نصرة الإمام المظلوم أبي حنيفة - الحلقة التاسعة

الشيخ فايز الكندري 24 نوفمبر 2022

أهمُّ ما جاء في الفيديو

الحلقة التاسعة من سلسلة فايز الكندري، ومدارها على سؤال واحد يطرحه المخالف: إن كان سائر الفقهاء لهم مخالفات لم تبلغهم أدلتها، فلماذا أولع الناس بأبي حنيفة وحده؟ فلا بد من أمر زائد. والجواب يفكك السؤال من أساسه.

حين يتهم الأئمة بالمجاملة

يقف الشيخ فايز أولًا عند طريقة صاحب الكتاب في التخلص من كل من خالفه من الأئمة: الذهبي مميع، وابن عبد البر غير نزيه، وابن تيمية لاطف الأحناف ولم يواجههم بالحقيقة خوفًا من سطوتهم. ويجيب بأن هذه ورطة منهج لا يجد له بعد القرن السادس نصيرًا واحدًا من أهل العلم، فيضطر إلى اتهامهم جميعًا. أما ابن تيمية فقد وقف بين يدي غازان ملك التتار فذكره بكفر أبيه وجده وبنقضه للعهد، وامتنع عن طعامه لأنه من نهب المسلمين، حتى قال له أصحابه بعد خروجه كدت تهلكنا وتهلك نفسك، فهذا لا يخاف الأحناف. ثم الأهم: من سكت خوفًا فقد أدى الأمانة، أما من كتب في فضائل أبي حنيفة وهو يعتقد خلاف ذلك فقد خانها. وابن عبد البر في الأندلس أين هو من سطوة الأحناف، وقد ألف «الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء»؟ والذهبي ألف مناقب أبي حنيفة وصاحبيه.

سفيان الثوري: المقياس الذي انقلب على صاحبه

ثم ينتقل إلى دعوى أن سفيان الثوري قرين أبي حنيفة ولم تسجل عليه تلك المخالفات، فيبين أولًا أن المقارنة نفسها لا تستقيم: الثوري إمام لكن لا مذهب له محرر ولا أصول مدونة ولا آلاف من الفقهاء والمحدثين نقلوا أقواله، فمن كثر عليه النقل كثر عليه الاعتراض. ثم يقلب الدعوى: الثوري نفسه يوافق أبا حنيفة في عدم رفع اليدين إلا عند تكبيرة الإحرام، وفي مدة الإقامة التي تقصر فيها الصلاة، ويوافقه ومالكًا وأحمد في ترك جلسة الاستراحة، بل يرى أن الفاتحة لا تجب في الركعتين الأخيرتين. فإن كان هذا كله ردًا للسنة فقد لزم الجميع، والحق أن الخلاف في التصحيح والتضعيف والتوفيق بين المتعارض، لا في قبول السنة وردها. ويستشهد باللكنوي الحنفي وهو ينكر على حنفي أعاد صلاته خلف شافعي رفع يديه، ويقول: ما أقبح كلامه وما أضعفه، وقد كان الصحابة يقتدي بعضهم ببعض ومنهم الرافع ومنهم التارك.

«لا بد من أمر زائد» بابًا مفتوحًا

ويسمي فايز هذه العبارة كلمة السر، وفتحًا لغطاء القمامة كي تنبعث الروائح. فهي قاعدة تدمير لو طردت لم يبق عالم: أبو زرعة وأبو حاتم هجرا البخاري وقال أحدهما فيه متروك الحديث، ومالك قال في محمد بن إسحاق دجال من الدجاجلة، وقتادة قيل فيه ما قيل، وقال يحيى بن أبي كثير في أهل البصرة كلمة، فهل نفتش عن أمر زائد في كل واحدة؟ ويقابل ذلك بمنهج الذهبي: كلام الأقران يطوى ولا يروى، ولا يعبأ به إذا لاح أنه لعداوة أو خلاف مذهب أو حسد، وما سلم من ذلك عصر إلا الأنبياء والصديقين. ويلفت إلى أن هذا كلام الذهبي الذي يوصف اليوم بالتمييع، وإلى أنه قال في أبي نعيم إنها عقوبة من الله لكلامه في ابن منده، ثم قال لا أقبل كلام كل منهما في الآخر.

محن العلماء

ثم يذكر أن الابتلاء بالطعن لم يخص أبا حنيفة. فالخطيب البغدادي، الذي يظهر في كتابه ميل عن الإنصاف في هذا الباب، ابتلي هو نفسه بأشد منه: قتل صاحبه الوزير ابن مسلمة في فتنة البساسيري، ففر إلى دمشق واشتهر مجلسه في الجامع الأموي، فسعى به الوشاة إلى أميرها، فلما خافوا ثورة أهل السنة إن قتلوه رموه بفاحشة عظيمة وهو منها بريء، حتى هربه صاحب شرطة دمشق. والبخاري خرج من نيسابور بعد أن منع الذهلي طلبته من مجلسه في مسألة اللفظ، وقام مسلم وأحمد بن سلمة من المجلس، وعاتب أبو زرعة مسلمًا على ذلك، ثم اشتد على البخاري الأمر بمرو حتى دعا الله أن يقبضه.

الخلاصة

يخرج الشيخ فايز بقاعدة يوصي بها ابنه الحبيب: هذه الخلافات تعامل كما نتعامل مع ما جرى بين الصحابة، بقول عمر بن عبد العزيز تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني، وبتشبيه ابن تيمية للصحابة بالعيون ودواؤها ترك مسها. وقول أحمد فيما كان بين علي ومعاوية: ما أقول فيهما إلا الحسنى. ثم يختم بالمعنى الذي يريد ترسيخه: لست قاضيًا على هؤلاء، بل تلميذ يستفيد ممن هو أنجب منه وأذكى وأعلم وأتقى، فإن كانت أقدام من هم خير منا قد زلت، فما بالنا نحن نزل في اليوم ألف مرة ولا نراها.