٢١/ نصرة للإمام المظلوم أبي حنيفة رحمه الله / تابع تفنيد روايات الذم / فايز الكندري

الشيخ فايز الكندري 20 فبراير 2023

أهمُّ ما جاء في الفيديو

الحلقة الحادية والعشرون، وهي تكملة الجرد، ومحورها روايتان يعتمد عليهما الخصوم كثيرًا: أثر نعي أبي حنيفة عند سفيان الثوري، وأثر إقرار أبي يوسف المزعوم.

أثر النعي ومتنه

يبدأ الشيخ فايز برواية الفسوي في «المعرفة والتاريخ» عن نعيم بن حماد: أن سفيان الثوري لما جاءه نعي أبي حنيفة قال كلامًا فيه شماتة وتشاؤم وتلميح بالتكفير. ويبدأ من المتن قبل الإسناد: فيه تطير وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «الطيرة شرك»، وفيه تألٍّ على الله بأن يجعل رجلًا أشأم مولود في الإسلام، وقد ترك الحجاج قاتل العلماء، وعبيد الله بن زياد، وابن ملجم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لعلي «أشقى الآخرين قاتلك». فقبول هذا المتن طعن في سفيان الثوري نفسه قبل أن يكون طعنًا في غيره.

نعيم بن حماد

ثم يعرض حال راويه في أدب واعتذار: نعيم بن حماد من كبار الحفاظ، ابتلي في محنة خلق القرآن ومات في قيوده، وثقه أحمد وأبو حاتم والعجلي. لكن ابن معين قال يروي عن غير الثقات، وقال أبو زرعة يصل أحاديث يوقفها الناس، وقال النسائي ليس بثقة وإنه كثر تفرده عن الأئمة فصار في حد من لا يحتج به، وقال الدارقطني كثير الوهم، وقال الذهبي لا تركن النفس إلى رواياته، ولم يرو له البخاري إلا مقرونًا. ويحكي واقعة رواها الدوري عن ابن معين: أنه رده في مجلسه بمصر على حديث عزاه إلى ابن المبارك، فأبى أن يرجع، فقال ابن معين ما سمعته أنت من ابن المبارك قط ولا سمعه ابن المبارك ممن فوقه، فدخل نعيم وأخرج صحفه ثم قال أمام الجمع: نعم يا أبا زكريا غلطت. ويقرر أن هذه الوقائع مجتمعة توجب الاحتياط في روايته لا إسقاطه، وأنه يذكر أقوال أهل الفن ولا يطعن فيه هو.

«لا رحم الله أبا حنيفة»

ويمر على رواية عند أبي زرعة الدمشقي عن سلمة بن عمرو قاضي دمشق للعباسيين أنه قال على المنبر إن أبا حنيفة أول من قال بخلق القرآن. فيرد بأمرين: أنه شامي وأبو حنيفة كوفي ولا يثبت لقاؤهما فضلًا عن الصحبة؛ وأن اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» نص على أنه لا خلاف بين الأمة أن أول من قال ذلك هو الجعد بن درهم، بل عد أبا حنيفة في الأئمة الذين قالوا إن من قال بخلق القرآن فقد كفر.

رواية أبي القاسم البغوي

ثم يفرد بحثًا للرواية الأشهر عند الخطيب: أن الحسن بن أبي مالك سأل أبا يوسف عن قول أبي حنيفة في القرآن، فأجاب بما ينسب إليه، ثم حدث بها أبو القاسم البغوي القاضيَ البرتي فأقره. ويبين أن العلة ليست في الحسن بن أبي مالك كما أعلها بعض الفضلاء، فقد ذكره اللكنوي في «الفوائد البهية» في تلاميذ أبي يوسف، وقال فيه الصيمري ثقة غزير العلم. العلة عنده في أبي القاسم البغوي: وثقه الخطيب وابن معين والدارقطني والذهبي، لكن السليماني، وهو محدث ما وراء النهر ولا نظير له في زمانه، اتهمه بسرقة الحديث؛ وابن عدي، وهو معاصره، ذكره في «الكامل» وقال إنه وافى العراق فوجد أهل العلم مجتمعين على ضعفه زاهدين في مجلسه، وذكر عنه أمورًا أخرى، ثم اعتذر بأنه لولا شرطه في الكتاب لما ذكره. ويضم إلى ذلك ما نقله عبد الغني الأزدي عن أبي بكر النقاش من غلط له في إسناد أسقط منه واسطة، ثم اعترف بعد أن شاع الأمر. ويقرر منهجه في ذلك: هذه الوقائع لا تؤخذ مفردة بل مجتمعة، ومجموعها يورث ريبة توجب الاحتياط، لا سيما والمتن طعن في مسلم.

النقد الداخلي للمتن

ثم ينتقل من الإسناد إلى المتن فيجد فيه ما يسقطه من داخله: الحسن بن أبي مالك حنفي تفقه على أبي يوسف، والقاضي البرتي حنفي أخذ عن بشر بن الوليد الكندي وداود بن رشيد وكلاهما من أصحاب محمد بن الحسن. فكيف يبقى هؤلاء على مذهب رجل يعتقدون فيه ما نسب إليه، وهم يكفرون القائل به؟ ولا مخرج إلا أحد أمرين: إما أن يقال إنهم بقوا عليه مع علمهم، وهذا طعن فيهم؛ وإما أن يقال إن أبا يوسف ترك المذهب، وهذا يكذبه كتابه «الخراج» الذي كتبه بعد وفاة شيخه، وفيه يسميه «الفقيه المقدم» وينقل عنه.

الخلاصة

يختم الشيخ فايز بنموذج من «الخراج» يراه درسًا في الأدب والفقه معًا: ذكر أبو يوسف رأي شيخه في قسمة الغنيمة للفارس والراجل ومستنده أثر عن عمر، ثم خالفه بأدب فقال إن ما جاء من الأحاديث والآثار أكثر وأوثق، وبين أن التفضيل ليس تفضيلًا لبهيمة على مسلم بل لأن عدة الفارس أكثر وترغيبًا في رباط الخيل، ثم قال لهارون الرشيد: فخذ بأي القولين رأيت واعمل بما ترى أنه أفضل وأخير للمسلمين. ويعلق: هكذا رباهم على ألا يقلدوه، ومن كانت هذه تربيته لتلاميذه فهم أبعد الناس عن السكوت عما ينسب إليه. ويعد بأن الحلقة القادمة مهمة، وأن فيها ما يشفي صدور قوم مؤمنين.