٢٤/ نصرة للإمام المظلوم أبي حنيفة رحمه الله / الحلقة الأخيرة / فايز الكندري
أهمُّ ما جاء في الفيديو
الحلقة الأخيرة من السلسلة، ويجمع فيها فايز الكندري ما تفرق: تناقض روايات الاستتابة، وكيف تقرأ زلة العالم، ثم يفتح ملفًا لم يفتحه من قبل - من كان يحكم يومئذ، ومن كان له مصلحة في تشويه أبي حنيفة.
استتابة أخرى تزيد الاضطراب
يفتتح برواية ينقلها الملا علي القاري عن أبي الفضل الكرماني من كبار الحنفية: أن الخوارج لما دخلوا الكوفة قيل لهم هذا شيخ القوم، فأخذوا أبا حنيفة وقالوا تب من الكفر، فقال أنا تائب من كل كفر. فلما فهموها على غير وجهها وعادوا إليه سألهم: أبعلم قلتم أم بظن؟ قالوا بظن، قال فإن بعض الظن إثم والإثم ذنب، فتوبوا أنتم من الكفر، لأنهم يكفرون بالذنوب. ويعلق: فهذه استتابة أخرى تضاف إلى ركام متناقض. ويضيف ما ذكره الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني من أن أكثر القضاة الذين امتحنوا الرواة زمن المأمون كانوا ينسبون إلى المذهب الحنفي ويقولون بخلق القرآن، فانتقم منهم بعض الرواة بالنيل من إمامهم وسووا بينه وبينهم. ثم يقدم قرينة عقلية: لو صحت هذه الاستتابة لانتشرت تفاصيلها أسرع من النار في الهشيم، فقصة محنة الإمام أحمد وصلتنا بتفاصيلها، فكيف لا يصلنا من قصة أبي حنيفة شيء؟
كيف تقرأ زلة العالم
ويعرض القاعدة بمثال من كتب الرجال: تكلم مالك في محمد بن إسحاق بكلمة قاسية سببها خلاف في نسب، فقال فيه ما قال، ثم ذكر ابن حبان أنهما تصالحا، فأعطاه مالك عند الوداع خمسين دينارًا ونصف ثمرته تلك السنة وأصلح الله ما بينهما. ومثله ما جرى بين أحمد وأبي حنيفة ثم قوله آخرًا «لم يصح عندنا». ويسأل: فمن طار بالكلمة الأولى وترك الصلح، ماذا يقول لصاحبها يوم القيامة وقد تاب هو ورجع؟ ويسوق أثر معاذ: «إياكم وزيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به»، وقيل له وكيف زيغة الحكيم؟ قال: كلمة تروعكم وتنكرونها. وأثر ابن عباس «ويل للأتباع من زلة العالم»، وقول ابن المبارك: رب رجل حسن وآثاره صالحة له عثرة وزلة فلا يقتدى به فيهما.
رأي شرعي أم طبع بشري
ثم يقرر تفريقًا يراه مفتاحًا: مواقف العلماء قسمان، فما وافق الأصول الشرعية فهو رأي شرعي يحتمل الصواب والخطأ، وما خالفها فهو طبع بشري لا يمثل الشريعة. ويستدل بأن هذا واقع في كلام المعصوم نفسه: سأله الحباب بن المنذر يوم بدر أمنزل أنزلكه الله أم الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال بل هو الرأي والحرب والمكيدة؛ وقال في تأبير النخل «أنتم أعلم بأمور دنياكم»؛ ونزل العتاب في أسرى بدر. ثم يسوق حديث أم سليم في صحيح مسلم حين ظنت اليتيمة أنه دعا عليها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنه اشترط على ربه: «اللهم إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل فاجعلها له طهورًا وزكاة وقربة تقربه بها منك يوم القيامة». ويعقب: إذا كان هذا في المعصوم، فكيف بكلام العلماء بعضهم في بعض؟ ثم يبلغ الحجة غايتها: مسطح بن أثاثة شهد بدرًا وزل لسانه في أعظم عرض، فمن أعظم عند الله: مسطح البدري أم من دونه؟
من كان يستتيب؟
ويقلب النظر إلى الرواية التي تقول إن عيسى بن موسى استتاب أبا حنيفة، فيسأل: من عيسى بن موسى؟ هو ولي عهد السفاح ثم المنصور، وقائد الجيش الذي قاتل محمد النفس الزكية. وهل يعقل أن تقع استتابة كهذه بغير إذن المنصور؟ ثم يعرض من كان مقربًا من المنصور: عمرو بن عبيد رأس الاعتزال، الذي كان المنصور يمدحه ويقول «كلكم يطلب صيدًا غير عمرو بن عبيد»، ورثاه بشعر حين مات. وهو الذي أنكر الجمعة بعد عثمان، وأول من سمى أهل السنة بالحشوية، وطعن في ابن مسعود وفي فتاوى عمر وعلي، ورد شهادة الطائفتين من الصحابة. فأي حرص على العقيدة كان عند من يقرب هذا ويستتيب أبا حنيفة؟
صورة العصر
ويعرض ما يراه ضروريًا لفهم المسألة: طبيعة الحكم يومئذ. فيسرد من كتب التاريخ هدم سور دمشق، ونبش قبور بني أمية، وقتل الوزير أبي سلمة غدرًا ثم إشاعة أن الخوارج قتلوه وإغلاق أبواب البلد إيهامًا بالبحث عن القاتل، ثم الصلاة عليه في جنازته. ويذكر قتل عبد الله بن علي عم السفاح في بيت جعل أساسه ملحًا ثم أجري عليه الماء فسقط. وأبا مسلم الخراساني الذي قال ابن جرير الطبري إنه قتل في حروبه ستمائة ألف صبرًا سوى قتلى المعارك، وكيف قتله المنصور غدرًا بعد أن أمنه. وقتل ابراهيم بن ميمون الصائغ الفقيه العابد لأنه ألح عليه في إقامة الحدود. وحبس آل الحسن في سجن لا يعرفون فيه وقت الصلاة إلا بقدر ما يتلون من القرآن، وضرب أحدهم مائة وخمسين سوطًا حتى ذهبت عينه، وقتل محمد بن إبراهيم بين أسطوانتين، حتى لم يتمالك ابن كثير وهو يسرد ذلك فقال: على المنصور ما يستحقه من عذاب الله. ثم مقتل محمد النفس الزكية والطواف برأسه في الأقاليم.
سياسة إلباس الخصم ثوب البدعة
ويستخرج من هذا التاريخ قاعدة في السياسة يراها مفتاح القضية كلها: أن السلطان كان يحول خصمه السياسي إلى خصم عقدي. ويضرب مثالًا بأحمد بن نصر الخزاعي، وقد بويع سرًا على الأمر بالمعروف والتفت حوله الألوف، فلما كشف أمره سأله الواثق عن خلق القرآن ليجعل القضية دينية فقتله عليها. ويستدل على أن السبب الحقيقي غير ذلك بأمرين: أنه لم يكن مشهورًا بالتحديث حتى قال ابن معين إنه كان يقول لست أهلًا لذلك، وأنه وحده الذي ضربت عنقه في تلك المحنة دون من هو أعظم أثرًا منه؛ ثم إن الواثق تتبع أصحابه فسجن منهم نحو 29 رجلًا وقيدهم ومنع عنهم ما يجريه على غيرهم. ويقول: فإذا كان هذا صنيعهم، فما الذي يمنع أن تكون الإشاعة عن أبي حنيفة من المصدر نفسه، كما كان مع مالك، وكلاهما خصم للمنصور؟
لماذا أفتى بالخروج
ويصل إلى موقف أبي حنيفة نفسه: كان يضرب كل يوم ليقبل القضاء فيأبى، حتى ذكر الجصاص أنه أوشك على الهلاك، فأشار عليه إخوانه أن يتولى شيئًا يسيرًا ليكف عنه، فتولى عد أحمال التبن. وأفتى بالخروج مع زيد بن علي وأعانه بالمال سرًا، وكذلك مع محمد النفس الزكية. ولما رأى أبا إسحاق الفزاري خارجًا إلى الرباط قال له: لمخرج أخيك أحب إلي من مخرجك، لأنه كان يرى إصلاح الداخل أولى. وحدث ابراهيم الصائغ بحديث «أفضل الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله»، فقالها وفعلها ومات في سجنه. ويصرح فايز برأيه هو: لا يرى جواز الخروج على الحاكم الظالم لأن مفسدته أعظم من مفسدة تركه، ووعد بإفراد ذلك بكتاب، لكنه يقدر منطلقات من رأى غير ذلك من السلف ويعرف ما كانوا فيه، ويقول إن من ينكر عليهم اليوم لو ناله عشر معشار ما نالهم لما ثبت.
الخلاصة
يختم الشيخ فايز السلسلة بأنه أرجأ كثيرًا مما جمعه إلى كتاب يعده، وبأن ما بقي للخصوم بعد هذا إنما هو التشغيب وذر الرماد في عيون من لم يتمكن من العلم. ثم يوصي وصيته الأخيرة: عليكم بكبار العلماء الذين فهموا كلام السلف على حقيقته، فكما نحتاج الصحابة لفهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ونحتاج التابعين لفهم كلام الصحابة، نحتاج أئمة القرون التالية لفهم كلام السلف؛ ولا يأتيك من لا يحسن أوليات العلم ليشرح لك كلامهم ويضرب بكلام هؤلاء عرض الحائط. ويشكر الله على ما بلغه من أثر السلسلة في نفوس كثيرين، وينسب الفضل كله إليه وحده.
فيديوهات أُخرى
