ونسب إلى أحمد رسالة فيها ما تنزه عنه، وإلى الشافعي رسائل مكذوبة، حتى دس في إحداها أن أبا يوسف حرض عليه، والشافعي إنما دخل بغداد بعد وفاة أبي يوسف. ويلفت إلى قاسم مشترك: أن أبا حنيفة ومالكًا كليهما كان مناوئًا للسلطان يومئذ ووقف مع ثورة النفس الزكية، فالخصم واحد والمستفيد من إسقاطهما واحد.
الخلاصة
يختم بأثر صححه الألباني عن أبي يوسف: ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر فاتفق رأينا على أن من قال القرآن مخلوق فهو كافر. وبأثر صحيح عن أبي سليمان الجوزجاني ومعلى بن منصور الرازي: ما تكلم أبو حنيفة ولا أبو يوسف ولا زفر ولا محمد ولا أحد من أصحابهم في القرآن، وإنما تكلم فيه بشر المريسي وابن أبي دؤاد فهؤلاء شانوا أصحابنا. ويقارن ذلك بما يعتمد عليه الخصوم من طرق فيها مجهول يروي عن مجهول، أو راو ثبت عن أهل الفن أنه جهمي. ثم يقرر النتيجة: تركوا أقرب الناس إلى الرجل واتبعوا أبعدهم عنه، وذلك عين ما أراده من نسج تلك الأكاذيب.
فيديوهات أُخرى
